
نبذة عن الكتاب:
يسجِّل عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه المناظرة الأدبيَّة محاورةً جرت بينه وبين الشَّاعر الأديب علي بن محمَّد السنوسي، وبدأت عقب عيد الفطر سنة 1337هـ حين أنشد السنوسي قصيدةً في التَّهنئة بالعيد بحضرة محمَّد بن علي الإدريسي. واتَّسعت المحاورة من ملاحظةٍ على عبارة وردت في القصيدة إلى مناقشة لغويَّة وأدبيَّة تناولت دلالة الفعل «عدا»، والتَّضمين، وصحَّة الاستعمال والقياس عليه، كما اشتملت على مسائل في العَروض والقافية ونقد الشِّعر ومعاني المدح والتَّهنئة.
ويبدأ المعلِّمي بالنَّظر في وزن قصيدة السنوسي، فيبيِّن أنَّها جرت على «فاعلاتن فاعلن فعلن» مكرَّرةً أربع مرَّات، وأنَّ أصل هذا الوزن من الضَّرب الخامس من المديد، مع كون المديد لا يستعمل في المشهور إلا مجزوءًا. ويتتبَّع ما ورد من استعمالات قريبة من هذه الصُّورة عند بعض المتأخِّرين، ويربط تربيع الوزن بالموشَّحات وما يلتزم فيها من اتِّفاق قوافي الأرباع الأولى واختصاص الرُّبع الأخير بقافية تتكرَّر في القصيدة، ويستشهد كذلك بالمسمَّطات وبما نُقل من صور المديد التَّام ومشطوره، مستعرضًا شواهد شعريَّة لتحديد موضع وزن القصيدة من الاستعمال العروضي.
وينتقد بعد ذلك بناء القافية في قصيدة السنوسي؛ إذ جعل لفظ «يا ابن علي» قافيةً للشَّطر الرَّابع والتزمها في القصيدة، مع بعض التَّغيير فيها. ثمَّ يصل إلى أصل الخلاف حين ورد في دعاء السنوسي للممدوح قوله: «لا عداك السوء»، فاعترض المعلِّمي بأنَّ «لا» في هذا التَّركيب زائدة إذا كان المراد الدُّعاء للمخاطب؛ لأنَّ «عداه» عنده بمعنى جاوزه، ومن ثَمَّ يكون «عداك السوء» بمعنى جاوزك السوء ولم يصبك، أمَّا «لا عداك السوء» فظاهرها الدُّعاء بألَّا يجاوزه السوء. واستشهد السنوسي ببيت البردة الذي فيه «عدتك حالي»، ففسَّر المعلِّمي «عدتك» فيه بمعنى أخطأتك وجاوزتك، وظلَّ هذا الاختلاف أساس المكاتبات التي دارت بينهما.
ويحتجُّ المعلِّمي باستعمالات اللُّغة، فيفرِّق بين «عدا يعدو» بمعنى جاوز، وبين «عدا» اللَّازمة الدَّالَّة على الجري، وبين «أعدى يُعدي» وما يتَّصل بالعدوى، ويرفض جعل «عداه السوء» بمعنى أصابه من غير شاهد يثبت ذلك الاستعمال. ويعقِّب كذلك على بعض العبارات التي ساقها السنوسي في دفاعه، فيناقش أصول الكلمات وتصريفها ودلالاتها، ويجعل المدار على ثبوت الاستعمال العربي لا على إمكان تخريج اللَّفظ بعد وقوعه.
