
نبذة عن الكتاب:
يُبسِّط عبد العزيز بن ريس الريس في كتاب «المحصول في شرح صفوة الأصول» مسائلَ متن «صفوة أصول الفقه» لعبد الرحمن بن سعدي، ويَفك عباراته المختصرة، ويَزيد ما يحتاج إليه المقام من تفصيل وأمثلة وتنبيهات ونقول، مع عناية ظاهرة بإرجاع المسائل الأصولية إلى أدلتها وعدم الاكتفاء بتقريرها تقليدًا. وأصل الكتاب دروس أسبوعية كان الريس يُمليها في شرح المتن، ثم كُتبت ووُثقت نقولها وراجعها بعد ذلك، فخرج الشرح محافظًا على طبيعة الدرس: شرح مباشر لعبارات ابن سعدي يتسع عند الحاجة، ويتوقف عند المصطلحات والمسائل التي تحتاج إلى تحرير أو تصحيح.
ويَمهِّد قبل الشروع في المتن ببيان منزلة أصول الفقه، فيَجعله أهم علوم الآلة وشرطًا أساسًا للاجتهاد، ويؤكد أن صعوبته ليست ناشئة من طبيعة العلم نفسه، وإنما مما دخل فيه من مسائل كلامية ونظرية لا ثمرة عملية لها، ومن طرائق بعض المصنفين المعقدة في التعبير. ويقرر أن الطالب ينبغي أن يتبنى القاعدة الأصولية بدليلها لا بمجرد تقليد أصولي قبله؛ لأن الخطأ في أصل واحد قد يمتد أثره إلى فروع فقهية كثيرة.
ويُميِّز منذ البداية بين أصول الفقه والفقه والقواعد الفقهية؛ فالأصولي ينظر في الأدلة الإجمالية وكيفية دلالتها، والفقيه يُنزِّل تلك القواعد على الوقائع الجزئية، ثم تأتي القواعد الفقهية لتجمع طائفة من الفروع تحت أصل كلي. وينبه إلى أن القاعدة الفقهية لا تُقدَّم على النص لمجرد شهرتها، ولا يصح رد الأدلة الشرعية بقاعدة مذهبية لم يُتحقق من دليلها.
ويَشرح بناء علم الأصول عند ابن سعدي من خلال ثلاثة أركان: معرفة الأدلة الشرعية، ومعرفة كيفية التعامل معها عند التعارض والجمع والتخصيص والتقييد، ومعرفة حال المستفيد وشروط المجتهد والمسائل التي يصح فيها الاجتهاد. ويُبرز أن غرض «صفوة الأصول» الجمع بين الاقتصار على المهم وبين زيادة البيان؛ فالاختصار عند ابن سعدي ليس حذفًا يخل بالفهم، بل انتخاب للمسائل العملية التي يحتاج إليها طالب العلم مع توضيحها قدر الإمكان.
ويَبدأ بالأحكام الشرعية، فيشرح الواجب والحرام والمسنون والمكروه والمباح، ولا يستغرق في صناعة الحدود بقدر ما يحرص على فهم حقيقة الحكم وطريق معرفته من الأدلة. فالواجب ما طلبت الشريعة فعله على وجه يأثم تاركه، والحرام ما دل الدليل على الإثم بفعله، والمسنون ما طلب فعله من غير إثم على الترك، والمكروه ما طُلب تركه من غير إثم على الفعل، والمباح ما لم تطلب الشريعة فعله ولا تركه لذاته. ويَنبه إلى أن الألفاظ الشرعية لا ينبغي أن تُحمَّل آليًّا على الاصطلاحات المتأخرة؛ فقد يأتي لفظ «الواجب» في النص ويراد به التأكيد لا الاصطلاح الأصولي الدقيق، ويأتي «المكروه» ويراد به التحريم.
ويُفصِّل بعد ذلك دلالات الأمر والنهي، فيقرر أن الأصل في الأمر الوارد في الكتاب والسنة الوجوب ما لم تصرفه قرينة، ويمثل للقرينة التي تنقله إلى الاستحباب، كما يشرح الأمر الواقع بعد الحظر وأنه يعود في الأصل إلى حكم الفعل قبل الحظر. ويجعل الأصل في النهي التحريم، لكن قد تصرفه القرائن إلى الكراهة، ومن ذلك أن ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن فعل ثم يفعله أو يقر من فعله، فتكون هذه القرينة صارفًا عن التحريم.
ويَعرض أثر النهي في صحة العبادة والمعاملة، فيقرر أن التحريم إذا رجع إلى ذات العبادة أو شرطها أفسدها، أما إذا رجع إلى أمر خارج عنها فإن الفعل يحرم ولا يلزم من ذلك بطلانه. ويشرح كذلك أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، وأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بأحد أضداده بحسب الحال، مع التفريق بين الاستلزام وبين القول بأن الأمر والنهي شيء واحد.
