
نبذة عن الكتاب:
يَبْسُط تقي الدين محمد بن أحمد ابن النجار الفتوحي في كتاب «المُخْتَبَر المُبْتَكَر شرح المختصر» مسائل مختصره «الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير»، الذي انتخبه من كتاب علاء الدين المرداوي «تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول» في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وقد اختار أصل المرداوي لما جمعه من أحكام الفن وقواعده وضوابطه وأقسامه، واقتصر في مختصره غالبًا على ما قدَّمه المرداوي من الأقوال أو كان عليه أكثر الحنابلة، ولم يورد سائر الأقوال إلا لفائدة زائدة على مجرد معرفة الخلاف، ثم عاد فشرح مختصره شرحًا متوسطًا بين الإيجاز والإطالة، يكشف ألفاظه، ويبين حدود مسائله وأدلتها ومآخذ الخلاف فيها.
ويضع لاصطلاحاته في نقل المذهب ضوابط تكشف مراتب الأقوال؛ فإذا عبَّر بـ«في وجه» دل ذلك على أن المقدَّم والمعتمد غيره، وإذا قال «في قول» أو «على قول» أشعر بقوة الخلاف أو اختلاف الترجيح أو عدم الوقوف على تصريح بتصحيح أحد الأقوال. وتتيح له هذه الطريقة الجمع بين تحرير المذهب الحنبلي وبين المقارنة الواسعة بأقوال غيره من الأصوليين والفقهاء، فلا يبقى الشرح حبيس نقل المذهب، بل يتعقب الأدلة والتعريفات والخلافات، ويستحضر كتب الأصول واللغة والحديث والفقه في تفسير المسألة وتحرير مأخذها.
ويرتب الكتاب، تبعًا لمختصره وأصله، على مقدمة وثمانية عشر بابًا. وتضم المقدمة تعريف علم أصول الفقه وفائدته واستمداده وموضوعه ومسائله، ثم ما يحتاج إليه الناظر من الكلام على الدليل والنظر والإدراك والعلم والعقل والحد، ومباحث اللغة، وأحكام خطاب الشرع وخطاب الوضع. ويقف عند الفروق بين القاعدة والضابط والمُدْرَك، وعند أنواع الأحكام الشرعية وما يتصل بالواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح، والرخصة والعزيمة، والصحة والفساد، والسبب والشرط والمانع، والتكليف وما تتوقف عليه صحته، جامعًا بين تحرير المصطلح وبيان أثره الأصولي والفقهي.
وتتسع مباحث اللغة عنده لما يتوقف عليه فهم النصوص من حقيقة ومجاز واشتقاق وترادف واشتراك، ودلالات الأسماء والأفعال والحروف، ثم ينتقل إلى القواعد التي يشترك في الاحتجاج بها الكتاب والسنة وغيرهما. فيبحث الأمر من جهة حقيقته وصيغه ودلالته على الوجوب والفور والتكرار، وما يتعلق بالأمر بعد الحظر وبالأمر بالشيء والنهي عن ضده، ويقابله بالنهي ودلالته وما يترتب عليه من صحة أو فساد. ثم يعالج العام والخاص والتخصيص، والمطلق والمقيد، والمُجْمَل والمُبَيَّن، والظاهر والتأويل، والمنطوق والمفهوم، مبينًا مواقع الاتفاق والخلاف ووجوه الاحتجاج والترجيح في كل منها.
ويستوفي الأدلة الشرعية، فيتناول القرآن وما يتصل بحجيته ودلالاته والنسخ، ثم السنة من حيث قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره وتركه، وما يتصل بأخبار الآحاد والتواتر وشروط الرواة وطرق التحمل والأداء والجرح والتعديل وما يقبل من الروايات وما يرد. ويعرض أقوال الأصوليين في هذه الأبواب، مع عناية خاصة بما نُقل عن الإمام أحمد وأصحابه، ويوازن بينها وبين مذاهب الحنفية والمالكية والشافعية وأهل الحديث وغيرهم، رابطًا مسائل الرواية بأثرها في إثبات الأحكام والاستدلال عليها.
