يبني أبو الحسن الماوردي في كتابه «أدب الدنيا والدين» تصورًا متدرجًا لصلاح الإنسان والمجتمع، يبدأ بالعقل الذي يضبط الهوى، ويمر بالعلم الذي يهدي صاحبه، والدين الذي يقيم علاقته بربه ويهذب عمله، والدنيا التي لا تنتظم إلا بقواعد تحفظ اجتماع الناس ومصالحهم، ثم ينتهي إلى النفس التي تحتاج إلى تأديب مستمر حتى تستقيم أخلاقها وتصرفاتها. ومن هذا الترابط جاء عنوان الكتاب جامعًا بين صلاح الدارين؛ لأن استقامة الدين تصحح العبادة، وصلاح الدنيا تتم به أسباب المعاش والسعادة.
ويصرح الماوردي بطريقته منذ المقدمة؛ فيوازن بين الإيجاز والبسط، ويجمع بين «تحقيق الفقهاء» و«ترقيق الأدباء»، ويستشهد بالقرآن والسنة، ثم يضم إليهما أمثال الحكماء، وكلام البلغاء، وأشعار الشعراء. ولذلك تتعاقب في الكتاب المناقشة العقلية، والتقسيمات الدقيقة، والمواعظ، والحِكم، والأخبار والأشعار من غير أن تنفصل عن القضية التي يعالجها. وقد رتبه على 5 أبواب: فضل العقل وذم الهوى، وأدب العلم، وأدب الدين، وأدب الدنيا، وأدب النفس.
ويجعل العقل في الباب الأول أصل الفضائل وينبوع الآداب؛ فهو الذي تُعرف به حقائق الأمور، ويتميز به الحسن من القبيح، ويستقيم به أمر الدين والدنيا. ويفرق بين عقل غريزي تقوم عليه أهلية الإنسان للتكليف والإدراك، وعقل مكتسب ينمو بالاستعمال والتجربة وطول الخبرة وجودة الفطنة. ولا يحصر كمال العقل في حدة الذهن؛ فالدهاء إذا صُرف إلى الشر لا يصبح فضيلة، وإنما تظهر ثمرة العقل حين يرد صاحبه عن الرذائل ويقوده إلى الرشد.
ويقابل العقل بالهوى؛ لأن الهوى يدفع النفس إلى ما تشتهيه من غير اعتبار للعاقبة، وقد يزين لها القبيح حتى تستثقله إذا خالف رغبتها وتستخف بما يوافق شهوتها. ومن هنا تصبح مجاهدة النفس شرطًا لسلامة الرأي؛ فإذا عرفت عواقب الهوى وانقادت للعقل أمكن ضبط رغباتها، أما إذا استولى الهوى على العقل صار الفكر نفسه أداة لتبرير الشهوة بدل أن يكون حاكمًا عليها.
ثم ينتقل إلى «أدب العلم»، فيقرر شرف العلم ومنفعته، لكنه لا يسوي بين العلوم من جهة الأولوية والحاجة؛ فما دام الإحاطة بها كلها متعذرًا، وجب تقديم الأهم، وفي مقدمتها ما لا يستغني عنه الإنسان في دينه وعبادته. ويصل بذلك العلم بالعمل؛ لأن العبادة لا تستقيم مع الجهل بأحكامها وشروطها، كما أن قيمة التحصيل لا تتحقق بمجرد كثرة المعلومات إذا لم يظهر أثرها في الفهم والسلوك.
ويعتني بترتيب التعلّم عناية ظاهرة؛ فللعلوم أوائل تقود إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها، ومن طلب النهايات قبل المقدمات حرم نفسه إحكامهما معًا. ولهذا ينتقد من ينتقي مسائل بعينها لغاية مهنية أو اجتماعية، أو يقفز إلى الخلاف والجدل ليشتهر بالمناظرة وهو ضعيف في أصول العلم ومسائله المستقرة. فالتبحر لا يبدأ من غرائب المسائل، وإنما من بناء متدرج يثبت فيه الأصل قبل الفرع.
