
نبذة عن الكتاب:
يَبحث محمد بن علي الشوكاني في كتاب «القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد» حكمَ التقليد وأدلته، ويُناقش الحجج التي استند إليها القائلون بجوازه، ويُفرِّق بين التقليد وبين سؤال العالم عن الدليل واتباع ما ثبت من القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم يَتتبَّع آثار التعصب للمذاهب في العلم والفتوى والقضاء. وقد ألَّف الرسالة استجابةً لطلب أحد أهل العلم أن يجمع له بحثًا يحقق حكم التقليد على طريقة المناظرة؛ ولذلك يبدأ مباشرةً بعرض أدلة القائلين بجواز التقليد، ثم يَتناول كل دليل بالنقد والمناقشة، ويُقابله بالأدلة الداعية إلى اتباع الحجة وترك الالتزام بآراء الرجال من غير معرفة مستندها.
ويَجعل موضع النزاع محددًا من البداية؛ فالتقليد الذي يَرد عليه هو قبول رأي العالم من غير معرفة حجته، لا قبول خبره وروايته عن القرآن الكريم أو سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا يُفرِّق بين «الاتباع» و«التقليد»: فالاتباع مبني على حجة تبيَّنت للمتبع، أما التقليد فهو الأخذ بقول القائل من غير معرفة وجه قوله ودليله، ثم الالتزام به ولو ظهر ما يخالفه. ويَنقل في تأكيد هذا الفرق عن أهل العلم أن أصول العلم هي الكتاب والسنة، وأن من قال بشيء تقليدًا من غير أن يتبينه لم يبلغ به مرتبة العلم.
ويُطبِّق هذا الفرق على عدد من الصور التي يستدل بها مجوزو التقليد، فيرفض عدَّ قبول الرواية من التقليد؛ فقبول خبر الصحابي رضي الله عنه أو الراوي عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبولٌ للدليل المنقول، لا قبولٌ لرأي شخص مجرد عن الحجة. وكذلك قبول قول المؤذن في دخول الوقت، وإخبار المرأة بطهرها، وإخبار العارف بجهة القبلة، وقبول شهادة الشاهد والجرح والتعديل، كلها عنده من باب الأخبار والرواية عما أدركه المخبر، فلا يصح أن تُجعل دليلًا على جواز اتباع رأي العالم من غير حجة.
ويَناقش الاستدلال بقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فلا يَجعل الأمر بالسؤال إذنًا بقبول مجرد الرأي، بل يجعل السؤال المشروع طريقًا إلى معرفة الحجة الشرعية. فالعالم يُخبر السائل بما ثبت في الشريعة، ويكون في هذا بمنزلة الراوي، والسائل مستفيدًا للدليل عنه. وعلى هذا تكون الآية عنده دليلًا على سؤال أهل العلم واتباع ما يبينونه من الحجة، لا على تعليق الدين بقول شخص من غير مطالبة ببرهان.
ويُناقش أيضًا الاستدلال بقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}؛ فسواء حُمل «أولو الأمر» على العلماء أو الأمراء أو عليهما معًا، فإن طاعتهم لا تكون مستقلة عن طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما تكون فيما وافق الشريعة. كما يَستدل بأن العلماء أنفسهم أرشدوا الناس إلى تقديم النصوص على أقوالهم، فلا يمكن اتخاذ الأمر بطاعتهم حجةً على ترك ما نهوا عنه من التعصب لأقوالهم.
ويَعرض احتجاج القائلين بالتقليد بما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم من رجوع بعضهم إلى بعض، ويَفرِّق بين رجوعهم إلى الرواية وبين تقليد الرأي. فالصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا ظهرت لهم السنة تركوا ما خالفها من الاجتهاد، وكان رجوع بعضهم إلى بعض كثيرًا ما يكون لأن أحدهم أعلم بحديث أو واقعة شهدها، لا لأنه صار ملزمًا بقول صاحبه في جميع المسائل. ولذلك لا يرى في موافقة صحابي رضي الله عنه لصحابي آخر دليلًا على التمذهب برجل وقبول آرائه بلا مطالبة بالدليل.
ويَتناول حجةً أخرى مؤداها أن منع التقليد يؤدي إلى إيجاب الاجتهاد على جميع الناس، وهو تكليف بما لا يطاق وتعطيل للمعايش والصنائع؛ لأن أكثر الناس لا يملكون القدرة على تحصيل علوم الاجتهاد. ولا يَسلِّم بأن البديل عن التقليد هو أن يصبح كل فرد مجتهدًا مطلقًا؛ بل يمكن لمن لا يعرف الحكم أن يسأل أهل العلم عنه، فيُعرِّفونه بما ثبت في الشريعة، فيعمل بما بلغه عن طريقهم. فالمطلوب عنده من العامي ليس تعلم جميع علوم الاجتهاد، وإنما ألا يجعل شخصًا معينًا مصدرًا ملزمًا للدين من غير نظر إلى الحجة التي ينقلها.
