
نبذة عن الكتاب:
يَعرض مناع خليل القطان في هذا الكتاب نشأة التشريع والفقه الإسلامي وتطور مراحلهما، ومصادر الأحكام، وتكوّن المدارس الفقهية والمذاهب، ومناهج الأئمة في الاستنباط، وما طرأ على الحركة الفقهية من ازدهار وتقليد ثم محاولات للتجديد. ويجعل دراسة هذا التاريخ وسيلة لفهم كيفية نمو الفقه واتصال أحكامه بمصادرها الشرعية، ومعرفة جهود المجتهدين في استنباط الأحكام وما تركته البيئات والعصور المختلفة من أثر في مناهجهم ومسائلهم، ثم يصل ذلك بحاجة الفقه في العصر الحديث إلى النهوض والاجتهاد في النوازل المستجدة.
ويُمهد للموضوع بتعريف التاريخ وأهمية دراسة تاريخ العلوم، ثم يبين منزلة تاريخ التشريع والفقه الإسلامي، ويبحث حاجة الجماعة البشرية إلى نظام يحكم علاقاتها ويحفظ الحقوق ويمنع الفوضى. ويفرق بين القانون الوضعي والشريعة، فيعرّف القانون بأنه مجموعة القواعد التي يضعها البشر لتنظيم شئون الجماعة، ويعرّف الشريعة الإسلامية بأنها ما شرعه الله تعالى لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة. ويجعل اختصاص الشريعة بما جاء عن الله تعالى فارقًا أصيلًا بينها وبين القوانين البشرية، ثم يقارن التشريع السماوي بالتقنين الوضعي من حيث المصدر والثبات والشمول وصلته بالعقيدة والأخلاق والجزاء الدنيوي والأخروي.
ويتناول مكان الشريعة الإسلامية بين الشرائع السماوية، فيقرر اتفاق رسالات الأنبياء عليهم السلام في أصل التوحيد والعقيدة وأصول العبادة والأخلاق، مع اختلاف ما شرع للأمم في بعض الأحكام بحسب أحوالها، ثم يبين عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وختمها للنبوات وشمول شريعته لمطالب الحياة الإنسانية. ويصل من ذلك إلى خصائص الشريعة الإسلامية في عموم خطابها واتساع نظمها ومرونة نصوصها وقدرتها على تنظيم شئون العقيدة والعبادة والأخلاق والاجتماع والاقتصاد والحكم والقضاء.
ويقسم تاريخ التشريع والفقه إلى مراحل تراعي التطور العلمي والأحداث السياسية والاجتماعية المؤثرة فيه، ويختار تقسيمه إلى عصر التشريع من البعثة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، فمرحلة صغار الصحابة رضي الله عنهم وكبار التابعين، ثم مرحلة ازدهار الفقه وتأسيس المذاهب من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع، ثم ما أعقب ذلك إلى سقوط بغداد، وأخيرًا المرحلة الممتدة من سقوط بغداد إلى العصر الحديث. ويهتم في هذه المراحل بالجانب الموضوعي أكثر من تتبع الأحداث التاريخية لذاتها.
ويبدأ عصر التشريع بتصوير حال العرب والعالم قبيل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان قائمًا من حضارات وأديان وأعراف وقوانين، ثم ينتقل إلى التشريع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقرر أن مصدره الوحي؛ فالقرآن الكريم وحي من الله تعالى لفظًا ومعنى، والسنة بيان للوحي وما يتصل به من تشريع، وأن عصر التشريع بهذا المعنى ينتهي بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم يدرس نزول القرآن الكريم ومراحله، والتشريع المكي والمدني، وخصائص كل منهما، وأساليب القرآن في طلب الفعل والكف والإباحة، ومنهجه في بيان الأحكام.
ويفصل مكانة السنة في التشريع وحجيتها وصلتها بالقرآن الكريم، وما تضمنته من بيان لمجمله وتفصيل لأحكامه وما استقلت به من أحكام، ثم يبحث المتواتر والآحاد والقطعي والظني، وشبه المخالفين في حجية السنة، وجمع الحديث وكتابته وتدوينه. كما يتناول اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتلقي الصحابة رضي الله عنهم عنه، وحفظ القرآن في الصدور والصحف، واجتهاد الصحابة رضي الله عنهم في حياته، ثم يستخلص خصائص التشريع في القرآن والسنة من حيث الشمول والترابط وكفاية النصوص والقواعد لحاجات الناس.
ويتتبع تاريخ تشريع طائفة من الأحكام ليبين كيفية تدرج البناء التشريعي في المجتمع الإسلامي، فيعرض نماذج من العبادات والمعاملات وشئون الأسرة والجنايات والجهاد والسير والعلاقات الدولية، إلى جانب ما أبطلته الشريعة من أحكام الجاهلية. وبذلك لا يعرض عصر النبوة من جهة مصادره العامة فقط، بل يبين كيفية تشكل الأحكام في مجالات الحياة المختلفة واتصالها بنمو الجماعة الإسلامية.
