يجعل خالد بن عبد الرحمن الحسينان في هذا الكتاب تفاصيلَ اليوم المعتادة ميدانًا لمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، فيتتبع ما يستطيع المسلم إحياءه من السُّنَن منذ استيقاظه حتى نومه، في الطهارة والصلاة والذكر والدخول والخروج واللباس والطعام والشراب ومعاملة الناس وسائر أحواله المتكررة. وقد وضع الرسالة لتقريب السنن التي يسهل تطبيقها يوميًّا، معرفًا المقصود بها هنا بأنها الأعمال التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، ومقررًا أن المسلم يستطيع ـ إذا تتبع هذه السنن وكررها كلما تكرر سببها ـ أن يطبق أكثر من 1000 سنة في يومه وليلته.
ولا يعني هذا العدد 1000 سنة مستقلة مختلفة، بل يقوم حساب الكتاب بدرجة كبيرة على تكرار السنة الواحدة في مواضعها اليومية؛ فسنن الوضوء تتجدد بتجدد الوضوء، وسنن الذهاب إلى المسجد تتكرر مع الصلوات، والأذكار عقب كل فريضة، وهيئات الصلاة وأقوالها في الركعات، والسلام كلما التقى المسلم بغيره، وسنن الطعام والشراب مع تكرر الأكل والشرب. ومن هذه الطريقة يصل المؤلف إلى الأعداد التي يذكرها في ثنايا الأبواب، ويريد بها تنبيه القارئ إلى كثرة الفرص التي تمر عليه كل يوم من غير أن ينتبه إليها.
ويربط إحياء السنة بمحبة الله تعالى ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويذكر له 4 ثمرات جامعة: بلوغ محبة الله عز وجل لعبده، وجبر النقص الواقع في الفرائض، والوقاية من البدعة، وتعظيم شعائر الله تعالى. ولهذا لا يقدم الكتاب السنن بوصفها معلومات فقهية للتعرف إليها فحسب، وإنما يدعو إلى تحويلها إلى عادات يومية ثابتة حتى تنتظم بها حركات المسلم وسكناته.
ويبدأ اليوم بـ«سنن الاستيقاظ من النوم»: مسح أثر النوم عن الوجه، وذكر الدعاء المأثور، والسواك. ثم ينتقل إلى الدخول والخروج من الحمام، فيذكر جهة الدخول والخروج والدعاء في كل منهما، قبل أن يفرد للوضوء 19 سنة تشمل البسملة، وغسل الكفين، والمضمضة والاستنشاق، والسواك، وتخليل اللحية والأصابع، والتيامن، وتكرار الغسل، والذكر بعد الوضوء، والاقتصاد في الماء، وصلاة ركعتين بعده، وإسباغه. ولا يكتفي بتعدادها، بل يبين بعض صفاتها ومعانيها وما أورده من ثمرات المحافظة عليها.
ويخص السواك بعد ذلك بباب مستقل لأن مواضعه تتكرر كثيرًا؛ عند الصلاة والوضوء، وعند دخول البيت، والاستيقاظ، وقراءة القرآن، وتغير رائحة الفم، ويقدّر إمكان تكراره في اليوم والليلة بما لا يقل عن 20 مرة. ثم يتابع ما يلازم الحركة اليومية من سنة الانتعال والخلع، وسنن اللباس، والتسمية، والبدء باليمين عند اللبس، وما يقال عند ارتداء الثوب.
وعند الدخول إلى البيت يجمع ذكر الله تعالى ودعاء الدخول والسواك والسلام على الأهل، ويشير إلى أن تكرر الدخول يجعل هذه السنن تتضاعف خلال اليوم. أما عند الخروج فيورد الذكر المأثور المتضمن التسمية والتوكل على الله تعالى، ويربطه بما جاء في النص الذي ساقه من الكفاية والوقاية والهداية. وهكذا يحاول أن يجعل الانتقال العادي من مكان إلى آخر موصولًا بالذكر والنية والمتابعة.
وتأخذ الصلاة وما يحيط بها المساحة الأكبر من الكتاب. فيبدأ بسنن الذهاب إلى المسجد، ومنها التبكير، والدعاء في الطريق، والمشي بسكينة ووقار، وكثرة الخطا، وما يقال عند الدخول والخروج، وتقديم اليمنى عند الدخول واليسرى عند الخروج، والتقدم إلى الصف الأول، وتحية المسجد. ثم ينتقل إلى متابعة المؤذن وما يقال بعد الأذان من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء، ويذكر تطبيق جملة منها عند الإقامة أيضًا.
