
نبذة عن الكتاب:
يَجمع عبد الفتاح بن محمد مصيلحي في كتاب «المختصر في أصول الفقه» أهم مسائل هذا الفن وقواعده في صورة تعليمية موجزة، صرّح بأنه أراد بها تقريب العلم وتسهيله، بحيث يكتفي بها من لا تسمح همته بالتوسع، ويجعلها طالب العلم المنطلق إلى المطولات أساسًا يبني عليه دراسته. ولهذا يسير الكتاب على طريقة الضوابط والتعريفات والقواعد المختصرة، فيعرض كل مبحث من خلال حدِّه، ثم أهم ما يتصل به من أحكام وتنبيهات وفوائد، من غير استطراد في الخلافات الطويلة أو تفصيل أدلة الأقوال.
ويَفتتح بمبادئ علم أصول الفقه، فيُعرِّف الأصل والفقه وأصول الفقه، ويجعل موضوع العلم الأدلة الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، ويذكر من ثمراته معرفة مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، والقدرة على استخراج الأحكام على أسس سليمة، وبيان صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان. كما يقرر أن أول من جمع أصول الفقه في كتاب مستقل هو الإمام الشافعي، وأن العلم يُستمد من الكتاب والسنة وما يرجع إليهما، وأن تعلمه فرض كفاية.
ثم يَعرض الأحكام الشرعية، ويقسمها إلى تكليفية ووضعية. ففي التكليفية يشرح الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح، ويقرن كل واحد منها بضوابط عملية؛ فيذكر في الواجب قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، ويفرق بينها وبين «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب»، ويقرر تقديم الأعلى عند تزاحم الواجبات، وتقديم الواجب على السنة. وفي المندوب يبين أنه لا يلزم بالشروع فيه إلا في الحج والعمرة، وأن المندوبات ليست على رتبة واحدة، بينما يجعل من قواعد المحرم أن ما كان وسيلة إليه فهو محرم، وأنه عند تزاحم المحرمات يُلتزم الأدنى منها.
ويُفصِّل المكروه والمباح، فيشير إلى أن لفظ المكروه قد يطلق على الحرام، وأن النهي قد يُصرف عن التحريم إلى الكراهة بالقول أو الفعل، ثم يقرر في المباح أن الأصل في الأشياء الإباحة عند عدم الدليل، وأن المباح قد ينقلب مستحبًا أو واجبًا أو محرمًا أو مكروهًا باختلاف النيات والأحوال. وبعد ذلك يبين شروط التكليف المتعلقة بالمكلف، كالعقل والبلوغ وفهم الخطاب والقصد والاختيار، وما يتعلق بالفعل من العلم والقدرة والاستطاعة.
وفي الأحكام الوضعية يَشرح السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان، ويفرق بين السبب والعلة، وبين الشرط والركن، ويبين أن الشرط خارج عن ماهية الشيء بينما الركن جزء منها. ثم يتناول الصحيح والباطل، ويقرر أن صحة العمل متوقفة على تمام الأركان والشروط وانتفاء الموانع، مع التنبيه إلى عدم التلازم بين الصحة والثواب. ويضيف إلى ذلك العزيمة والرخصة، ويفرق بين الرخصة والضرورة، ثم يذكر الأداء والتعجيل والقضاء والإعادة باعتبارها أوصافًا للأعمال بالنظر إلى أوقاتها.
ويَعرض أدلة الأحكام بدءًا بالكتاب الكريم، فيعرفه ويذكر وجوه إعجازه، ثم يقرر حمل المتشابه على المحكم، والرجوع في المنسوخ إلى الناسخ، وأن القراءات الشاذة ليست قرآنًا وإن صحت تفسيرًا. وبعده يعرّف السنة بأنها ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، ويؤكد حجيتها، وأنها توافق القرآن الكريم وتبين مجمله وتخصص عمومه وتقيد مطلقه وتضيف أحكامًا جديدة، كما يقرر حجية الحديث الصحيح في العقائد والأحكام وإن لم يكن متواترًا.
وفي الإجماع يَعرِّفه باتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي، ويقرر أن الإجماع الصحيح يلزم من جاء بعده، وأنه لا يشترط انقراض العصر على الصحيح. كما يذكر أن الإجماع القطعي حجة، وأن السكوتي أو الظني موضع خلاف، وأن اتفاق الخلفاء الأربعة أو الأئمة الأربعة أو أهل المدينة لا يُعد إجماعًا، وأنه إذا استقر الخلاف على قولين فلا يجوز إحداث قول ثالث.
