
نبذة عن الكتاب:
يفضح أبو حامد الغزالي في كتابه «الكشف والتبيين في غرور الخلق أجمعين» وجوه الخداع التي توقع الإنسان في الاطمئنان إلى حاله مع فساد باطنه أو تقصيره في العمل، فيحسب الجهل علمًا، والرجاء أمنًا، والعادة عبادةً، والرياء إخلاصًا، والانشغال بصورة الطاعة قيامًا بحقيقتها. ويقرر منذ المقدمة أن الغرور يتطرق إلى أصناف الخلق على اختلاف أحوالهم، ثم يجعل المغرورين ـ بعد الكلام على الكافرين وعصاة المؤمنين ـ 4 أصناف كبرى: العلماء، وأرباب العبادات والأعمال، وأرباب الأموال، والمتصوفة، ويتتبع داخل كل صنف صورًا دقيقة قد تختفي وراء أعمال تبدو في ظاهرها صالحة.
ويبدأ بغرور الكافر، فيرده إلى صورتين: الاغترار بالحياة الدنيا، والاغترار بالله تعالى. فمن يقدم لذة الدنيا لأنها حاضرة على نعيم الآخرة يحتج بأن النقد خير من النسيئة، وأن الدنيا يقين والآخرة شك؛ فيفك الغزالي هذا القياس ويبين فساده، لأن المقارنة لا تكون بمجرد الحضور والتأخير، بل بمقدار المنفعة ودوامها، والآخرة باقية والدنيا منقطعة. ويجعل علاج هذا الغرور إما بالتصديق والإيمان بما أخبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإما بالنظر الذي يكشف خلل القياس نفسه.
ثم يبين أن بعض المؤمنين يشاركون الكافرين أصل هذا الغرور حين يصدقون بألسنتهم وعقائدهم ثم تستولي عليهم الشهوات ويضيعون العمل. ومن أخطر وجوهه قياس النعمة الدنيوية على رضا الله تعالى عن صاحبها؛ فقد يفسر الإنسان المال والسعة وتأخر العقوبة بأنها دليل محبة، مع أن النعمة قد تكون استدراجًا. ولهذا يجعل منشأ هذا الباب الجهل بالله تعالى وبسننه في الابتلاء والإمهال، وينبه إلى أن حصول الدنيا لا يصلح وحده مقياسًا للكرامة.
ويتوقف بعد ذلك عند غرور عصاة المؤمنين الذين يتكلون على المغفرة ويهملون العمل، فيميز الرجاء الصحيح من التمني. فرجاء الرحمة لا يصح إذا انفصل عن السعي، كما لا تنفع دعوى الاعتماد على صلاح الآباء والأمهات؛ لأن التقوى والعمل تكليف شخصي، ولا يغني صلاح الأصل عن صاحبه. ويضرب لذلك أمثلة بمن يغتر بنسبه إلى الصالحين، وبمن يظن أن حسناته القليلة سترجح على سيئات كثيرة، وبمن يحفظ عدد تسبيحاته واستغفاره ثم يغفل عن غيبته وكذبه وأذى الناس، فيجعل مراقبة اللسان والحقوق مقدمة على الاغترار بكثرة الأذكار.
ويمثل العلماء أول الأصناف الأربعة، ويقسم غرورهم إلى صور كثيرة تبدأ بمن أتقن العلوم الشرعية والعقلية ثم أهمل تزكية نفسه وجوارحه، فظن أن مجرد العلم يرفعه وإن لم يعمل به. ويشبهه بطبيب يعرف الدواء ويصفه للناس لكنه لا يتداوى، ثم يفرق بين العلم الذي يُراد به معرفة الطريق والعلم الذي تتحقق ثمرته بالعمل؛ فالمقصود ليس معرفة تزكية النفس وصفًا، وإنما وقوع التزكية نفسها.
ويأتي بعده العالم الذي أصلح ظاهره وترك قلبه ممتلئًا بالكبر والرياء والحسد وطلب الجاه والثناء، ثم من عرف هذه الأمراض لكنه استبعد أن تكون قائمة فيه، فسمى كبره «عزةً للدين»، وحسده «غضبًا للحق»، وطلبه للشهرة «إفادةً للخلق». ومن أدق ما يختبر به الغزالي صدق هذه الدعاوى أن يسأل: هل يفرح هذا العالم إذا تحقق الخير على يد غيره؟ فإن ضاق بانتفاع الناس بعالم مثله، أو غضب إذا سبق غيره إلى القبول عند السلطان أو العامة، انكشف ما تخفيه العبارات الجميلة من حب الرياسة.