ويَعتني بمباحث الألفاظ من العام والخاص والتخصيص، ثم المطلق والمقيد، ويحرص على التمييز الاصطلاحي الدقيق بين البابين؛ فالعام شمولي والمطلق بدلي، ولذلك يقال: «خُصِّص العام» و«قُيِّد المطلق»، ولا يُخلط بين العبارتين. ثم يَشرح حمل المطلق على المقيد بحسب اجتماع الحكم والسبب أو اختلافهما، ويفصل الصور التي يقع فيها الاتفاق والصور التي يقع فيها الخلاف.
ويُوضِّح في هذا الباب أن اتفاق الحكم والسبب يقتضي حمل المطلق على المقيد، بخلاف اختلافهما معًا، أما إذا اتفق الحكم واختلف السبب أو اتفق السبب واختلف الحكم فتحتاج المسألة إلى نظر مستقل ولا يصح إجراؤها على قاعدة واحدة بلا دليل. ويستعين بالأمثلة القرآنية في بيان الفروق بين هذه الصور حتى تتحول القاعدة المجردة إلى طريقة عملية في التعامل مع النصوص.
ويَفصل بين المجمل والظاهر؛ فكلاهما يحتمل أكثر من معنى، لكن الظاهر يدل بنفسه على المعنى الراجح، أما المجمل فيحتاج إلى مرجح أو بيان خارجي. ومن هنا يؤكد وجوب العمل بالظاهر، ورد المجمل والمشتبه إلى المحكم الواضح، ويستمر في شرح المنطوق والمفهوم باعتبارهما من أهم طرائق استخراج الحكم من الخطاب.
ويُقسِّم المفهوم إلى مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة؛ فمفهوم الموافقة قد يكون أولويًّا، كتحريم ضرب الوالدين من تحريم التأفف لهما، وقد يكون مساويًا للمنطوق. أما مفهوم المخالفة فيُثبت للمسكوت عنه حكمًا مخالفًا للمنطوق، ويذكر من أنواعه مفهوم الصفة والشرط والعدد والحصر والتقسيم وغيرها، ويستثني مفهوم اللقب في الأصل.
ولا يكتفي بإثبات حجية مفهوم المخالفة، بل يَضبط المواضع التي يسقط فيها الاحتجاج به؛ فكل قيد لم يُذكر لذاته وإنما خرج مخرج الغالب، أو جاء جوابًا عن سؤال، أو ورد لغرض آخر، فلا يُستخرج منه حكم مخالف للمسكوت عنه. ويطبق ذلك على نصوص شرعية لبيان أن مجرد ورود وصف أو عدد في النص لا يكفي وحده لإثبات المفهوم حتى يُنظر في سبب ذكره وسياقه.
ويمنح الإجماع منزلة كبيرة بين الأدلة، ويقرر أن دلالته إذا ثبت لا تكون محتملة، بل هي قطعية في الدلالة، مع التفريق بين قطعية الإجماع من جهة ثبوته وظنيته. ويستدل لحجيته بالنصوص التي توجب لزوم جماعة المؤمنين ورد النزاع إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وببقاء طائفة من الأمة على الحق، ويجعل الإجماع وسيلة مهمة في حفظ الأصول التي استقر عليها معتقد أهل السنة.
ويَتناول كذلك قول الصحابي رضي الله عنه، ويُثبت حجيته إذا لم يُعرف له مخالف، ويرى أن اختلاف الصحابة رضي الله عنهم على قولين يمنع إحداث قول ثالث خارج عنهما، وأن من أراد مخالفة قول صحابي لم يُعلم له مخالف يحتاج إلى سلف سابق. أما إذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم فيرجع إلى الترجيح بين أقوالهم.
ويُفصِّل بعض مباحث السنة وما يتعلق بقوة الأخبار، لكنه ينتقد التوسع في تقسيم المتواتر والآحاد داخل كتب أصول الفقه، لأن جانب الإسناد عنده من عمل المحدثين، بينما وظيفة الأصولي الأساسية النظر في دلالة المتن وكيفية الاستنباط منه. وحتى عند التعارض لا يجعل الترجيح متوقفًا على مجرد تسمية الخبر متواترًا أو آحادًا؛ فقد تتفاوت الأخبار التي في مرتبة واحدة من حيث القوة والثبوت.
