«الآداب» لمجد الملك جعفر بن شمس الخلافة كتابُ انتقاءٍ وجمع أكثر منه كتابَ شرح وتعليل؛ فمادته تتكون من حكم قصيرة، ووصايا، وأمثال، وأجوبة مسكتة، وتجارب في سياسة النفس والناس، يضم بعضها إلى بعض بحسب المعنى أو الصيغة. يفتتح بـ«باب الحكمة من النثر»، ويستمد مادته من طيف واسع من المنقولات؛ فيجاور فيه القرآن الكريم وما يورده من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والحكماء والزهاد أقوال أفلاطون وأرسطو وسقراط وبزرجمهر ولقمان وملوك الفرس والهند، وأخبار الخلفاء والوزراء والكتاب والأعراب، فلا يقيم بين الحكمة الدينية والتجربة السياسية والملاحظة الاجتماعية حواجز ما دام اللفظ يؤدي معنى نافعًا في تهذيب العقل أو الخلق أو حسن التدبير. وتدور هذه المنتخبات حول معرفة الإنسان بنفسه، وضبط الهوى والغضب، والصدق وكتمان السر، والحزم والأناة والمشاورة، والمال والغنى والفقر والجود والبخل، وتقلب الدنيا، والوفاء والصداقة ومعرفة طبائع الناس. ثم تفرد بعض القضايا بفصول تجمع ما قيل فيها، مثل الملوك وأحوالهم وما يلزم من يصحب السلطان، والحسد والغيبة، واكتساب الإخوان والمحافظة عليهم، والكبر والتواضع، واكتساب الأدب، والاستشارة؛ وفي باب السلطان مثلًا تتقابل شروط العدل والحزم وحسن اختيار الأعوان مع التحذير من مخاطر القرب من الملوك، بينما يجعل باب الإخوان الصديق الصادق عونًا في البلاء والرخاء ويركز على احتماله وإصلاح ما يقع من زلاته قبل قطعه.
ويتغير نظام الجمع بعد ذلك من وحدة الموضوع إلى براعة التصنيف اللفظي؛ فيرتب المؤلف طوائف من الحكم بحسب العدد، من «اثنين» إلى «عشرة»، فيجمع تحت كل عدد أقوالًا تصوغ الفضائل والعيوب والتجارب في مجموعات ثنائية وثلاثية ورباعية وما بعدها. ثم يفتح «باب الفصول القصار من البلاغة والحكمة»، فينتخب عبارات من القرآن الكريم جرت مجرى التمثيل، ويعقبها بأمثال العرب، ثم يرتب طوائف من الأخبار والحكم بحسب صيغها ومداخلها اللغوية: الأمر والنهي، و«إذا»، و«من»، و«لا»، و«ما»، و«رب»، و«لو ولولا»، و«ليس»، فيصبح البناء نفسه وسيلة لحفظ الكلام واستحضاره؛ فالحكمة هنا لا تُشرح مطولًا، بل تُصاغ في جملة محكمة قابلة للتداول والاستشهاد. وبعد فراغه من النثر ينتقل إلى «باب الحكمة من الشعر»، ويعيد كثيرًا من القضايا السابقة في شواهد شعرية: انتظار الفرج، واكتساب الإخوان ومداراتهم والصفح عن زلاتهم، وصفات الأخ المختار وخيانة الإخوان، والقناعة، والصبر على نوائب الدهر، والجود والبخل، وطلب الرزق والانتقال، وذم الزمان، والوعظ، وضبط المزاح، ثم حكم متفرقة واسعة المقاصد. وتضيق الوحدات الشعرية شيئًا فشيئًا حتى تبلغ «أبيات الأمثال المفردة»، ثم «أعجاز الأبيات»، وينتهي الكتاب بـ«المزدوج»؛ أي إنه يبدأ بالحكمة المنثورة الموسعة نسبيًا، ثم يضغطها تدريجيًا إلى المثل والجملة القصيرة والشطر الشعري والبيت المزدوج الذي يحمل المعنى بأقل قدر من الألفاظ.