ويفرد للصلاة إلى سترة بابًا يذكر فيه حكمها العملي وصفة السترة والمسافة بينها وبين المصلي، ثم ينتقل إلى النوافل التي تتكرر في اليوم والليلة: الرواتب، والضحى، والصلاة قبل العصر، وما قبل المغرب والعشاء. ويتبع ذلك بقيام الليل، فيذكر عددًا من سننه كالسواك عند القيام، وقراءة أواخر آل عمران، وبعض أدعية الاستفتاح، والبدء بركعتين خفيفتين، وتطويل القيام، والتفاعل مع آيات الرحمة والعذاب والتنزيه. ثم يذكر سنن الوتر، وسنة الفجر وما يقرأ فيها والاضطجاع بعدها، والجلوس في المصلى بعد صلاة الفجر.
ويفصل بعد ذلك بين «سنن الصلاة القولية» و«سنن الصلاة الفعلية». فمن القولية دعاء الاستفتاح، والاستعاذة، والبسملة، والتأمين، وقراءة سورة بعد الفاتحة في مواضعها، والأذكار الزائدة في الركوع والسجود وبين السجدتين، والدعاء بعد التشهد. ويحسب تكرر 8 من هذه السنن في ركعات الفرائض بنحو 136 تطبيقًا، وفي النوافل التي بنى عليها حسابه بنحو 175 تطبيقًا، فضلًا عن السنن التي تقع مرة في الصلاة.
أما السنن الفعلية فيتتبع فيها هيئة الصلاة تفصيلًا: رفع اليدين في مواضعه، ووضع اليمنى على اليسرى، والنظر إلى موضع السجود، وهيئة الركوع، ومجافاة العضدين، وصفة القدمين واليدين والأصابع في السجود، وهيئات الجلوس بين السجدتين والتشهد، والإشارة بالسبابة، والتسليم، وجلسة الاستراحة والتورك. وهنا يظهر بوضوح منهج العد في الكتاب؛ إذ يعد تكرر 25 هيئة فعلية في ركعات الفريضة بنحو 425 سنة، وفي ركعات النافلة التي اعتمدها بنحو 625 سنة، ثم يضيف ما لا يتكرر في كل ركعة.
وبعد الصلاة المفروضة يجمع 12 سنة من الأذكار والأعمال، منها الاستغفار، والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وبعض الأدعية، والمعوذات، وآية الكرسي، وما يخص الفجر والمغرب من أذكار متكررة. ويقدر مجموع ما يطبقه المسلم عند المحافظة عليها بعد الفرائض بما يقارب 55 سنة يوميًّا، ثم يسوق ما ورد في النصوص التي اعتمدها من ثمرات هذه الأذكار ومضاعفة الأجر وجبر النقص في الفريضة.
ويمتد الذكر إلى الصباح والمساء، حيث يجمع 21 ذكرًا ودعاءً، من آية الكرسي والمعوذات وسيد الاستغفار وأدعية العافية والتوكل والحفظ، إلى التسبيح والتهليل والاستغفار. ويؤكد هنا أن المقصود ليس مجرد إجراء الألفاظ على اللسان، بل قولها بإخلاص وصدق ويقين واستحضار معانيها حتى يظهر أثرها في الأخلاق والسلوك.
ولا يحصر السنن في العبادات المحضة؛ فعند لقاء الناس يجعل السلام والابتسامة والمصافحة والكلمة الطيبة أبوابًا متكررة للاتباع، وينبه إلى إكمال السلام عند اللقاء وعند مفارقة المجلس. ثم ينتقل إلى الطعام، فيذكر التسمية والأكل باليمين ومما يلي الآكل، والتعامل مع اللقمة إذا سقطت، وصفة الأكل والجلوس، ثم حمد الله تعالى ولعق الأصابع والقصعة بعد الفراغ. ويعقب ذلك بسنن الشراب من التسمية، واستعمال اليمين، والتنفس خارج الإناء على دفعات، والشرب جالسًا، والحمد بعده.
ويحث على أداء النوافل في البيت، رابطًا ذلك بما ساقه من النصوص في فضل صلاة التطوع بعيدًا عن أعين الناس وما يترتب عليها من الإخلاص وإحياء البيت بالطاعة. ثم ينتقل إلى المجالس، فيوصي بكفارة المجلس عند القيام، ويلفت إلى كثرة المجالس التي يمر بها الإنسان في طعامه وعمله ودراسته وأسرته وطريقه ودروسه، بحيث يستطيع أن يختم كل واحد منها بالتسبيح والتوحيد والاستغفار والتوبة.
