
نبذة عن الكتاب:
يناقش سليمان بن صالح الخراشي في هذا الكتاب اتِّهام تقي الدين ابن تيميَّة ببغض عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه أو الانتقاص منه، ويركِّز على العبارات التي استُخرجت من كتاب «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» واستُدلَّ بها على هذه التُّهمة. ويقابلها بنصوص أخرى لابن تيميَّة في ذمِّ النَّواصب وإثبات فضل عليٍّ رضي الله عنه ومحبَّته وولايته، ثمَّ يرجع إلى المواضع موضع الاتِّهام واحدًا واحدًا لبيان السِّياق الذي وردت فيه والغرض من استعمالها في الرَّدِّ على ابن المطهَّر الحلِّي.
يعرِّف أوَّلًا بكتاب «منهاج السُّنَّة» والكتاب الذي صُنِّف للرَّدِّ عليه؛ فقد ألَّف ابن تيميَّة كتابه نقضًا لـ«منهاج الكرامة في معرفة الإمامة» لابن المطهَّر الحلِّي، الذي رتَّب كتابه على مباحث في الإمامة، ووجوب اتِّباع الإماميَّة، وإمامة عليٍّ رضي الله عنه بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والأئمَّة الاثني عشر، وإبطال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. ومن هذا السِّياق يفسِّر الخراشي كثرة المقارنات في «منهاج السُّنَّة» بين عليٍّ رضي الله عنه وغيره من الصَّحابة رضي الله عنهم؛ لأنَّها جاءت جوابًا عن استدلالات ابن المطهَّر في التَّفضيل والإمامة والطَّعن في الخلفاء الثَّلاثة.
يسرد بعد ذلك أبرز من نسبوا إلى ابن تيميَّة الانحراف عن عليٍّ رضي الله عنه، ويبدأ بالحافظ ابن حجر العسقلاني، وينقل عباراته في «لسان الميزان» و«الدُّرر الكامنة» عن تحامل ابن تيميَّة في بعض ردوده على ابن المطهَّر، وما رآه ابن حجر من أنَّ المبالغة في توهين بعض حجج خصمه أدَّت به أحيانًا إلى الانتقاص من عليٍّ رضي الله عنه. ثمَّ يذكر ابن حجر الهيتمي، وزاهد الكوثري، وعبد الله الغماري، وحسن السَّقَّاف، وعبد الله الحبشي، وحسن المالكي وغيرهم، وينقل نصوص اتِّهاماتهم قبل مناقشتها.
ويجعل فهم طريقة ابن تيميَّة في مناقشة ابن المطهَّر أساسًا لتفسير العبارات التي دار حولها الاعتراض. فبحسب تحليل الخراشي، لم يكن ابن تيميَّة يورد شبهات النَّواصب والخوارج في عليٍّ رضي الله عنه متبنِّيًا لها، وإنَّما يقابل بها طعون ابن المطهَّر في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم؛ فإذا احتجَّ ابن المطهَّر بطعن في أحدهم، بيَّن ابن تيميَّة إمكان توجيه نظيره أو أشدَّ منه إلى عليٍّ رضي الله عنه بمنطق النَّواصب والخوارج، ثمَّ يبطل الطَّرفين ويثبت موقف أهل السُّنَّة في الصَّحابة جميعًا.
ولا يقصر الخراشي هذه الطَّريقة على مناقشات ابن تيميَّة في الصَّحابة رضي الله عنهم، بل يأتي بأمثلة أخرى من كتبه ليثبت أنَّها طريقة مطَّردة عنده في الرَّدِّ على الغلوِّ. فيذكر مقارنته بين موسى وعيسى عليهما السَّلام عند الرَّدِّ على النَّصارى الذين يغلون في عيسى عليه السَّلام، وموازنته بين دلائل نبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ودلائل نبوَّة موسى وعيسى عليهما السَّلام في مناقشة اليهود والنَّصارى، ثمَّ أمثلة أخرى للمقارنة بين ابن عبَّاس وأبي هريرة رضي الله عنهما، وبين صالحي بني آدم والملائكة. ويستعمل هذه الأمثلة لتفسير المقارنات الواردة بين عليٍّ رضي الله عنه والخلفاء الثَّلاثة ضمن المنهج نفسه.
ويفرد بعد ذلك قسمًا لنصوص ابن تيميَّة في النَّواصب والخوارج، فينقل عنه التَّبرُّؤ من طريقة الرَّوافض والنَّواصب جميعًا، وتقريره أنَّ أهل السُّنَّة يتولَّون السَّابقين الأوَّلين ويعرفون قدر الصَّحابة رضي الله عنهم وفضائلهم. كما يجمع نصوصًا يذمُّ فيها من أبغض عليًّا رضي الله عنه أو فسَّقه أو كفَّره، ويستدلُّ الخراشي بهذه النُّقول على أنَّ موقف ابن تيميَّة المصرَّح به من النَّواصب يخالف التُّهمة التي نُسبت إليه.