ويتتبع بعد ذلك من جاهد الأخلاق الظاهرة ثم بقيت في قلبه خفايا دقيقة لم يتنبه لها، فيشبهها بجذور الحشيش التي تختبئ تحت الأرض ثم تعود فتفسد الزرع. ثم ينتقد من حصر الفقه في الخصومات والمعاملات والفتاوى وأهمل فقه القلب ومعرفة الله تعالى، ومن جعل الخلاف والمجادلة وإفحام الخصوم غاية للعلم، ومن استغرق في علم الكلام والجدل حتى ظن أن كمال الدين متوقف على كثرة البحث والمناظرة.
ولا يعفي الوعاظ من هذا الميزان؛ فبعضهم يحسن الكلام في الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والزهد والإخلاص، ثم يتوهم أنه قد اتصف بما يحسن وصفه. ويشتد نقده حين يصير الوعظ طريقًا إلى إعجاب الواعظ بنفسه أو حرصه على التفاف الناس حوله، أو حين يستبدل إصلاح القلوب بالسجع والطامات وأشعار الوصال والفراق واستثارة الصيحات والتواجد. ويجعل العلامة الفاصلة أن يكون الوعظ باعثًا على العمل، لا وسيلة إلى الشهرة أو إلى إيهام الناس بأن مجرد التأثر الوجداني قد أغناهم عن التوبة والتغيير.
كما يذكر من أهل العلم من شغلوا أعمارهم بجمع الروايات وعلو الأسانيد وكثرة الشيوخ من غير عناية كافية بفهم الحديث والعمل به، فيرتب المقصود من الحديث على السماع ثم الفهم والحفظ والعمل والنشر. ويلحق بهم من استغرق في دقائق النحو واللغة والشعر حتى جاوز القدر الذي يخدم فهم القرآن والسنة، فصار العلم الآلي عنده غاية مستقلة يستهلك فيها عمره.
ويجعل «أرباب العبادات والأعمال» الصنف الثاني، ويبدأ بمن ترك الفرائض أو ضعف اهتمامه بها وانشغل بالنوافل والدقائق. ومن أبرز أمثلته الموسوس في الطهارة الذي يحتاط في الماء أشد الاحتياط ثم لا يحتاط مثل ذلك في مطعمه وماله، والموسوس في نية الصلاة وتكبيرة الإحرام حتى تفوته الجماعة أو يضيع حضور القلب، ومن ينشغل بتحقيق مخارج الحروف في الفاتحة والأذكار مع الغفلة عن المعاني التي يخاطب بها ربَّه.
ويتناول قارئ القرآن الذي يكثر الختم ولا يتدبر الأمر والنهي ولا يغير سلوكه، والصائم الذي يحفظ نفسه من الطعام والشراب ويطلق لسانه في الغيبة وبطنه في الحرام، فيقرر أن كثرة الصورة الظاهرة لا تجبر تضييع الواجب. ثم ينتقل إلى الآمر بالمعروف الذي يطلب الرياسة لنفسه، وإلى المؤذن أو الإمام الذي يظهر غضبه إذا قام غيره مقامه؛ إذ يكشف شعوره بأن الموضع «حقه» عن نصيب للنفس داخل عبادة يعلن أنها لله تعالى.
ويعرض غرور من جاور مكة أو المدينة فاعتمد على شرف المكان ولم يحفظ حق الجوار في قلبه وجوارحه، ومن زهد في الطعام واللباس والمال ثم بقي حريصًا على الجاه والرياسة. ويؤكد هنا أن الزهد الظاهر قد يكون أيسر من ترك حب المنزلة في قلوب الناس، ولذلك قد يرفض المرء المال لا استغناءً عنه بل خوفًا من أن تسقط صورته بوصفه زاهدًا.
ويختم أصناف العباد بمن يقدم النوافل على الفرائض أو يقدم طاعة مفضولة على ما هو أهم منها، فيجعل حسن ترتيب الأعمال جزءًا من الفقه الذي يخفى فيه الغرور. فالخطأ لا يقع فقط بفعل المعصية، بل قد يقع باختيار خير في وقت كان الواجب فيه خيرًا آخر أولى منه؛ ولهذا يقدم الفرائض على النوافل، وفروض الأعيان على ما دونها، والحق الذي يخشى فواته على ما يتسع وقته.
أما الصنف الثالث فهم أرباب الأموال. فيبدأ بمن يبني المساجد والمدارس والربط من أموال اكتسبها بالظلم والشبهات ثم يظن أن البناء يمحو فساد الكسب، ومن يكتب اسمه على ما بناه طلبًا لبقاء الذكر. ويقرر أن التوبة من المال المحرم تبدأ برد الحقوق إلى أصحابها، وأن زخرفة عمل ظاهر لا تصلح أصلًا فاسدًا.