ثم يوسع الفكرة من «فعل السنة» إلى «صناعة العبادة من تفاصيل الحياة» عن طريق النية. فالنوم والأكل وطلب الرزق وسائر المباحات يمكن أن تتحول إلى قربات إذا قصد بها الإنسان التقوي على طاعة الله تعالى؛ فالنوم المبكر مثلًا يصبح معينًا على قيام الليل أو صلاة الفجر. وبذلك لا يبقى الكتاب محصورًا في مجموعة أذكار وهيئات، بل يضيف إليها استحضار القصد الذي يمنح الأعمال المباحة معنى تعبديًّا.
ويعقب ذلك بفن «اغتنام الوقت الواحد في أكثر من عبادة»؛ فيضرب أمثلة بمن يذهب إلى المسجد فيجمع عبادة الذهاب بذكر الله تعالى أو قراءة القرآن، ومن يحضر وَليمة مباحة فيجمع إجابة الدعوة بالدعوة إلى الخير أو الذكر، والمرأة وهي تعمل في منزلها فتضم إلى نيتها الصالحة ذكر الله تعالى أو سماع ما ينفعها. والمقصد هنا رفع كثافة الانتفاع بالوقت من غير حاجة إلى إضافة ساعات جديدة إلى اليوم.
ويفرد للذكر بابًا يطالب فيه بأن يكون حاضرًا في مختلف الأحوال، ويصفه بأنه عنوان صلة العبد بربه، وحصن من الغفلة والشيطان، وسبب لطمأنينة القلب. ومع ذلك يحذر من أن يتحول إلى ألفاظ يتحرك بها اللسان والقلب غافل؛ فالذكر المطلوب يجمع حركة اللسان بتعظيم الله تعالى واستحضار المعنى في القلب.
ويتصل بذلك «التفكر في نعم الله»؛ فيدعو إلى قراءة الوقائع اليومية نفسها بوصفها أسبابًا للشكر: القدرة على الذهاب إلى المسجد، والعافية من الحوادث والأمراض، والأمن والرخاء، وسائر النعم التي لا ينتبه الإنسان إليها إلا حين يرى من حُرمها. ثم يقدم طريقة عملية لختم القرآن كل شهر، تقوم على قراءة مقدار يسير حول الصلوات المفروضة حتى يكتمل جزء في اليوم.
ويصل اليوم إلى نهايته بـ«سنن قبل النوم»، فيجمع 17 سنة، أكثرها من الأذكار والقراءة والدعاء، ومنها آية الكرسي والمعوذات، والتسبيح والتحميد والتكبير، وآخر آيتين من سورة البقرة، والوضوء للنوم، والاضطجاع على الشق الأيمن، ووضع اليد تحت الخد، ونفض الفراش، وقراءة سورة الكافرون. وينبه إلى أن هذه السنن لا تختص بنوم الليل، بل يمكن تطبيقها عند نوم النهار أيضًا بحسب عموم ما استند إليه.
ويذكر من ثمرات المحافظة عليها ما ساقته النصوص التي اعتمدها من كثرة الذكر والحسنات، وحفظ العبد وإبعاد الشيطان عنه، ثم يجمع معناها في أن المسلم يختم يومه بذكر الله تعالى وطاعته والتوكل عليه وتوحيده. وبهذا يعود آخر الكتاب إلى فكرته الأولى: أن اليوم كله، من لحظة الاستيقاظ إلى العودة إلى الفراش، قابل لأن يصاغ على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ويختم الحسينان بقوله إن هذا «ما تيسر جمعه من السنن اليومية»، داعيًا الله تعالى أن يحيي المسلمين على سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويميتهم عليها. ومن ثم فإن «أكثر من 1000 سنة في اليوم والليلة» دليل عملي مختصر لا يقصد استقصاء أبواب الفقه، وإنما يريد نقل السنة من المعرفة إلى الممارسة المتكررة؛ فيربط كل موقف يومي بما يناسبه من هدي، ويحسب مرات تكراره، ويذكر دليله وثمرته، حتى يرى القارئ أن أبواب المتابعة موزعة في تفاصيل يومه أكثر مما قد يتصور.