ويكشف كذلك جملة من العوائق النفسية التي تصد عن التعلم؛ كطلب الشهرة، والاستنكاف عن البدء بالمبادئ، والحياء من سؤال ما يجهله الإنسان، والكبر، وكثرة الشواغل، وتوزع الفكر بين الشهوات والهموم. ويحث طالب العلم على اغتنام زمنه، وألا يشغله الفضولي والنادر عما يحتاج إليه، وأن يأخذ من كل علم بما يحقق له الغرض الصحيح قبل أن يستنفد جهده فيما لا يضره جهله.
ويفرد للمتعلم والعالم آدابًا تحفظ صلة التعليم من الفساد؛ فيطالب المتعلم بالتواضع لمعلمه ومعرفة فضله وشكر إحسانه، وألا تحمله حدة الذكاء على التعالي عليه أو امتحانه بقصد إظهار عجزه. كما يجعل الاقتداء بأخلاق أهل العلم جزءًا من التعلّم نفسه؛ لأن المقصود ليس نقل المسألة إلى الذاكرة وحدها، بل اكتساب ما يصحب العلم من سمت وأدب. وفي المقابل ترد في الباب معالجة لآداب العلماء وما يقتضيه حمل العلم من مسؤولية، حتى لا يتحول التفوق العلمي إلى مباهاة أو طلب منزلة.
وفي «أدب الدين» يربط الماوردي التكليف بمصلحة الإنسان؛ فالله تعالى غني عن عباده، وإنما تعود ثمرة ما أمرهم به ونهاهم عنه إليهم في دنياهم وآخرتهم. ويجعل العقل والشرع متساندين لا متنازعين: العقل أساس لفهم التكليف، والشرع يهدي إلى ما لا يستقل العقل بتفصيله. ثم يقسم التكاليف إلى ما يتعلق بالاعتقاد، وما يُطلب فعله، وما يُطلب الكف عنه، ويبين أن المحظورات نفسها تحفظ مصالح كبرى؛ فمنها ما يصون النفس والبدن والعقل، ومنها ما يحفظ الألفة ويدفع الظلم والقطيعة، ومنها ما يصون الأنساب والحرمات.
ولا يعرض العبادات على أنها أوامر مجردة، بل يبحث ما تحدثه في النفس والمجتمع. فالصلاة تجدد الخضوع والابتهال وتربط اليوم بأوقات متكررة من الطهارة والذكر، والصيام يقهر الشهوة ويشعر الإنسان بحاجته ويذكره بحال الجائع، والزكاة تدرب النفس على السماحة وتواسي المحتاج وتخفف أسباب الحسد والتقاطع، والحج يجمع بذل المال ومشقة البدن ويوقظ معنى المفارقة والاجتماع والحساب والتوبة. ويشير كذلك إلى أن في العبادات مراتب من الكمال والجواز تراعي تفاوت الناس من غير أن تلغي طلب الأكمل.
ويبلغ الكتاب في «أدب الدنيا» من تهذيب الفرد إلى بناء العمران، فيحدد 6 قواعد ينتظم بها صلاح الدنيا: دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح. فالدين يراقب السرائر حيث لا تبلغ سلطة البشر، والسلطان يردع من لا يردعه وازع داخلي، والعدل يؤلف الناس ويعمر البلاد، والأمن يطلق الحركة والعمل، والخصب يخفف دواعي الحاجة والتباغض، والأمل يحمل الإنسان على البناء لما يستقبل من الأيام بدل أن يقصر نظره على حاجته العاجلة.
ويفصل في وظيفة السلطان لأن انتظام الجماعة عنده لا يستغني عن قوة تحفظ النظام وترد العدوان، لكنه يربط هذه القوة بالدين والعدل والمصلحة؛ فيدخل في واجباتها حفظ الدين، والدفاع عن الأمة، وعمارة البلاد ومسالكها، وتدبير الأموال وفق أحكامها، وإنصاف المتظلمين، وإقامة الحدود من غير تجاوز ولا تقصير. وهكذا لا يعزل السياسة عن الأخلاق، ولا يجعل صلاح المجتمع ثمرة الوعظ الفردي وحده؛ بل يجمع بين إصلاح الضمير ووجود سلطة ونظام عام يضبط العلاقات.