ويُحذِّر في باب النسخ من التوسع في دعواه؛ فليس كل تعارض بين دليلين نسخًا، ولا يثبت النسخ مع إمكان الجمع، أو مع ضعف أحد الدليلين، أو مع جهل المتقدم والمتأخر. كما يُفرِّق بين اصطلاح المتقدمين الذين كانوا يطلقون النسخ على مطلق البيان، فيدخل فيه تخصيص العام وتقييد المطلق وبيان المجمل، وبين اصطلاح المتأخرين الذي قصره على رفع الحكم المتقدم بحكم متراخٍ عنه. وينبه إلى أن النسخ بمعناه المتأخر لا يدخل الأخبار؛ لأن نسخ الخبر بعد وقوعه يؤول إلى تكذيبه.
ويَشرح القياس بوصفه تسوية فرع بأصل في الحكم لاتحاد العلة، ويفرق بين القياس الصحيح الذي استكمل أركانه والقياس الفاسد الذي اختل فيه واحد منها. ويَجعل أركانه أربعة: الأصل، والفرع، والعلة، وحكم الأصل، ثم يوضحها بمثال قياس الفأرة على الهرة في الطهارة بعلة الطواف، مؤكدًا أن حقيقة القياس ترجع إلى أن الشريعة لا تفرق بين متماثلين ولا تجمع بين مختلفين من غير موجب.
ويقرر حجية القياس الصحيح، ويَشرح تفاوت الأقيسة قوةً وضعفًا بحسب ظهور العلة في الأصل ووضوح تحققها في الفرع. ثم يميز بين تحقيق المناط وتنقيح المناط وتخريج المناط: فتحقيق المناط يكون عندما تكون العلة معلومة في الأصل ولا يبقى إلا إثبات وجودها في الفرع، وتنقيح المناط يحتاج إلى تحرير العلة أولًا ثم تنزيلها، أما تخريج المناط ففيه استنباط العلل المحتملة والترجيح بينها ثم تطبيق المختار على الفرع.
ومع تقريره حجية القياس يُشدِّد على خطورته؛ لأنه ميدان اجتهاد يكثر فيه الخطأ، فلا يُصار إليه مع وجود دليل أقوى منه. وبذلك لا يعرض القياس كطريق مستقل ينافس النصوص، بل كوسيلة تُستعمل عند الحاجة بعد استنفاد ما هو أصرح وأقوى.
ثم يَشرح عددًا من القواعد الفقهية الكبرى التي ألحقها ابن سعدي بالمتن، مع إبراز علاقتها بالأصول واستقلال مجالها عنها. فيقرر قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، ومنها بقاء ما كان على ما كان، فيبقى الثابت ثابتًا والمنفي منفيًا حتى يقوم دليل ينقل عن الأصل. كما يشرح قاعدة إزالة الضرر، ويقيدها بألا يزال الضرر بمثله أو بما هو أشد منه، أما إزالة الضرر الأكبر بالأخف فمشروعة.
ويُفصِّل قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، ويميز الضرورة من الحاجة، ثم قاعدة سقوط الواجب بالعجز، و«المشقة تجلب التيسير»، والرجوع إلى العرف عند غياب التحديد الشرعي واللغوي. ويجعل العرف معتبرًا فيما ترك الشرع تقديره للناس، مع بقاء الدليل الشرعي حاكمًا عليه لا محكومًا به.
ويَشرح أصلين مهمين في باب العبادات والعادات: الأصل في العبادات المنع حتى يرد دليل مشروعيتها، فلا يتقرب إلى الله عز وجل بعبادة مخترعة، بينما الأصل في العادات والأعيان الإباحة حتى يرد دليل التحريم. وبهذا يضع فارقًا منهجيًّا بين مجال التعبد الذي يحتاج إلى إذن شرعي، ومجال العادات الذي يبقى على أصل الحل.
ويَربط العقود والمعاملات بمقاصد المتعاملين، فيقرر أن كل قول أو فعل دل على مقصود المتعاقدين انعقد به العقد، وأن النيات معتبرة في المعاملات كما هي معتبرة في العبادات. فالألفاظ المحتملة لا ينظر إليها مجردة عن القصد، بل يُرجع في تمييزها إلى النية والسياق وما يدل على مراد صاحبها.
ويُقرِّر أخيرًا أن التعارض يُدفع بالعمل بأقوى المرجحات، سواء أكانت متصلة بالدليل أم منفصلة عنه، وأن الفعل أو الدليل المفضول في أصله قد تعرض له قرينة تجعله أرجح في موضع بعينه؛ فقراءة القرآن أفضل الذكر، لكن إجابة المؤذن تُقدَّم عند الأذان، كما تُترك القراءة في الركوع والسجود مع كون القرآن أفضل من غيره لورود النهي الخاص في هذا الموضع.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