ولهذا يَعتني بالفصل بين العامي الذي لا يشتغل بالعلم، ومن له قدر من التمييز، ومن انصرف إلى حفظ كتب مذهب بعينه. فالعامي قد يعمل بما يراه أهل بلده ويسأل العلماء عن عباداته ومعاملاته من غير أن يتعصب لمذهب معين، وهذا أخف عنده من حال من يكتسب قدرًا من العلم المذهبي ثم يحصر الحق في محفوظاته ويخاصم أهل الاجتهاد. ويُحذِّر بصفة خاصة من تحول الدراسة المذهبية إلى عصبية تمنع صاحبها من الالتفات إلى الكتاب والسنة أو قبول الدليل المخالف لما اعتاده.
ويُشدِّد في نقد التزام مذهب شخص بعينه على وجه لا يُترك شيء من أقواله، ويربط ذلك بما نشأ بين أصحاب المذاهب من التنازع والتعصب، حتى صار كل فريق يَحصر الصواب في إمامه ويَضعف استعداده لقبول قول غيره. ولا يوجه نقده إلى الأئمة أنفسهم؛ بل يستدل بكلامهم على بطلان هذا المسلك، ويَنقل أن أئمة المذاهب الأربعة قدَّموا النصوص على آرائهم ونهوا عن تقليدهم تقليدًا يحول دون اتباع الدليل.
ويَستشهد في ذلك بما نُقل عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم من الدعوة إلى ترك أقوالهم عند مخالفة السنة، ويَخص الشافعي بما نقله المزني في صدر مختصره من إعلام القارئ بنهي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره، حتى ينظر المرء لدينه ويحتاط لنفسه. ويَجعل هذه النصوص حجةً على من يزعم الوفاء للإمام ثم يخالف وصيته نفسها في مسألة التقليد.
كما يَستدل بالآيات التي تذم اتباع الآباء والسادة والكبراء مع ظهور الحق، ويَجعل مناط الذم فيها تقديم المتبوع على الحجة، لا مجرد كونها نزلت في الكفار؛ لأن العبرة بعموم اللفظ وبالعلة التي وقع بسببها الذم. ومن هنا يَستخدمها في التحذير من كل اتباع يمنع صاحبه من الرجوع إلى الدليل إذا ظهر له، ويَعزز ذلك بآثار عن الصحابة رضي الله عنهم في النهي عن تعليق الدين بالأشخاص والآراء.
ويَخص الرأي بمناقشة واسعة، فيَنقل عن السلف التحذير من تقديمه على النص، ويُفرِّق بين الاجتهاد الذي يَبذل فيه العالم وسعه عند عدم النص أو خفاء دلالته، وبين جعل الرأي الموروث أصلًا يُعارض به الكتاب والسنة. فالمجتهد الذي أخطأ بعد بذل وسعه معذور وله أجر اجتهاده، أما من يَتبعه في الخطأ من غير أن يكون عنده دليل على ذلك فلا يلحقه بمجرد التقليد حكم المجتهد؛ لأن عذر الأول قائم على قيامه بما كُلِّف به من النظر، وليس في ذلك ترخيص للآخر أن يتخذ كل اجتهاد يصدر عن الإمام حكمًا لازمًا له.
ويَناقش من داخل بنية التقليد نفسها مسألةَ جوازه، فيسأل المقلد: هل عرف جواز التقليد بتقليد أم باجتهاد؟ فإن عرفه بتقليد فقد قلد في مسألة أصولية مع أن التقليد في الأصول ممنوع عند القائلين به في الفروع، وإن عرف جوازه باجتهاد فقد ثبتت له قدرة على النظر، فلا يصح أن يجعل العجز عن الاجتهاد أصلًا دائمًا لنفسه. ويَستعمل هذا الإلزام ليُظهر أن التقليد المطلق لا يستطيع تأسيس مشروعيته من داخله من غير رجوع إلى دليل خارج أقوال المقلَّدين.
ويَربط بذلك مسألة تبعض الاجتهاد، ويصرح بأن الاجتهاد ملكة تحصل للنفس بالإحاطة بالمعارف المعتبرة فيه، ولذلك يَرفض في هذا الكتاب تجزئة الاجتهاد على الصورة التي تجعل المرء مجتهدًا في مسألة أصولية دقيقة ثم يعلن عجزه المطلق عن النظر في مسائل الفروع. فإذا استطاع الباحث أن يحقق مسائل أصولية معقدة كحكم التقليد نفسه أو إمكان تجزؤ الاجتهاد، فإن طريقه إلى تنمية أدوات النظر في الفروع أقرب من بقائه ملتزمًا التقليد.
