
نبذة عن الكتاب:
يَجمع أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي في كتاب «الفقيه والمتفقه» بين بيان منزلة الفقه والعلم، وتأصيل طرائق الاستنباط والاجتهاد، وشرح ما يحتاج إليه الفقيه من أدلة وقواعد، وتقويم الرأي والقياس، ووضع جملة واسعة من الآداب التي تضبط علاقة العالم بالعلم والمتعلم والسائل والمجتمع. وقد صرَّح في مقدمته بأنه سيذكر أصول الفقه، وتثبيت الحجج، ومحمود الرأي ومذمومه، وكيفية الاجتهاد وترتيب أدلته، وما ينبغي أن يتخلق به الفقيه والمتفقه من الهدى والوقار والخشوع والإخبات في التعلم والتعليم، وما يلزم المجتهد والمسترشد ويُستحب لهما أو يُكره منهما. ومن ثم لا يقتصر الكتاب على آداب الطلب، بل يَصل تكوين الفقيه العلمي بتكوينه الخُلقي والعملي.
ويَفتتح الخطيب بفضل التفقه في الدين والحث عليه، ويَسوق في ذلك الأحاديث والآثار بأسانيده، ثم يَنتقل إلى فضل مجالس الفقه والتعلم والتعليم، وإلى منزلة العلماء في حفظ الشريعة وإرشاد الناس في النوازل. ويَجعل التفقه وظيفةً تحفظ بها أحكام الدين كما يُحفظ المجتمع بالجهاد؛ فالحاجة إلى من يتعلم الأحكام ويستنبطها ويُرجع إليه عند الحوادث لا تنقطع. وتَظهر طريقته الحديثية في هذا القسم بوضوح؛ فهو لا يَذكر المعاني مجردةً، بل يَجمع طرق الأحاديث، ويَنبه أحيانًا إلى اختلاف الرواية أو الخطأ في اسم راوٍ، كما فعل في بعض طرق خبر المفاضلة بين مجلس العلم ومجلس الذكر.
ويَفصل بين مجرد رواية الحديث وبين فقهه وفهم معانيه؛ فالمقصود من العلم ليس حمل النصوص وحفظ ألفاظها وحده، بل التبصر في دلالاتها واستخراج ما خفي من أحكامها. ويَنقل في هذا المعنى الحث على فهم «فقه الحديث»، ثم يَقرر في موضع آخر ضرورة إنعام النظر في الآثار والسنن، والتفتيش عن معانيها، والفكر في غوامضها، واستنباط ما خفي منها. وهكذا يَربط بين الرواية والدراية، فلا يستغني الفقيه عن السنة، ولا يكفيه حفظها من غير ملكة تفهم وجه دلالتها وتنزيلها على الوقائع.
ويَعرض جملةً من مباحث أصول الفقه التي يحتاج إليها المجتهد، فيَبحث البيان وأقسامه، ويَجعل البيان واقعًا بالقول، ومفهوم القول، والفعل، والإقرار، والإشارة، والكتابة، والقياس. ويَتناول السنة بوصفها ما شرعه النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأمته مما يلزم اتباعه، ويَبين علاقتها بالقرآن الكريم وكونها مفسرةً له، ثم يَبحث النسخ ووجوه وقوعه بين الأدلة، وما يُعرف به المتقدم والمتأخر. ولا يَعرض هذه الأبواب على طريقة المصنفات الأصولية المطولة التي تستقصي جميع دقائق المصطلح، وإنما يَختار منها ما يخدم تكوين الفقيه وطريقة استدلاله.
ويُبيِّن مراتب الأدلة وطريق الرجوع إليها عند النوازل؛ فيكون البدء بالكتاب، ثم السنة، ثم ما يثبت من إجماع، ثم الاجتهاد والقياس عند عدم النص القاطع في الواقعة. ويَربط القياس بالاجتهاد ربطًا صريحًا، فلا يَجعله رأيًا منفصلًا عن الاستدلال الشرعي، بل أحد وجوه الاجتهاد الذي يَرُد الحادثة إلى نظيرها ويَطلب الحكم بالمعنى الجامع. ويَستشهد بما نُقل عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين في الحكم بالرأي عند فقد النص، ومن ذلك ما يرويه عن أبي بكر رضي الله عنه في مسألة الكلالة حين صرَّح بأنه يقول فيها برأيه مع احتمال الخطأ.
ويُفصِّل في حكم الاجتهاد والخطأ فيه، فيُثبت للمجتهد المصيب أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، ويَجعل للمخطئ أجر بذله وسعه مع العفو عن خطئه؛ لأن الخطأ لم يكن مقصودًا. ويَنص على أن القياس داخل في جملة الاجتهاد، رادًّا على من حصر الاجتهاد في تأويل الألفاظ وربط بعضها ببعض. ولا يؤدي هذا عنده إلى تسوية الأقوال كلها أو إباحة الكلام لمن لم تحصل له آلة النظر، بل يبقى الاجتهاد مرتبةً لها شروطها، لا مجرد قدرة على إبداء رأي في الحكم.