ويحرر الإجماع بأنه اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على أمر بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ثم يبحث شروط انعقاده ومن يعتد بقوله فيه، والإجماع القولي والفعلي والسكوتي، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم، وحكم مخالفة من لم تستكمل فيه أهلية الاجتهاد. كما ينظر في حجية قول الصحابي رضي الله عنه وآثاره في الاستدلال والتخصيص، وفي جملة من الأدلة المختلف فيها، ومن بينها الاستصحاب والمصالح المرسلة وسد الذرائع وشرع من قبلنا والاستحسان، ويبين المذاهب في اعتبار كل أصل وحدود الاحتجاج به.
ويجعل للقياس بحثًا واسعًا بعد الفراغ من الكتاب والسنة والإجماع، فيعرفه ويقيم الأدلة على حجيته، ثم يفصل أركانه من أصل وفرع وحكم وعلة، وشروط كل ركن، ومسالك إثبات العلة وما يقدح فيها. ويتناول النص والإيماء والمناسبة والسبر والتقسيم والدوران والشبه وغيرها، ويفرق بين أنواع القياس ومراتبه، ويناقش النقض والمعارضة وعدم التأثير والفرق وسائر الاعتراضات الواردة على العلل. ويصل هذه القواعد بفروع فقهية تكشف أثر الاختلاف في تحقيق العلة وتخريج المناط وتنقيحه، فلا يبقى القياس عنده تعريفات نظرية منفصلة عن استعمالها في الاستنباط.
ويعرض الاجتهاد من حيث حقيقته وأهله وشروطه وما يحتاج إليه المجتهد من العلم بالكتاب والسنة واللغة ومواقع الإجماع وطرق الاستدلال، ويناقش تجزؤ الاجتهاد، فيذكر الخلاف في إمكان بلوغ رتبة الاجتهاد في مسألة أو باب دون الإحاطة بجميع أبواب الفقه. ويتصل بذلك بحث التقليد ومراتب المفتين وأهلية الفتوى، وحكم من حفظ مذهب إمام أو تبحر فيه دون أن يبلغ رتبة الاجتهاد، وما يجوز للعامي والمستفتي عند اختلاف المفتين، مع التفريق بين مجرد حفظ الأحكام والقدرة على معرفة مآخذها والنظر في أدلتها.
ويفصل في تعارض الأدلة ووجوه الترجيح بينها بحسب السند والمتن والدلالة والقرائن، فيبحث تقديم بعض الأخبار على بعض، وما يرجح به أحد الراويين، ثم الترجيح بين العمومات والخصوصات والمطلقات والمقيدات، وبين الأدلة النقلية والأقيسة. ومن ذلك تقديم الخاص على العام فيما تناوله، وإجراء المقيد مع المطلق مجرى الخاص مع العام، والنظر في قوة صيغ العموم وما عرض لها من تخصيص، مع استحضار اختلاف الأصوليين في هذه المراتب. ويجعل الترجيح تابعًا لقوة الدلالة ووجوهها، فلا يكتفي بمجرد تعداد القواعد، بل يبين العلة التي من أجلها قُدِّم دليل على آخر وما يترتب على ذلك في عمل المجتهد.
ويمضي ابن النجار في ذلك كله على طريقة تجمع تحرير المذهب الحنبلي بالمقارنة الأصولية، ويكثر من تعريف المصطلحات وضبط قيودها، ونسبة الأقوال، واستحضار النصوص والفروع التي يتبين بها أثر القاعدة. ولهذا تتداخل في شرحه مباحث أصول الفقه مع الفقه واللغة والبلاغة والمنطق والحديث، وتُرَد المسائل إلى مآخذها وأدلتها، حتى تتكامل عنده مباحث الحكم ودلالات الخطاب والأدلة والقياس والاجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح في طريق استنباط الحكم الشرعي وضبط مناهج النظر فيه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