ويتعمَّق الخلاف حين يُستشهد بعبارات منسوبة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومنها «فعداهم الموت»، فيفسِّر المعلِّمي هذا التَّركيب على باب التَّضمين، فيجعل «عدا» محتفظًا بأصل معنى الوثوب مع تضمينه معنى «أفنى»، ولذلك عُدِّي بنفسه. ويشرح قاعدة التَّضمين بوصفها إشراب لفظٍ معنى لفظ آخر وإعطاءه حكمه في التَّعدية، ويستشهد لها بأمثلة من القرآن الكريم وكلام العرب، مثل تعدية بعض الأفعال والحروف على غير أصلها بسبب المعنى الذي ضُمِّنته. ويؤكِّد أنَّ التَّضمين سماعيٌّ عنده، فلا يكفي إمكان تخريج تركيب عليه لتسويغ إنشاء استعمال جديد قياسًا من غير سماع.
ويواصل مناقشة الشَّواهد الأخرى التي استُدلَّ بها، فيبيِّن أنَّ قول «ولا تعدو على عزيمة جدِّهم بلادة الغفلات» لا يصلح دليلًا على محلِّ النِّزاع لوجود «على» فيه، ثمَّ يفحص عبارة «فما عدا ممَّا بدا» في ضوء تعدُّد معاني «عدا» في العربيَّة، فلا يجعل مجرَّد وجود الفعل فيها دليلًا على أنَّه يأتي بمعنى «أصاب». ويقترح لها تخريجًا قائمًا على معنى الصَّرف والمجاوزة، مبيِّنًا أنَّ اختلاف المعاني والتَّعديات يمنع نقل الدَّلالة من شاهد إلى آخر من غير قرينة.
ويتجاوز النِّقاش المسألة اللُّغويَّة إلى نقد الشِّعر نفسه حين ارتجل المعلِّمي ثلاثة أبيات في تهنئة الإدريسي بالعيد، مطلعها: «دعني من الغيد ما للصيد والغيد / وقم نهنِّي إمام الحقِّ بالعيد». فاعترض خصمه على مستوى المدح فيها، محتجًّا بأنَّ التَّهنئة بالعيد يشترك فيها سائر النَّاس، وأنَّ الأبلغ أن يُهنَّأ العيد بالممدوح. ويردُّ المعلِّمي بأنَّ التَّهنئة بالعيد تتضمَّن التَّهنئة بالعافية والسُّرور وامتداد العمر في الطَّاعة، وأنَّ اشتراك الملوك وغيرهم في أصل التَّهنئة لا ينفي فضل الصِّياغة الشِّعريَّة، كما يناقش قلب التَّهنئة إلى تهنئة العيد بالممدوح من جهة المعنى وما يقتضيه من التَّخييل.
وتكشف المكاتبات المتبادلة عن امتزاج النَّقد اللُّغوي بالنَّقد الأدبي؛ فالمعلِّمي لا يقصر اعتراضه على صحَّة مفردة، بل يراجع الوزن والقافية ودلالة العبارة وملاءمتها للمقام، ويستحضر المعاجم والشَّواهد الشِّعريَّة وقواعد النَّحو والبلاغة لتقويم الحجج التي تُطرح في أثناء المناظرة. كما يقرِّر أنَّ الخطأ في نفسه ممكن، وأنَّ موضع الاعتراض عنده هو محاولة تصحيح الخطأ بعد التَّنبيه عليه بالتَّمحُّل، داعيًا إلى التَّثبُّت في الاستعمال وأخذ ما تثبت صحَّته وترك ما يقوم على مجرَّد الظَّن.
وتنتهي المناظرة باعتذار السنوسي إلى المعلِّمي في قصيدةٍ أرسلها إليه، وطلبه إصلاح ما فيها من خلل. ورأى المعلِّمي أنَّ استقصاء إصلاحها سيطول، فأجابه ارتجالًا بأبيات يصرِّح فيها بأنَّ ما وقع بينهما لم يكن طلبًا للسُّمعة أو الجدل، وإنَّما حمله عليه تعظيم الحقِّ والرَّغبة في الصَّواب، ويؤكِّد مودَّته لمخاطبه، لتنتهي المحاورة التي بدأت باعتراض لغوي على عبارة في قصيدة إلى مساجلة واسعة في العَروض واللُّغة والبلاغة ونقد الشِّعر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:



