
نبذة عن الكتاب:
يجمع جلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أبي بكر السُّيوطي في «طبقات المفسِّرين» تراجم طائفة من العلماء الذين عُنوا بتفسير القرآن، بعد أن لاحظ أنَّ المفسِّرين لم يُفردوا بكتاب في الطَّبقات على نحو ما أُفرد المحدِّثون والفقهاء والنُّحاة. ويقسِّمهم في مقدِّمته إلى أربعة أنواع: مفسِّري السَّلف من الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين وأتباعهم، والمحدِّثين الذين صنَّفوا التَّفاسير المسندة وأوردوا فيها أقوال الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين بالأسانيد، وبقيَّة مفسِّري أهل السُّنَّة الذين جمعوا إلى التَّفسير الكلام على معاني القرآن وأحكامه وإعرابه، وأصحاب التَّفاسير من الفرق التي وصفها بالبدعة كالمعتزلة والشِّيعة. ولم يقصد استيعاب أصحاب النَّوع الأخير، بل اقتصر على مشاهيرهم، ومنهم الزَّمخشري والرُّمَّاني والجبَّائي.
يرتِّب التَّراجم على أسماء أصحابها، فيبدأ بإبراهيم بن أحمد السَّلماني، ثمَّ تتوالى الأسماء من أحمد وإسماعيل وبشير وبقيٍّ وجعفر والحسن والحسين وغيرهم، حتى تبلغ محمود ومنصور وهبة الله ويحيى في آخر الموجود من الكتاب. ولا يفصل بين المترجمين بحسب المذاهب الفقهيَّة أو البلدان أو القرون؛ لذلك تجتمع في طبقاته أسماء علماء من المشرق والمغرب والأندلس ومصر والشَّام والعراق وخراسان، ومن الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنفيَّة والحنابلة وغيرهم، إلى جانب عدد من المفسِّرين الذين يصرِّح بانتمائهم إلى المعتزلة أو غيرها من الفرق.
وتختلف التَّرجمة عنده بحسب ما توافر له من أخبار صاحبها؛ فقد لا تتجاوز أسطرًا تذكر اسمه واختصاصه وبعض شيوخه وتلاميذه ووفاته، وقد تتَّسع لذكر مولده ورحلاته ومناصبه ومجالس تدريسه وإقرائه ووعظه، ومكانته في علوم القرآن والحديث والفقه والقراءات والعربيَّة والأصول والكلام، وأسماء مصنَّفاته وأحجام بعضها. ويثبت أحيانًا أقوال العلماء في المترجَم له، أو أبياتًا من شعره، أو أخبارًا متعلِّقة بعبادته وزهده وسيرته، ولا يجعل الاشتغال بالتَّفسير وحده شرطًا في طول التَّرجمة؛ فكثير ممَّن يذكرهم كانوا متفنِّنين في علوم متعدِّدة.
ويظهر من التَّراجم اتِّساع مفهوم المفسِّر في الكتاب؛ إذ يدخل فيه صاحب التَّفسير المستقلِّ، ومن عُرف بتدريس التَّفسير وإملائه، والعالم بمعاني القرآن وإعرابه وقراءاته وأحكامه، ومن صنَّف في بعض علوم القرآن المتَّصلة بالتَّفسير. فيصف عبد الله بن عطيَّة الدِّمشقي مثلًا بحفظ خمسين ألف بيت من الشِّعر للاستشهاد على معاني القرآن، ويذكر عن أبي إسماعيل الأنصاري الهروي أنَّه فسَّر القرآن زمنًا وكان يقول إنَّه إذا ذكر التَّفسير فإنَّما يذكره من 107 تفاسير، كما يذكر المصنَّفات الجزئيَّة المتعلِّقة بالقرآن إلى جانب التَّفاسير الجامعة.
ويعتني ببيان صلة المفسِّر بشيوخه وتلاميذه، فتتكرَّر في التَّراجم أخبار السَّماع والرِّحلة والإجازة والإقراء والتَّحديث والتَّدريس. وتكشف هذه الأخبار انتقال علم التَّفسير بين الأقاليم؛ فيذكر رحلات العلماء بين الأندلس ومصر والحجاز والعراق والشَّام وخراسان، ومن أخذوا عنهم ومن حمل العلم عنهم بعد ذلك. وتبرز هذه العناية في ترجمة بقيِّ بن مخلد الأندلسي، إذ يسرد رحلته إلى المشرق ولقاءه كبار المحدِّثين في الحجاز ومصر ودمشق وبغداد والكوفة، ويذكر أنَّ عدد شيوخه بلغ 284 رجلًا، وأنَّ له تفسيرًا ومسندًا، وينقل عن ابن حزم ثناءه البالغ على تفسيره.
وتحضر مؤلَّفات المفسِّرين حضورًا أساسيًّا في مادَّة الكتاب، فلا يكتفي السُّيوطي بإثبات أنَّ للعالم تفسيرًا، بل يسمِّي الكتاب متى وقف على اسمه، وقد يذكر عدد مجلَّداته أو ما بلغه منه. فيسجِّل لأبي القاسم التَّيمي الأصبهاني «الجامع» في 30 مجلَّدًا، و«الإيضاح» في 4 مجلَّدات، و«الموضِّح» في 3 مجلَّدات، و«المعتمد» في 10 مجلَّدات، إلى جانب تفسيره باللِّسان الأصبهاني. ويذكر للواحدي «البسيط» و«الوسيط» و«الوجيز» و«أسباب النُّزول»، ولعليِّ بن فضَّال «برهان العميدي» في 20 مجلَّدًا و«الإكسير في علم التَّفسير» في 35 مجلَّدًا، كما ينبِّه إلى التَّفاسير التي لم تكتمل، كتفسير علم الدِّين السَّخاوي الذي وصل فيه إلى سورة الكهف.
وتنقل التَّراجم أحكامًا على المكانة العلميَّة لبعض المفسِّرين وعلى مؤلَّفاتهم، غالبًا مع نسبتها إلى أصحابها. ففي ترجمة عبد الحقِّ بن غالب بن عطيَّة يصفه بقدوة المفسِّرين، ويذكر معرفته بالأحكام والحديث والتَّفسير ولسان العرب وتفسيره المشهور. وفي ترجمة أبي محمَّد الحسين بن مسعود البغوي يذكر إمامته في التَّفسير والحديث والفقه، ويسمِّي «معالم التَّنزيل» ضمن مصنَّفاته. أمَّا أبو عبد الله محمَّد بن أحمد القرطبي فيذكر تفسيره المشهور، وينقل عن الذَّهبي وصفه بالإمام المتفنِّن المتبحِّر في العلم.
ولا يهمل ما يتَّصل بمنهج التَّفسير أو الاتِّجاه العقدي متى كان حاضرًا في مصادر التَّرجمة؛ فيذكر عن عبد السَّلام القزويني أنَّه جمع تفسيرًا ضخمًا ومزجه بكلام المعتزلة، وعن الرُّمَّاني اشتغاله بعلوم القرآن والنَّحو والكلام على مذهب المعتزلة، وعن أبي الحسن الحرالي ما نقله الذَّهبي من كلامه في الحروف والأعداد وانتقاد ابن تيميَّة له. وفي ترجمة محمود بن عمر الزَّمخشري يذكر اشتغاله بالنَّحو واللُّغة والكلام والتَّفسير، وتصريحه بالاعتزال والدَّعوة إليه، ثمَّ يسمِّي «الكشَّاف» مع جملة من مصنَّفاته في اللُّغة والحديث والأصول والنَّحو.
ويعتمد في مادَّته على كتب التَّراجم والتَّواريخ وأقوال أصحابها، فتتكرَّر إحالاته ونقوله عن الذَّهبي وابن السَّمعاني وياقوت وابن النَّجار وابن خلكان وابن الأبار وابن عساكر وغيرهم. وقد يجمع في ترجمة واحدة أقوال أكثر من مصدر، ويثبت اختلافهم في تاريخ أو وصف، أو يعقِّب على بعض ما ينقله؛ ففي ترجمة أبي القاسم التَّيمي ينقل قول أبي موسى المديني فيه ثمَّ يعقِّب بقول الذَّهبي المنتقد للمبالغة في ذلك الحكم.
ويصل الموجود من الكتاب إلى تراجم عدد من علماء القرن 7هـ، ومن أواخرهم محمود بن محمَّد الأفشنجي المتوفَّى سنة 671هـ، ومنصور بن سرار الإسكندراني المتوفَّى سنة 651هـ، ويحيى بن محمَّد التَّلمساني المتوفَّى سنة 652هـ، ثمَّ يحيى بن الرَّبيع الفهري المتوفَّى سنة 606هـ. ولا تمثِّل هذه النِّهاية تمام المشروع الذي أراده السُّيوطي؛ إذ ينصُّ تلميذه شمس الدِّين الدَّاودي على أنَّه نقل الكتاب من مسوَّدة في أوراق لم يتمَّها شيخه، وأنَّ السُّيوطي كان عازمًا على أن يجعله مؤلَّفًا حافلًا.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:








