لم يجعل أبو الحسن علي بن محمد الماوردي فصول «الأمثال والحكم» أبوابًا منفصلة لموضوع واحد، وإنما اختار بناءً يتكرر في الفصول العشرة: طائفة من الآداب المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمثال الحكماء ومنثور حكمهم، ثم أبيات من الشعر تحمل المعنى نفسه في صورة موجزة سائرة. ويشرح غرضه من هذا التنويع منذ المقدمة؛ فالقرآن عنده أصل الأدب والحكمة، ثم تأتي سنة النبي صلى الله عليه وسلم بما اختصت به من جوامع الكلم، ثم أمثال الحكماء وأقوال الشعراء، وقد أراد أن يجمع 300 حديث، و300 حكمة، و300 بيت، موزعة على 10 فصول، في كل فصل 30 من كل جنس، لأن انتقال القارئ بين الحديث والحكمة والشعر أدعى إلى الدرس والحفظ والاقتباس، وإن كان النص المحقق لا يلتزم هذا العدد حرفيًا في جميع الفصول. وتبدأ المجموعة بمكارم الأخلاق، ثم تتسع من غير ترتيب موضوعي صارم إلى أكثر ما يصلح به الفرد في نفسه ومع الناس: العقل والفهم والعلم والأدب، وضبط اللسان، والصدق والوفاء والأمانة، والرحمة، والحلم وكظم الغضب والعفو، والصبر، والحزم والنظر في العواقب، والتجربة والاعتبار، والقناعة والزهد والرضا، والجود والبخل، والشجاعة والجبن، والتواضع والعجب، وحسن السيرة وقبحها. ويكثر فيها الكلام على الصحبة والإخوان والمودة والعداوة، والحسد، وكف الأذى، ومعرفة الرجال واختبارهم، وما تكشفه الشدائد من أخلاقهم، إلى جانب حكم في السعادة والشقاء والدهاء والسؤدد وحفظ النعمة واستعمال الفرصة؛ حتى تأتي بعض المقاطع في صورة أسئلة متلاحقة من نحو: ما القناعة؟ وما الدهاء؟ وما الأدب؟ ومن السعيد؟ ومن الشقي؟ فتجيب عنها بعبارات شديدة الاختصار يراد أن تبقى في الذاكرة وتتحول إلى قاعدة في التصرف.
وتتجاوز مادة الكتاب تهذيب الخلق الفردي إلى خبرة الإنسان بالدنيا وتدبير علاقاته ومصالحه؛ فتتردد فيها أحوال الرزق والغنى والفقر والعمل والفراغ والسفر وطلب الحاجات وتقلب الأيام وطول الأمل والموت، كما تدخل فيها السياسة بمعناها الأدبي العملي: السلطان والوزارة، والعدل والجور، والمشورة، والحزم، وقضاء حوائج الناس، واختيار الرجال، وتدبير الخصومات، ومخاطر القرب من أصحاب السلطة، وما ينبغي لصاحب الأمر من إنصاف وضبط للنفس. وتتعدد أصول الحكمة التي ينقلها الماوردي؛ فيرد كلام منسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من الصحابة والسلف، وإلى حكماء العرب، وبزرجمهر وأنوشروان والإسكندر والحكماء اليونانيين وغيرهم، ويجاورها شعر الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، فلا يكون الشعر شاهدًا لغويًا فحسب، بل وسيلة أخرى لتثبيت التجربة الأخلاقية: تقلُّب الدهر، والصبر على النائبة، والحذر من الحسد، وحفظ العرض، واليأس من المستحيل، وفساد الطمع، وتعذر السلامة من عيوب الناس. ويبلغ هذا المزج غايته في آخر الفصل العاشر؛ فبعد الأخبار والحكم والأبيات يأتي الرقم 899 في «خبر يجمع أمثالًا»، وفيه مساجلة بين عائشة رضي الله عنها وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه ومروان بن الحكم تتولد منها أبيات في فناء الدنيا والتوكل والخير والشر والتقوى، ثم يجعل الماوردي الرقم 900 خاتمة مستقلة «في أدعية بليغة ومعان بديعة»، فيعرف الدعاء بأنه تفويض الأمر إلى الله تعالى في كشف الشدائد ونيل الرغائب، ويورد أدعية مأثورة في العلم النافع والرزق الطيب والعمل المتقبل والثبات والعزيمة والقلب السليم واللسان الصادق، ثم دعاءً منسوبًا إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وينتهي بما رواه عن جعفر بن محمد وهو يقول بعرفة: «اللهم إني أطعتك بفضلك فلك المنة»، ثم يثبت الناسخ: «آخر الكتاب»؛ فتكون خاتمة هذه الموسوعة من الحكم والأمثال انتقالًا من خبرة الإنسان بنفسه وبالناس والدنيا إلى الافتقار إلى الله تعالى والدعاء له.