وبعد قواعد العمران العام ينتقل إلى ما يصلح به حال الفرد في دنياه، فيرده إلى 3 أصول: نفس مطيعة لرشدها، وألفة جامعة بينه وبين الناس، ومادة كافية تستقيم بها معيشته. ويبدأ بالنفس؛ لأن من عجز عن سياسة نفسه كان عن سياسة غيرها أعجز، ثم يتوسع في الألفة بوصف الإنسان محتاجًا إلى جنسه، ويذكر لها 5 أسباب: الدين، والنسب، والمصاهرة، والمودة، والبِر. ومن هذه الأصول تتشعب مسائل الوالدين والأولاد والأرحام والزواج والإخوان والصداقة والتواصل والمواساة، بما يجعل الاجتماع الإنساني عنده حاجةً تُصان بالأخلاق والحقوق لا بمجرد القرابة والمصلحة.
أما الباب الخامس، «أدب النفس»، فيرجع إلى الداخل بعد أن فرغ من نظام المجتمع؛ فالنفس ليست مضمونة الاستقامة بمجرد وجود العقل، والأدب نفسه مكتسب بالتجربة والدربة والمعاناة. ويقسم التأديب إلى ما يلزم الوالد لولده في الصغر، وما يلزم الإنسان نفسه بعد أن يكبر؛ لأن ما يألفه الصغير يسهل استقراره فيه، بينما يشتد تقويم العادة بعد رسوخها. ثم يميز في أدب الكبير بين أدب المواضعة والاصطلاح، وهو ما استقر عليه تعامل العقلاء في هيئات المخاطبة والمعاشرة ونحوها، وأدب الرياضة والاستصلاح الذي يقوم على تهذيب صفات النفس نفسها.
ويبدأ رياضة النفس بمجانبة الكبر والإعجاب؛ لأنهما يغلقان باب التعلم والتأديب، فالمتكبر يترفع عن منزلة المتعلم، والمعجب يستكثر ما عنده عن طلب المزيد. ثم تتسع المعالجة إلى حسن الخُلُق والحياء والحلم وضبط الغضب والصدق والحذر من الكذب والحسد والمنافسة، فيبحث أسباب كل خصلة وآثارها وسبل تهذيبها، ولا يقف عند تسمية الفضيلة والرذيلة أو الحض والنهي المجردين.
ويمضي بعد ذلك إلى آداب الحياة العملية التي يظهر فيها أثر تهذيب النفس: الكلام والصمت، والصبر عند البلاء وترك الجزع، والمشورة والاستعانة بعقول الآخرين، وحفظ الأسرار، وضبط المزاح والضحك، وما يتصل بالطِّيَرة والفأل، ثم المروءة وما يجمل بالإنسان أن يحفظه في نفسه ومع الناس. وتدخل في هذه المعالجة دقائق السلوك التي قد لا تكون من الواجبات الشرعية المحضة، لكنها تكشف مقدار العقل والأدب وحسن المعاشرة.
ويتخلل هذه الأبواب كلها مبدأ واحد: الفضيلة لا تستقيم بالإفراط ولا بالتفريط، ولا يكفي أن يعرف الإنسان الصواب حتى يحمل نفسه عليه. فالعلم يحتاج إلى أدب، والدين إلى عمل، والسلطان إلى عدل، والألفة إلى حقوق، والعقل إلى مقاومة الهوى، والنفس إلى رياضة متكررة. ولهذا يكثر الماوردي من تحليل الأسباب والعواقب، فيبحث لماذا ينشأ الخُلُق، وما الذي يفسده، وبأي وسيلة يمكن تعديله، ثم يقرب ذلك بالحكمة والمثل والخبر والشعر.
ومن اجتماع أبوابه يظهر «أدب الدنيا والدين» كتابًا في صناعة الإنسان الصالح بقدر ما هو كتاب في انتظام المجتمع؛ فصلاح الخارج يبدأ من عقل لا يستعبده الهوى، وعلم يحسن صاحبه طلبه واستعماله، ودين يزكي العمل، ثم يحتاج إلى عدل وأمن وألفة وكفاية، قبل أن يعود الأمر كله إلى نفس يُحسن صاحبها سياستها. وبهذا تتصل أدق أخلاق الفرد بأوسع قضايا العمران، فلا يكون أدب النفس شأنًا خاصًا منفصلًا عن المجتمع، ولا يكون إصلاح الدنيا ممكنًا من غير إصلاح من يعيشون فيها.