يفحص ابن هشام الأنصاري في «المسائل السفرية في النحو» خمسةَ تراكيب شاع استعمالها على ألسنة العلماء والناس، واستوقفه ما فيها من نصب وإضمار واحتمال في العربية، بعد أن سأله بعض إخوانه عنها وهو على جناح السفر؛ وهي: «فلان لا يملك درهمًا فضلًا عن دينار»، ونحو «الإعراب لغةً: البيان، واصطلاحًا: تغيّر الآخر لعامل»، و«يجوز كذا خلافًا لفلان»، و«وقال أيضًا»، و«هلم جرًّا». ولا يفترض ابن هشام سلامة هذه التراكيب لمجرد اشتهارها، بل يصرح بأنه غير واثق من عربية بعضها، وأن ما وقف عليه من تفسير لبعضها لم يشفِ الإشكال؛ ولذلك يجعل كل تركيب مسألة مستقلة يُعيد فيها النظر في اللفظ والمعنى والإعراب والاستعمال.
ويُمعن في تحليل «فضلًا عن» خاصة، فيبدأ بما نُقل عن أبي علي الفارسي من نصب «فضلًا» على المصدر أو الحال، ثم يُفصِّل وجوه التقدير، ويناقش ما ذكره أبو حيان، ويفرق بين قواعد النفي وما يقتضيه اللفظ وما يصدق معه من معنى، مستشهدًا بآيات من القرآن الكريم والشعر وكلام العرب. وعلى الطريقة نفسها يبحث نصب «لغةً» و«اصطلاحًا»، فيختبر احتمالات نزع الخافض، والتمييز، والمفعول المطلق، والمفعول لأجله، والحال، ويرد كل وجه بما يَرِد عليه من جهة الصناعة أو المعنى حتى ينتهي إلى الوجه الذي يظهر له. وتكشف هذه المناقشات عن منهجه في أن صحة الإعراب لا تنفصل عن صحة المعنى؛ فالتقدير الذي يستقيم صناعيًّا قد يرده إذا أدى إلى معنى غير مراد، كما يرفض التخريج الذي لا يوافق سنن الاستعمال.
ويبحث بعد ذلك «خلافًا لفلان» بين المصدرية والحالية، ويجعل تقدير القول المحذوف وجهًا صالحًا لتفسيرها، ثم يتتبع أصل «أيضًا» من «آض» بمعنى رجع، ويرفض جعلها حالًا من فاعل «قال» على الإطلاق؛ لأن الاستعمال لا يقتضي دائمًا رجوع القائل إلى قول بعد فراغه منه، ويُرجِّح لها تقديرًا يطّرد في مختلف السياقات. أما «هلم جرًّا» فيستقصي ما قاله الجوهري وابن الأنباري وأبو حيان والزجاجي في معناها وإعراب «جرًّا»، ثم يتوقف في كون التركيب عربيًّا محضًا، ويمتحن ذلك بما تقرر في دلالة «هلم» ولغتي الحجاز وتميم واستعمالها في القرآن الكريم. وهكذا تتجاوز «المسائل السفرية» حدود إعراب ألفاظ قليلة إلى درس دقيق في منهج التخريج النحوي نفسه؛ إذ يوازن ابن هشام بين القياس والسماع، والصناعة والدلالة، وشهرة الاستعمال وثبوته عن العرب، مستعينًا بالقرآن الكريم والشعر وأقوال أئمة العربية في ترجيح ما يستقيم من الوجوه ورد ما لا ينهض عليه الدليل.