ثم ينتقل إلى من ينفق من مال حلال لكنه يختار الأعمال التي يظهر بها اسمه ويترك الفقراء المحتاجين في جواره، أو يزخرف المساجد ويشغل المصلين عما بني المسجد لأجله. ويكشف المعيار نفسه في الصدقة؛ فمن لا يحب إخراجها إلا في المحافل، أو إلى فقير يكثر شكره ومدحه، أو يكره إخفاءها، فقد دخل على نيته حظ من طلب الذكر بين الناس.
وفي المقابل ينتقد البخيل الذي يمسك ماله ثم يعوض ذلك بصيام وقيام لا يكلفانه نفقة، مع أن مرضه الحقيقي يحتاج إلى علاج بالبذل. وكذلك من يقتصر على الزكاة ثم يخرج أردأ ماله أو يختار من الفقراء من يخدم مصالحه، فيتحول العمل الذي صورته عبادة إلى وسيلة لاكتساب منفعة بشرية. ويختم هذا الصنف بمن يكتفي بحضور مجالس الذكر وسماع الموعظة ويحسب التأثر والدمع غاية، مؤكدًا أن الوعظ الذي لا يغير صفة في النفس ولا يدفع إلى عمل يصبح حجةً على صاحبه بدل أن يكون سبب نجاة.
ويخصص الصنف الرابع للمتصوفة، ويبدأ بمن تشبه بأهل التصوف في الزي والهيئة والمصطلحات والصوت والحركات والجلوس والسماع، ثم ظن أن مشابهة الظاهر قد أغنته عن مجاهدة النفس وتطهير القلب. ويشتد نقده لمن اتخذ المرقعات الفاخرة والزينة الخاصة صورةً بديلة عن اللباس الفاخر، فصار ترك نوع من الترف انتقالًا إلى نوع آخر منه مع الاحتفاظ باسم الزهد.
ثم يتناول من ادعى المكاشفة والوصول والقرب، واستعمل ألفاظًا غامضة يتعالى بها على العلماء والمحدثين والعباد، من غير أن يكون قد أحكم علمًا أو هذب خلقًا أو راقب قلبًا. ويتبع ذلك بمن أحسن بعض الأعمال لكنه ادعى مقامات الزهد والتوكل والرضا والمحبة قبل معرفة حقيقتها وشروطها، فيختبر دعوى المحبة بموافقة أمر الله تعالى، ودعوى التوكل بترك البدع والمخاطرة التي لم يعرفها طريق السلف.
ويذكر كذلك من بالغ في تحري الحلال في الطعام وأهمل بقية القلب والجوارح، ومن جعل خدمة الصوفية وجمعهم بابًا للشهرة وتكثير الأتباع، ولو كان المال الذي ينفقه عليهم من شبهة أو حرام. ثم ينتقد من حوّل البحث عن عيوب النفس إلى علم يتكلم فيه بلا نهاية حتى صار مشغولًا بالنفس عن خالقها، ويشبهه بمن يقضي عمره في دراسة عوائق الحج من غير أن يسلك طريق الحج.
وفي أدق مراتب السلوك يصور الغرور الذي يعرض لمن بدأ يجد آثار المعرفة؛ فقد يتعلق السالك بما ينكشف له من أحوال وأنوار ويقف عند لذتها وإعجابه بتميزه عن غيره، فيفوته المقصد. ومن تجاوز ذلك قد يقارب منزلة عالية ثم يتوهم أنه وصل، فيقف قبل الغاية. ولهذا يقرر أن غوائل الطريق لا تنحصر في المعاصي الظاهرة، بل قد تنشأ في قلب طالب القرب نفسه حين يعجب بحاله أو بما فتح له.
ويكشف «الكشف والتبيين في غرور الخلق أجمعين» بهذا عن أصل واحد تتشعب منه صور الغرور كلها: أن يكتفي الإنسان بعلامة الطريق ويحسبها نهاية الطريق. فالعالِم يغتر بالمعرفة إذا لم يعمل، والعابد بالصورة إذا غفل عن القلب وترتيب الواجبات، وصاحب المال بالإنفاق إذا أفسده الكسب أو الرياء، والمتصوف بالهيئة والمقام المدعى إذا لم يحقق المجاهدة والإخلاص. ولهذا لا يقيس الغزالي النجاة بكثرة ما يراه الناس من العلم والعبادة والصدقة والزهد، بل بما أحدثته هذه الأعمال في القلب والجوارح من إخلاص واستقامة وطاعة، وبقدرة الإنسان على اكتشاف نصيب نفسه المختبئ حتى داخل الأعمال التي يظنها خالصة لله تعالى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