ويقابل ذلك بنصوص صريحة في فضل عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فينقل قول ابن تيميَّة إنَّ فضله وولايته لله عزَّ وجلَّ وعلوَّ منزلته ثابتة بطرق تفيد العلم، وإثباته أنَّ عليًّا رضي الله عنه مولى كلِّ مؤمن، وقوله إنَّه ممَّن يحبُّ الله عزَّ وجلَّ ويحبُّه الله عزَّ وجلَّ. كما يعرض تقريره لترتيب الخلفاء أبي بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان ثمَّ عليٍّ رضي الله عنهم، وعدِّ عليٍّ رضي الله عنه من الخلفاء الرَّاشدين والأئمَّة المهديِّين، ويجعل هذه النُّصوص من الأدلَّة المباشرة التي يبني عليها مناقشته للتُّهمة.
ويشغل القسم الأكبر من الكتاب تحليل العبارات التي عُدَّت انتقاصًا من عليٍّ رضي الله عنه، فيورد نصَّ ابن تيميَّة أو قدرًا واسعًا من سياقه، ثمَّ يذكر وجه الاعتراض ويشرح علاقته بكلام ابن المطهَّر الذي كان يردُّ عليه. ومن ذلك حديث خطبة عليٍّ رضي الله عنه لابنة أبي جهل وما ورد في تأذِّي فاطمة رضي الله عنها، ومناقشة الفضائل التي ادُّعي اختصاص عليٍّ رضي الله عنه بها، والكلام على إسلامه في صغره، وجهاده وإنفاقه، وما وقع في خلافته من القتال والفتنة، والمقارنات بين أحوال خلافته وأحوال الخلفاء الذين سبقوه.
وتتكرَّر في هذه المواضع مسألة التَّفريق بين إثبات الفضيلة وبين ادِّعاء اختصاص عليٍّ رضي الله عنه بها؛ فالخراشي ينقل عن ابن تيميَّة إثبات فضائل له ثمَّ بيان مشاركة غيره من الصَّحابة رضي الله عنهم في جنسها، ويرى أنَّ المقصود بذلك نقض استدلال ابن المطهَّر بالفضائل المشتركة على العصمة أو استحقاق الخلافة بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. ومن أمثلة ذلك الأحاديث الدَّالَّة على إيمان عليٍّ رضي الله عنه ومحبَّة الله عزَّ وجلَّ له، إذ يثبتها ابن تيميَّة ويجعلها ردًّا على النَّواصب، مع رفض جعل كلِّ فضيلة منها خاصَّة به على الوجه الذي يُبنى عليه أصل الإمامة عند خصمه.
وتدخل حروب عليٍّ رضي الله عنه وخلافته ضمن أكثر المواضع التي يناقشها الكتاب؛ لأنَّ ابن تيميَّة استعمل ما وقع فيها في إلزام ابن المطهَّر عند طعنه في غيره من الصَّحابة رضي الله عنهم. فيشرح الخراشي أنَّ الكلام على عدم انتظام بعض الأمور في خلافته، أو كثرة القتال فيها، أو ما ترتَّب على التَّحكيم، لا يورده ابن تيميَّة ـ بحسب تفسيره ـ للطَّعن في عليٍّ رضي الله عنه، بل لإبطال معيار يستعمله الخصم للطَّعن في عثمان أو معاوية رضي الله عنهما؛ فإذا جُعل وقوع الخطأ أو الفتنة قادحًا في أحدهما لزم الخصم أن يطبِّق المعيار نفسه على من يعظِّمه.
وتتَّسع المراجعة إلى عشرات المواضع من «منهاج السُّنَّة»، فتشمل المقارنة بين أثر عليٍّ رضي الله عنه وأثر عمر رضي الله عنه في مواجهة الكفَّار والمنافقين، والإنفاق والجهاد، وما وقع للصَّحابة رضي الله عنهم من موافقات وفضائل، وعدد المسلمين الذين نصروا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزواته، وما يدَّعيه الغلاة من اختصاص عليٍّ رضي الله عنه بفضائل شاركه فيها غيره. ويصل التَّرقيم في هذا القسم إلى أكثر من 40 موضعًا، مع تعليق الخراشي على كلِّ نصٍّ وردِّه إلى أصلين متكرِّرين: مقابلة حجَّة الخصم بما يلزمه من جنسها، أو نفي اختصاص عليٍّ رضي الله عنه بفضيلة مع إثبات أصل الفضيلة له.
ويبلغ هذا التَّحليل مسائل علم عليٍّ رضي الله عنه بالمستقبل، وما جرى في حروبه زمن الخلافة، والموازنة بين بعض خصاله وخصال عثمان رضي الله عنه. فينقل الخراشي هذه المواضع في سياق ردِّ ابن تيميَّة على ما نسبه ابن المطهَّر إلى عليٍّ رضي الله عنه من خصائص، ثمَّ يفسِّرها على ضوء منهج المقارنة الذي قرَّره في أوائل الكتاب؛ فمحور الرَّدِّ عنده ليس نفي فضل عليٍّ رضي الله عنه، وإنَّما رفض الغلوِّ فيه أو جعل فضائله طريقًا للطَّعن في سائر الصَّحابة رضي الله عنهم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