ثم يَشرح القياس بأنه إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما، ويذكر أركانه من الأصل وحكمه والفرع والعلة، ثم يشترط ألا يصادم دليلًا أقوى، وأن يكون حكم الأصل ثابتًا بنص أو إجماع، وأن تكون العلة معلومة ظاهرة منضبطة موجودة في الفرع. ويقسم القياس إلى جلي وخفي، وإلى قياس علة ودلالة وشبه وعكس، ويقرر أن القياس لا ينشئ حكمًا جديدًا، وإنما يكشف عن حكم موجود، وأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
ويَضيف إلى الأدلة قول الصحابي رضي الله عنه، فيجعل قوله حجة إذا اتفق عليه أو لم يُعلم له مخالف، ويجعل ما لا مجال فيه للاجتهاد في حكم المرفوع، أما إذا خالفه صحابي آخر رضي الله عنهما فلا يكون قول أحدهما حجة على الآخر. كما يقرر حجية تفسير الصحابة رضي الله عنهم للنصوص من جهة ما تدل عليه ألفاظها في لسان العرب.
ويَشرح الاستصحاب باعتباره إبقاء الحكم الثابت في الزمن السابق عند عدم وجود ما يغيره، وينبه إلى أنه لا ينشئ حكمًا جديدًا، بل يثبت استمرار الحكم الأول، وأنه قد يكون استصحاب إباحة أو منع بحسب الأصل. ثم يعرض شرع من قبلنا، ويقسمه إلى ما أقره شرعنا فيكون شرعًا لنا، وما لم يثبت بشرعنا أو ثبت نسخه فلا يكون شرعًا لنا، وما ثبت ولم يرد فيه اعتبار ولا نسخ فيختار أنه شرع لنا.
ويُفرد للمصالح المرسلة بابًا يعرّفها فيه بالمصلحة التي لم يرد نص باعتبارها أو إلغائها، ويشترط فيها أن تكون حقيقية وعامة وألا تعارض نصًا أو إجماعًا، ثم يقسم المصالح إلى معتبرة وملغاة ومرسلة، ويؤكد أن المصلحة الحقيقية لا تتعارض مع النص. وبعد ذلك يتناول سد الذرائع، فيفرق بين الوسيلة المحرمة بذاتها، والمباحة التي يندر إفضاؤها إلى الفساد، والمباحة التي يغلب إفضاؤها إليه، وما يستعمله المكلف في غير ما وضع له للوصول إلى المفسدة.
ثم يَعرض العرف باعتباره ما ألفه الناس في شؤون دنياهم من غير حظر شرعي، ويشترط لاعتباره ألا يخالف دليلًا، وأن يكون عامًا أو غالبًا، مطردًا أو أكثريًا، غير معارض بعرف آخر، وأن يحقق مصلحة ولا يفضي إلى مفسدة، وأن يكون قائمًا وقت إنشاء التصرف.
وفي طرق الاستنباط يبدأ بالأمر والنهي؛ فيقرر أن صيغة الأمر المطلقة تقتضي الوجوب والفورية ما لم تصرفها قرينة، ولا تقتضي التكرار إلا بدليل، وأن الأمر بعد النهي يعيد الفعل إلى حكمه السابق، وأن ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به. ويجعل النهي مقتضيًا للتحريم والفورية والتكرار، ويفرق في أثره بين ما تعلق بذات العبادة أو ركنها أو شرطها فيفسدها، وما انفكت جهته عن الركن والشرط فتبقى معه الصحة مع الإثم.
ويَفصِّل العام والخاص، فيذكر صيغ العموم، ويقرر بقاء العام على عمومه حتى يرد المخصص، وأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم يعم الأمة ما لم يدل دليل على الخصوص، وأن العام بعد التخصيص يبقى عامًا فيما لم يخص. ثم يعرض العام الوارد على سبب خاص، ويقرر أنه عند غياب قرينة الخصوص أو العموم تكون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويذكر جملة من الفوائد في الاستثناء ودلالة العام وترك الاستفصال.
