
نبذة عن الكتاب:
يتناول المعافى بن عمران في «الزهد» فتنة التوسع في المال والولد والجاه والنعيم، ويربط الزهد بتخفيف علائق الدنيا وحفظ القلب من أن تتحول النعمة إلى شاغل عن الآخرة. ويبدأ بباب «فضل قلة المال والولد»، فتتكرر فيه الآثار التي تحذر من كثرة المال إلا لمن بادر إلى بذله في وجوه الخير، وتبرز أخبار عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين كان يخشى من تدفق الأموال على المسلمين لما قد يورثه من التنافس والعداوة، فيسارع إلى قسمتها ولا يستأثر لنفسه أو لأهله منها بشيء بغير حق. ويتصل بذلك تفضيل الكفاف وخفة المؤونة، واستحضار ما يجره كثرة المال والولد والخدم من تبعات ومسؤوليات، ثم يأتي باب الخدم وما فيه من التحذير من التوسع في الخدمة والترف، مع إيراد خبر فاطمة رضي الله عنها حين طلبت خادمًا لما أصاب يديها من الطحن، فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم وعليًا رضي الله عنه إلى التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم. ويتسع باب الفقر وخفة الحال ليجعل قلة ما يحاسب عليه العبد وجهًا من وجوه السلامة، ويورد أخبار سبق فقراء المؤمنين إلى الجنة وخوف أصحاب المال والسلطان من السؤال عما وضع في أيديهم، ويبرز نموذج سعيد بن عامر رضي الله عنه الذي خشي الولاية، واكتفى من عطائه بقوت أهله وتصدق بالباقي. ومن هذا المعنى ينتقل الكتاب إلى خمول الذكر والعزلة والتواضع وكراهية الشرف والولاية؛ فيرد عن علقمة كراهية أن تتبعه الناس ويشار إليه، وعن ابن مسعود رضي الله عنه الحث على حفظ الدين ولو فات صاحبه نصيب من دنيا السلطان، وتأتي أوصاف «الأتقياء الأخفياء» الذين لا يطلبون الشهرة ولا يلتفت الناس إليهم مع صلاح قلوبهم وأعمالهم، فيغدو الخمول المقصود سلامة من طلب المنزلة والرياء لا تعطيلًا للخير. ثم يفرد بابًا للشرف وما يتصل بالإمارة والعرافة وطلب المنزلة، ويورد آثارًا شديدة في خطر مخالطة أصحاب السلطان والتطلع إلى الرئاسة، لأن طلب المال والشرف قد يفسد الدين، ويقابل ذلك بهدي التواضع؛ من إجابة الضعيف والمملوك، والجلوس حيث ينتهي المجلس، وركوب ما تيسر، وترك الاختيال، وعدم محبة قيام الناس وتعظيمهم لصاحب المنزلة. ويستشهد بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في ركوب الحمار، وإجابة دعوة المملوك، والجلوس على الأرض، واختياره أن يكون عبدًا نبيًا، ثم يجعل التقوى وحسن الخلق ميزان الكرامة بدل النسب والمال والجاه. ويؤكد هذا المعنى في باب التفاخر بالأحساب والطعن في الأنساب، حيث تتكرر الآثار التي ترد التفاضل إلى التقوى، وتحذر من بقايا مفاخرة الجاهلية بالآباء والقبائل، مع الإبقاء على معرفة النسب بالقدر الذي تتحقق به صلة الرحم ومعرفة الحقوق.
ويتحول القسم الأخير من الكتاب من مقاومة الجاه والشهرة إلى ضبط حاجات الجسد نفسها؛ فيأتي باب «الكفاف» ليقرر أن خير العيش ما قام بالحاجة من غير توسع يستدعي مزيدًا من الحساب، ويجمع بين القناعة وبين عدم ترك مصالح الدنيا بالكلية، فترد عبارة حذيفة رضي الله عنه في مدح من لا يرفض آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته، إلى جانب الآثار التي تجعل المسكن والطعام الذي يقيم الصلب والثوب الذي يستر البدن من أصل الحاجة، وما زاد على ذلك موضع نظر ومحاسبة. ثم يخصص بابًا للتنعم واتباع الهوى والشهوات، ويعرض فيه إصرار عمر رضي الله عنه على خشونة عيش قريبة من حال النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه رغم اتساع الفتوح وكثرة الأموال، وتحذيرات من أن يصبح هم الإنسان ألوان الطعام والثياب، ومن أن يستجيب لكل شهوة بمجرد القدرة عليها. ويتوسع بعد ذلك في نماذج المعيشة اليومية؛ فيتناول المطعم والملبس والمركب والبناء ومتاع البيت، ويحث من خلال الروايات على تقليل الشبع والتخفف من فضول الأثاث والتأنق، وترد أخبار جوع النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وبساطة طعام الصحابة رضي الله عنهم، ثم يفرد أبوابًا لخبز الشعير وترك تنخيل الدقيق والاقتصاد في أكل اللحم، فلا يصبح المقصود تحريم الطيبات، بل تربية النفس على ألا تجعل كل ما تشتهيه عادة لازمة أو مقياسًا للعيش. ويورد في خبز الشعير ما يصف بساطة طعام آل النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ترك المنخول أخبارًا عن عدم التكلف في إعداد الدقيق، ثم تأتي آثار عمر رضي الله عنه في اللحم لتنتقد الاعتياد على شراء كل ما تشتهيه النفس، حتى يصل الباب الأخير إلى كراهية الجمع بين إدامين والتوسع في تنويع الطعام. وتنتهي مادة «الزهد» بالأثر الذي يصف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام بأنه لم يكن يعيبه؛ إن اشتهاه أكل وإن لم يشتهه ترك، فتستقر خاتمة الكتاب عند الاعتدال وضبط الشهوة من غير تكلف ولا تذمر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