ثم ينتقل إلى الفقه في عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، فيبحث الحالة السياسية وأثرها في الحركة الفقهية، ومصادر الفقه بعد انقطاع الوحي، وجمع القرآن الكريم، وطريقة الصحابة رضي الله عنهم في الرجوع إلى الكتاب والسنة والاجتهاد فيما يجد من وقائع. ويعرض نماذج من المسائل التي وقع فيها الاجتهاد واختلاف الفتوى، ويبحث أسباب هذا الاختلاف، وما اشتهر به الصحابة رضي الله عنهم من التثبت في الرواية، وحدود استعمال الرأي والاجتهاد. ويترجم لعدد من كبار فقهاء الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعائشة رضي الله عنهم، مبينًا أثرهم في نقل العلم وتكوين الاتجاهات الفقهية اللاحقة.
ويعرض مرحلة صغار الصحابة رضي الله عنهم وكبار التابعين في ضوء التحولات السياسية التي شهدتها الأمة، وما نشأ عنها من اتجاهات وفرَق كان لها أثر في الحياة العلمية والفقهية. ويتناول تفرق العلماء في الأمصار، وحركة الرواية، وبدء الوضع في الحديث وأسبابه، وما بذله العلماء في مواجهته، ثم يتتبع المراكز العلمية في مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام ومصر واليمن، واختلاف البيئات العلمية فيها.
ويبرز في هذه المرحلة تمايز مدرستي الحجاز والعراق، وما ارتبط بهما من اختلاف في مقدار الاعتماد على الحديث والرأي والقياس. ويبين أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأقضية علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تكوين الاتجاه الفقهي بالعراق، وقلة الحديث هناك مقارنة بالحجاز، وكثرة الوقائع الناتجة عن طبيعة المجتمع العراقي واتصاله بحضارات أخرى، مما وسع مجال الرأي والقياس. ولا يعرض هذا التمايز على أنه تعارض مجرد بين الحديث والرأي، بل يربطه باختلاف المادة العلمية والبيئة والمسائل التي واجهت فقهاء كل مصر.
ثم يتناول عصر النهضة الفقهية الذي ازدهر فيه تدوين الحديث والفقه، واتسعت الرحلة في طلب العلم، وتبادل علماء الأمصار الروايات والآراء، فكان لتدوين السنة أثر مباشر في توسيع مادة الاستنباط الفقهي وربط العلماء بما عند غيرهم من الحديث. ويبين ما بذله المحدثون في تمييز الصحيح من السقيم والذب عن السنة، وما أدى إليه ذلك من نضج الحركة العلمية واتساع أدوات الفقيه.
ويخصص قسمًا واسعًا للمذاهب الفقهية وأئمتها، فيتتبع حياة الأئمة وبيئاتهم العلمية وشيوخهم ورحلاتهم وتكوينهم، ثم يبين أصول كل مذهب ومناهجه في الاستدلال وانتشاره وتلاميذه. ويعرض أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد، ويربط طريقة كل إمام بما حصله من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والإجماع والقياس وسائر الأصول التي اعتمدها. وفي حديثه عن الشافعي خاصة يبرز أثر رحلاته بين الحجاز واليمن والعراق ومصر في تعرف المناهج الفقهية المختلفة ونقدها، كما يفصل في أصول مذهبه من القرآن والسنة والإجماع وقول الصحابي رضي الله عنه والقياس، ثم يتناول أصول مذهب أحمد من النصوص وفتاوى الصحابة رضي الله عنهم والاختيار بينها والحديث والقياس.
ويتتبع بعد استقرار المذاهب ما طرأ على التأليف الفقهي من تحول، فيقارن بين زمن الأئمة الذي كان الاجتهاد فيه مفتوحًا والاستنباط مرتبطًا مباشرة بالأدلة، وبين مراحل لاحقة غلب عليها الاشتغال بالمذهب والتلخيص والشروح والحواشي وكثرة التفريعات، وما صاحب بعض المؤلفات من شدة الإيجاز أو التعقيد. ويجعل هذا التحول جزءًا من تفسير واقع الفقه في العصور المتأخرة، لا مجرد تغير في أشكال التأليف.
ويختم الكتاب ببحث واقع الفقه الإسلامي في العصر الحديث من الجوانب التأليفية والدراسية والتطبيقية، ويتناول أثر دخول القوانين الوضعية في كثير من البلاد الإسلامية، وبقاء جانب من الفقه الإسلامي مطبقًا، ولا سيما في مسائل الأسرة، ثم يعرض يقظة الشعور الإسلامي ومحاولات إعادة صياغة الفقه وتقريبه من حاجات العصر. ويتتبع جهودًا في تقنين الأحكام وصياغتها، مثل «مجلة الأحكام العدلية»، وبعض المؤلفات والمشروعات الفقهية والموسوعات، والدعوات إلى إنشاء المجامع الفقهية.
وينتهي مناع خليل القطان إلى ضرورة مواجهة الوقائع الحديثة باجتهاد فقهي عميق يرد المسائل الجديدة إلى أصولها ويزنها بقواعد الشريعة، من غير إخضاع النصوص للأوضاع المعاصرة أو تحميلها ما لا تحتمل. ويطرح الاجتهاد الجماعي طريقًا عمليًا حين يتعذر الاجتهاد المطلق أو المذهبي، من خلال مجمع فقهي يجمع الفقهاء والمتخصصين في الاقتصاد والاجتماع والقانون والطب وغيرها، حتى يقترن الحكم الشرعي بالتصور الفني الدقيق للمسألة. وبهذا ينتهي الكتاب من التأريخ لنشأة التشريع وتطور الفقه إلى بيان ما يلزم لاستمرار قدرته على معالجة المستجدات واتصال الاجتهاد المعاصر بأصوله العلمية.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