ثم يَشرح المطلق والمقيد، ويقرر العمل بالمطلق حتى يقوم دليل التقييد، ويفرق بين التقييد والنسخ بحسب ترتيب ورود النصوص والعمل بها، كما يميز بين الاستغراق الشمولي في العام والاستغراق البدلي في المطلق. وبعد ذلك يعرض الظاهر والمؤول، فيوجب العمل بالظاهر ما لم يوجد دليل صحيح يصرفه، ثم المجمل والمبين، فيقرر عدم جواز العمل بالمجمل حتى يحصل البيان، وعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ويَجمع دلالات المنطوق والمفهوم والاقتضاء والإيماء والإشارة، فيعرف مفهوم الموافقة والمخالفة، ودلالة الاقتضاء التي يتوقف عليها صدق الكلام أو صحته شرعًا، ودلالة الإيماء التي يفهم منها كون الوصف علة للحكم، ودلالة الإشارة باعتبارها معنى لازمًا مصاحبًا للحكم المستفاد من اللفظ.
وفي النسخ يَعرِّفه برفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة، ويقرر وقوعه في الكتاب والسنة، وأن الإجماع والقياس لا ينسخان النصوص، وأنه لا يصار إلى النسخ إلا بعد العجز عن الجمع ومعرفة المتقدم والمتأخر. كما يفرق بين النسخ والتخصيص، ويجيز نسخ لفظ الآية دون حكمها أو العكس أو نسخهما معًا، ويقرر إمكان نسخ القرآن بالسنة على الراجح.
ويَرتب التعامل مع الأدلة عند التعارض الظاهر على أربعة مسالك: الجمع أولًا، ثم النسخ إذا تعذر الجمع وعُرف التاريخ، ثم الترجيح عند الجهل بالتاريخ مع وجود مرجح، ثم التوقف إذا لم يوجد مرجح. ويذكر من صور الترجيح تقديم النص على الظاهر، والمنطوق على المفهوم، والمثبت على النافي، والناقل عن الأصل على المبقي عليه، والعام المحفوظ على غير المحفوظ، والقياس الجلي على الخفي، والقول على الفعل، والحاظر على المبيح.
ثم يَعرض الاجتهاد، فيعرفه ببذل المجتهد وسعه في استنباط حكم شرعي، ويفرق بين الاجتهاد الكلي والجزئي، ويقرر أن ليس كل مجتهد مصيبًا، وأن المجتهد لا يجوز له التقليد، وأن العصر لا يخلو من مجتهد، وأن الاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله. ويشترط في المجتهد العلم بالأدلة والناسخ والمنسوخ ومواضع الإجماع واللغة وأصول الفقه، مع القدرة على الاستنباط.
وفي التقليد يعرّفه بقبول قول الغير دون معرفة دليله، ويقرر عدم جواز فتوى المقلد، وتحريم التقليد المخالف للنص، وعدم جواز إلزام الناس بتقليد شخص أو مذهب معين. وبعد ذلك يوضح شروط المفتي والمستفتي، ويشترط في المفتي ما يشترط في المجتهد مع زيادة الحلم والوقار والسكينة والكفاية ومعرفة أعراف الناس.
ويَختم الجانب التطبيقي بخطوات الوصول إلى الحكم الشرعي: تصور المسألة تصورًا صحيحًا، وعدم مخالفة الإجماع، والاطلاع على أقوال العلماء وأدلتهم، ودراسة الأدلة من جهة الثبوت والدلالة، والبحث عما يوضح حكم المسألة. ثم يذكر الوسائل اللازمة لصحة فهم النصوص، وفي مقدمتها اتباع منهج الصحابة رضي الله عنهم، وجمع النصوص الواردة في الباب، ورد المطلق إلى المقيد والعام إلى الخاص والمجمل إلى المبين والمتشابه إلى المحكم، ثم النظر في النسخ أو الترجيح عند الحاجة، مع معرفة العربية ومقاصد الشريعة.
ويُلحق بالكتاب مدخلًا إلى علم المقاصد، فيعرّف المقاصد بأنها المصالح والحكم والغايات التي جاءت الشريعة لتحقيقها بجلب المصالح ودرء المفاسد، ويقسمها إلى عامة وخاصة وجزئية، ثم إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات. ويجعل الضروريات راجعة إلى حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، ويفرق بينها وبين الحاجيات التي يترتب على فقدها الحرج، والتحسينيات التي تكمل أحوال الأمة. كما يحذر من استعمال المقاصد في ليِّ النصوص لتوافق رغبات الناس، ويقرر أن النظر المقاصدي لا ينفصل عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














