يجيب يحيى الشاوي في هذا الكتاب عن مسائل دقيقة في الاعتقاد وعلم الكلام بعث بها إليه بعض من لقيهم في أثناء اشتغاله وتنقله، ممن حضر معه درسًا في العقائد، فصرح بأنه وضع الكتاب لمعالجة ما قد يشكل على الأذهان أو يحتاج إلى البرهان، وأنه جمع أجوبته مستعينًا بما وقف عليه من كلام المتقدمين. وتدور الرسالة على ستة أسئلة تتصل بالدليل في مسائل الاعتقاد، والخطأ والصواب في العقليات، وتعلقات الإرادة، وعلاقة الرضى والمحبة بها، ودلالة الكلام على أقسام الحكم العقلي، ثم مسألة «الحال» في الصفات. ففي السؤال الأول يبحث معنى الدليل الإجمالي الذي يخرج المقلد من مجرد التقليد، ويرفض تفسير «الإجمالي» بأنه دليل واحد يجمع جميع الصفات، ويرى أن الإجمال والتفصيل وصفان لحال الناظر في الدليل: فإن أدركه إدراكًا يمكنه من تقريره ودفع الشبه عنه كان تفصيليًا، وإن حصل له أصل الدلالة مع العجز عن تقرير دقائقها ودفع الاعتراضات عنها كان إجماليًا؛ ولذلك لا يجعل حدوث العالم في ذاته دليلًا إجماليًا أو تفصيليًا إلا باعتبار مقدار وصول الناظر إليه. ويتفرع من هذا البحث إلى حقيقة الإيمان والتصديق، وهل هو فعل للنفس أو كيفية تحصل فيها، وما يترتب على ذلك في مسألة التكليف والثواب، كما يناقش مفهوم «الحال» عند المثبتين والنافين، فيعرض نشأة القول بها، واختلاف أبي هاشم الجبائي وأبيه فيها، وموقف الباقلاني والأشعري وإمام الحرمين، ثم يشرح المراد بالأحوال المعللة وغير المعللة وحجج الفريقين.
ويخصص الشاوي جانبًا آخر للسؤال عن قول العلماء إن المصيب في العقليات واحد مع وقوع الخلاف بين أئمة ينتمون إلى أهل السنة؛ فيفرق بين القطعيات العقلية والمسائل الظنية، ويقرر أن المختلفين في المسألة العقلية لا يكونان كلاهما مصيبين، لكن معرفة المصيب إنما تكون بالنظر في الأدلة واللوازم، ويرفض أن يتولى تعيين المصيب والمخطئ في جميع خلافات الأئمة، مصرحًا بأن ذلك يحتاج إلى فحص كل مسألة على حدة، وأنه لا يوجد ضابط مختصر يكشف المحق في جميع موارد الخلاف. ثم يناقش تعلق الإرادة الصلاحي والتنجيزي، ويفرق بين ثبوت الصفة وبين حصول متعلقها، ويعرض خلاف من جعل للإرادة تعلقين ومن جعل تعلقها تنجيزيًا قديمًا، مستعينًا بتقريرات ابن عرفة والسنوسي والتفتازاني والباقلاني وغيرهم، وينتهي إلى عرض أكثر من وجه للتوفيق بين العبارات التي تبدو متعارضة في هذه المسألة بدل اختزالها في قول واحد بسيط. وفي مسألة الرضى والمحبة والإرادة يعرض ثلاثة اتجاهات: اتحاد الرضى والمحبة مع الإرادة، أو حملهما على إرادة الإنعام، أو على نفس الإنعام، ثم يناقش الآيات التي قد يوهم ظاهرها التغاير، ويبحث صلة الإرادة بالأمر والعلم وأفعال العباد. أما السؤال المتعلق بالكلام فيبحث فيه دلالته على الواجب والجائز والمستحيل، ويقرر أن الكلام الإلهي عنده لا يوصف بالكل والبعض، وأن تعدد المدلولات يقتضي تعدد التعلقات لا تعدد الصفة نفسها، ثم يفرق بين الكلام النفسي وما بين دفتي المصحف في هذا السياق. ولا يلتزم في أجوبته حدود السؤال الضيقة، بل يستطرد إلى مسائل مثل خلق العالم دفعة، وتعلق القدرة بالممكن حال وجوده، ودلالة سكوت النبي صلى الله عليه وسلم على الجواز أو عدمها، وينقل بكثرة عن كتب الجويني والباقلاني والسنوسي والتفتازاني وابن عرفة والمقترح وغيرهم، مع مناقشة عباراتهم والترجيح أو محاولة الجمع بينها. ويختم بأنه جمع هذا التقييد من دواوين متعددة في نحو يومين، ويدعو أصحابه إلى مراجعته بما يعرض لهم من مسائل أخرى، بما يكشف عن طبيعة الكتاب بوصفه أجوبة علمية متشعبة نشأت من أسئلة محددة ثم اتسعت بالمناقشة والنقل والاعتراض والجواب.