
نبذة عن الكتاب:
يَصُوغ عبد الله بن يوسف الجديع في كتاب «تيسير علم أصول الفقه» هذا الفن باعتباره آلةً لفهم مراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واستنباط الأحكام من الوحي، لا ميدانًا للتوسع في مباحث لا ثمرة فقهية لها. ولهذا ينتقد ما دخل على كتب الأصول من مسائل بعيدة عن مقصد العلم، ويعلن رجوعه إلى المنهج الذي يراه أقرب إلى صنيع الشافعي في «الرسالة»: بناء القواعد على الكتاب والسنة، وربطها بالتطبيق والاستدلال، مع الإفادة من طرائق الحنفية وغيرهم فيما صح منها. ويعتمد في عرضه التقسيم والتمثيل، ويتجنب الاستدلال بالأحاديث الضعيفة، ويشترط فيما يسوقه من الأخبار والآثار للاحتجاج أن يكون ثابتًا عنده من جهة النقل، مع الرجوع إلى مصادر الحديث الأصلية والنظر في أسانيدها.
ويُعَرِّف أصول الفقه بأنه القواعد والأدلة العامة التي يُتوصَّل بها إلى الفقه، ويفصل بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية؛ فالأولى أداة يستعملها المجتهد في فهم الدليل واستخراج الحكم، مثل دلالة الأمر على الوجوب والنهي على التحريم وعموم اللفظ لأفراده، أما الثانية فهي حكم جامع تندرج تحته فروع فقهية كثيرة. ومن هذا الفرق تتحدد وظيفة الكتاب كلها: الانتقال من النص إلى الحكم، لا جمع الأحكام الفرعية نفسها. ويبدأ لذلك بمباحث الحكم الشرعي وأقسامه التكليفية والوضعية، مع شرح الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح، والسبب والشرط والمانع والصحة والفساد، ويقرن الحدود الاصطلاحية بصيغها العملية في نصوص الكتاب والسنة.
وتحتل صيغ الخطاب مساحة ظاهرة في هذا البناء؛ فالوجوب لا يُحصر عنده في صيغة «افعل»، بل يستفاد كذلك من ألفاظ الأمر والفرض والكتابة، ومن الأخبار التي سيقت لإلزام المكلف، ومن ترتيب الذم أو العقوبة على الترك. وكذلك التحريم يُعرف بصريح التحريم ونفي الحل وصيغ النهي والأمر بالاجتناب وما رُتب على فعله من وعيد أو عقوبة. ويستثمر هذه الطريقة في مناقشة خلافات أصولية لها أثر مباشر في الفقه؛ فيقرر مثلًا أن الفرض والواجب مترادفان عند الجمهور، ويرجح هذا على التفريق الحنفي القائم على قطعية الدليل وظنيته، ويناقش قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» بتقسيم مقدمات الواجب وبيان أن وجوب المقدمة المأمور بتحصيلها مستفاد من دليل الواجب نفسه، لا من إنشاء حكم مستقل بهذه العبارة.
ويجعل الوحي أصل منظومة الأدلة كلها؛ فالقرآن أول الأدلة، والسنة وحي مستقل في دلالته على الأحكام مع كون حجيتها مأخوذة من القرآن، والإجماع لا ينفصل عنده عن مستند من الكتاب أو السنة، والقياس لا يعمل إلا على أصل شرعي منهما، وما سواهما إن صح الاحتجاج به فإنما تستمد قوته من اتصاله بالوحي. ولهذا يرتب الأدلة بحسب قربها من الكتاب والسنة: القرآن، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم شرع من قبلنا، فالقياس، فالمصلحة المرسلة، مع رفض عدِّ بعض ما اشتهر في كتب الأصول أدلة مستقلة على الحقيقة؛ فالعرف عنده أصل يراعى في تنزيل الأحكام، ومذهب الصحابي يستأنس به في الفهم، والاستصحاب إبقاء للعمل بدليل قائم لا إنشاء دليل جديد.