ولا يَجعل مجرد سؤال العالم أمرًا مذمومًا؛ بل يأمر من لا يدري أن يسأل من يثق بدينه وعلمه وإنصافه. والفارق أن السؤال عنده ينبغي أن يكون طلبًا لمعرفة حكم الشريعة ودليلها، لا سؤالًا عما يراه شخص ثم قبول رأيه لذاته. وحتى إذا أخطأ العالم المسؤول فأفتى بحديث ضعيف أو بنص منسوخ بعد بذل جهده، فإن السائل الذي قصده ليستفتيه عن الكتاب والسنة يكون قد فعل ما يستطيع، بخلاف من ألزم نفسه جميع آراء إمام مع اعترافه بأن المجتهد بشر يخطئ ويصيب.
ويُفرِّق في هذا السياق بين سؤال العالم عن حكم الله تعالى وبين سؤاله عن مذهب فقيه بعينه؛ فمن أراد معرفة ما قاله أبو حنيفة أو مالك أو الشافعي أو غيرهم جاز لمن يحفظ المذهب أن ينقل له القول بوصفه روايةً عن صاحبه، أما أن يُقدَّم هذا المنقول جوابًا عن حكم الله تعالى من غير معرفة دليله فذلك هو موضع اعتراض الشوكاني. ويظهر هذا التفريق بصورة أوضح في آخر الكتاب عند كلامه على الفتوى.
ويُهاجم التعصب المذهبي لما يُحدثه من تقديم الانتماء على الحجة ومن الخصومة بين أهل العلم، ويصف آثارًا عاصرها من التشديد على من ينتسب إلى الاجتهاد والأخذ المباشر من الكتاب والسنة. والمقصود العلمي في هذه المواضع أن المذهب عنده لا ينبغي أن يتحول من وسيلة للتعلم وضبط الفقه إلى ميزان يُحاكم به النص أو يُذم من خالفه بدليل.
ويُفرِّق كذلك بين تقليد العالم في مسألة عجز المجتهد مؤقتًا عن استكمال النظر فيها وبين التقليد الدائم لشخص في جميع مسائل الدين؛ فالأول قد يُبحث باعتباره حالة مخصوصة عند ضيق الوقت وعدم القدرة على الاجتهاد في النازلة، أما الثاني فهو الذي ينصب عليه نقد الكتاب: أن يُقبَل رأي عالم من غير مطالبة بالحجة، ويُترك النظر في الكتاب والسنة، ويُلتزم قوله في جميع المختلفات.
ثم يَنقل النقاش من دائرة الفرد إلى وظيفة العالم العامة، فيُحذِّر المقلد من التصدر للفتوى والقضاء وهو لا يعرف أدلة الأحكام التي يحكم بها. فالخطر في التقليد يشتد عنده إذا تجاوز صاحبه شؤونه الخاصة إلى الدماء والأموال والحقوق والحلال والحرام؛ لأن القضاء والفتوى إخبار عن حكم الشريعة أو إلزام به، ولا يكفي فيهما مجرد معرفة أن فقيهًا متقدمًا قال قولًا ما من غير القدرة على معرفة مستنده ووجه ثبوته.
ويُطيل في القاضي المقلد خاصة، فيجعل القضاء وظيفةً لا يستحقها من يحكم بين الناس وهو لا يدري أحقٌّ ما ينقله أم باطل، ويَربط ذلك بالنصوص الآمرة بالحكم بما أنزل الله تعالى وبالحق والعدل. كما يُنبِّه إلى خطورة أن تتحول المناصب القضائية إلى وسيلة لتثبيت التقليد، أو أن تعتمد الأحكام في الدماء والأموال على نقل مذهبي لا يملك القاضي القدرة على تقويم دليله.
أما المفتي المقلد فيُفرِّق فيه تفريقًا دقيقًا: فلا يجيز له أن يجيب من سأله سؤالًا مطلقًا عن حكم الله تعالى، أو حكم رسوله صلى الله عليه وسلم، أو الحلال والحرام والثابت في الشريعة، لأنه لا يستطيع على التحقيق معرفة ذلك بمجرد التقليد. لكنه يجيز له أن يَنقل مذهب عالم إذا كان السؤال نفسه عن قول ذلك العالم وكان الناقل ضابطًا لمذهبه؛ فهذا إخبار عن مذهب، لا فتوى مستقلة بحكم الشرع. وإذا نقل المجتهد قولًا مذهبيًّا مخالفًا للدليل مع علمه بذلك، فعليه أن يُبيِّن أن الصواب في غيره حتى لا يفهم السائل من مجرد النقل أن ذلك القول هو الحكم الراجح في الشريعة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