وتظهر عنايته الحديثية بوضوح في مبحث السنة؛ إذ يُعَرِّفها بما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير، ويقرر حجيتها مصدرًا تشريعيًا، ثم يميز بين البحث في دلالة الحديث والبحث في ثبوته. ولأن القرآن ثابت بالنقل القطعي عنده، بخلاف أفراد الأحاديث التي تحتاج إلى التثبت، يجعل معرفة مراتب الرواية من صميم ما يحتاج إليه الفقيه، مع إحالة التفصيل الفني في التصحيح والتضعيف إلى علوم الحديث. ويبحث المتواتر والآحاد وحجية الخبر الصحيح، ثم يبين وظائف السنة بالنسبة إلى القرآن؛ فقد تؤكد حكمه، أو تبين مجمله وتخصص عامه وتقيد مطلقه، أو تستقل بحكم لم يرد تفصيله في القرآن، ويرفض تصور تعارض سنة ثابتة حقيقةً مع أصل قطعي من أصول الإسلام، ويرد ما يبدو كذلك إلى خلل في النقل أو في فهم الدلالة أو في تقدير قوة الدليل المعارض.
وفي القياس والمصالح يحرص على إبقاء الاجتهاد تابعًا للنص لا منفصلًا عنه؛ فالقياس عنده حجة إذا استكمل أركانه وشروطه، ومن أبرز مسالك الاجتهاد لكون الفرع فيه ملحقًا بأصل شرعي لمعنى جامع صحيح. أما المصلحة المرسلة فيجعلها دليلًا اجتهاديًا تابعًا، ويمهد لها بتقسيم مصالح الشريعة إلى ضروريات تحفظ الدين والنفس والمال والعرض والعقل، وحاجيات ترفع الحرج، وتحسينيات تتصل بمكارم الأخلاق، ثم يفرق بين المصلحة التي شهد الشرع باعتبارها، والمصلحة التي ألغى اعتبارها، والمصلحة التي لم يرد نص خاص باعتبارها أو إلغائها. ويتصل بذلك سد الذرائع باعتبار أن الوسائل تأخذ حكم مقاصدها، مع مناقشة هل يحتاج هذا المعنى إلى اعتباره دليلًا مستقلًا أم تكفي النصوص والقواعد الشرعية العامة لإثبات أحكام صوره.
وتأتي قواعد الاستنباط عنده في صورة قواعد لغوية متصلة مباشرة بألفاظ الكتاب والسنة، فيبحث الخاص والعام والمشترك، والحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، والأمر والنهي وسائر وجوه الدلالة. ولا يكتفي بالتعريفات، بل يعرض الصور التي يتغير فيها الحكم بتغير العلاقة بين النصوص؛ ففي حمل المطلق على المقيد يفرق بين اتحاد الحكم والسبب واختلافهما وما بين ذلك، وفي العموم يجعل الأصل حمل اللفظ على الاستغراق ما لم يرد مخصص، ويبحث مفهوم المخالفة بحسب أنواعه ومواضع الاحتجاج به، مع استعمال أمثلة قرآنية وحديثية لإظهار أثر القاعدة في الفهم والاستنباط.
ولا يتعامل مع ما يسمى تعارض الأدلة على أنه تناقض حقيقي في الوحي؛ فالأدلة الصحيحة لا تتناقض في نفسها، وإنما يقع التعارض في نظر المجتهد بسبب خفاء وجه الجمع أو التاريخ أو الدلالة. ولذلك يقدم إعمال الدليلين متى أمكن، ثم ينظر في النسخ عند ثبوت التأخر واستكمال شروطه، ولا يجعل الاجتهاد ناسخًا لحكم شرعي ثابت. فإذا تعذر الجمع ولم يثبت النسخ جاء الترجيح، وهو عنده طريق اجتهادي يوازن فيه الفقيه بين دليلين ثابتين بالقرائن المتعلقة بالنقل والدلالة، مع ملاحظة أن الاضطرار إلى هذا النوع من الترجيح الخالص قليل؛ لأن كثيرًا مما يسمى ترجيحًا ينتهي في التحقيق إلى ظهور ضعف أحد النقلين أو قصور إحدى الدلالتين.
ويعيد الجديع هذه الأدوات في النهاية إلى المجتهد الذي يستعملها؛ فلا تتحقق ثمرة أصول الفقه بحفظ المصطلحات ما لم توجد القدرة على معرفة النصوص وطرق ثبوتها ولسان العرب ومراتب الدلالات ووجوه الجمع والترجيح، مع إدراك مقاصد الشريعة ومواقع تطبيق الأحكام. ولهذا جاءت تسمية الكتاب من مقصده المعلن في تقريب هذا العلم وتيسيره وتهيئة أهم أسباب الاجتهاد، مع إبقاء الصلة بالكتاب والسنة حاكمةً على ما يُقبل من القواعد وما يُستبعد منها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