وفي مقابل الرأي المحمود يَجمع الخطيب الآثار الواردة في ذم الرأي الذي يعارض السنة أو يتكلف القول في الدين بغير أصل، ويُظهر أن إنكار السلف لبعض «الرأي» لا يعني إبطال الاجتهاد والقياس المشروع؛ فالكتاب نفسه يثبت القياس ويورد عمل الصحابة رضي الله عنهم به، وإنما المذموم هو الرأي المنفصل عن النصوص والأصول أو الذي يُقدَّم على السنة الثابتة. ولهذا يَنقل التشديد في معارضة السنة بالرأي، وفي الوقت نفسه يخصص أبوابًا للحكم بالاجتهاد وطريق القياس.
ويَعتني بأهلية الفتوى عناية كبيرة، فلا يَجعل كل طالب علم أو حافظٍ للنصوص صالحًا لأن يتصدر لها. ويَورد ما يدل على أن من لم يكن من أهل الفتوى ينبغي أن يُمنع من التعرض لها، وأن من كان أهلًا لها يُقر عليها، مستحضرًا ما عُرف من تنظيم الفتوى واختيار من يُرجع إليهم في المواسم والمواضع التي يكثر فيها السؤال. فالفتوى عنده وظيفة علمية لها أهل، وليست بابًا مفتوحًا لكل من استطاع نقل قول أو رواية.
ويُفرد جانبًا واسعًا لتكوين الفقيه نفسه؛ فيؤكد إخلاص النية، والتواضع لله تعالى، والعمل بالعلم، والحذر من الشهرة والعجب والكبر، وحفظ اللسان من القول فيما لا يعلم. ويُطالب العالم بالحلم والتثبت، وألا يعجل إلى الجواب أو يدخل مناظرةً فيما لا يفهمه، لأن اندفاعه إلى الكلام قبل تحقق العلم قد يوقعه في الخطأ ويذهب بهيبته العلمية. ويَنقل في التواضع آثارًا شديدة الدلالة على أن زيادة العلم ينبغي أن تزيد صاحبه خضوعًا لا تعاظمًا.
ويَتناول آداب العالم مع أصحابه وطلابه؛ فيحث على الرفق بهم وإكرامهم وخدمتهم وحسن استقبالهم، ويَنقل الوصية بطلاب الفقه القادمين من الآفاق. ولا يجعل هيبة العالم مانعةً من حسن معاشرته للمتعلمين؛ بل يذكر أن خدمته أصحابه بنفسه مما يُصفِّي المودة ويُلقي محبته في قلوبهم. وفي الوقت نفسه يطالب الجالسين إليه بالوقار والصمت وحسن الاستماع وعدم التشويش على المجلس.
ويَضع للمتعلم آدابًا عمليةً في السؤال؛ فلا يَمنعه الحياء من الاستفهام عما يحتاج إليه، ولا يُستهزأ بسؤال جاهل أقبل يطلب البيان، لكن عليه أن يُحسن اختيار الوقت والعبارة، وألا يتقدم بين يدي العالم فيما ليس من شأنه. كما يَنهى المتعلمين عن المبادرة إلى الرد على مخطئ بحضرة الشيخ ما دام العالم حاضرًا قادرًا على بيان الصواب، ويَربط ذلك بحفظ نظام المجلس وحق الأستاذ. ويَنقل من أخبار مجالس العلماء ما يدل على إفساح المجال للنابه من صغار السن إذا ظهر فهمه، فلا يكون صغر السن وحده مانعًا من المشاركة العلمية.
ويَعالج كذلك طريقة ترتيب التعليم؛ فيُراعي البدء بالأهم فالأهم، والتدرج بالمتعلم، وعدم تحميله من العلم دفعةً ما يعجز عن حفظه وفهمه. ويَدخل في ذلك الاقتصاد في الطلب ومداومة التحصيل من غير انقطاع ولا إرهاق يفضي إلى الملل، والعناية بالحفظ مع الفهم، وتكرار المسائل ومذاكرتها. فالغاية ليست كثرة ما يُسمع في مجلس واحد، بل رسوخ العلم بحيث يستطيع صاحبه أن يفقه النص ويستنبط منه ويرد الفروع إلى أصولها.
ويَعتني بالمذاكرة والمناظرة بوصفهما وسيلتين لتقوية الفقه إذا التزم صاحبهما طلب الحق؛ فيَورد ما يدل على سؤال العلماء بعضهم بعضًا واختبار الفقهاء والقضاة في المسائل، كما يروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ساءل القراء واحدًا واحدًا حتى اختبر شريحًا في القضاء. لكن المناظرة تفقد فائدتها إذا صارت طلبًا للغلبة أو كلامًا فيما لا يحسنه المناظر؛ ولذلك تلتقي عنده صناعة الحجة مع الأدب، فلا قيمة لقوة العبارة إذا لم تكن مسبوقةً بالفهم والتحقيق.
ويُكثِّف في القسم المتعلق بالتفقه التطبيقي عنايته بفهم الفروق بين الوقائع وعدم الاكتفاء بالتشابه الظاهر؛ فالفقيه مطالب بالنظر في الآثار والسنن واستخراج ما خفي من معانيها، ومطالبة المسألة بوجه الفرق بين نظائرها. ولهذا لا يتكون الفقيه بحفظ الأجوبة، بل بالتدرب على معرفة لماذا اختلف الحكم بين مسألتين، وأين يقع المعنى المؤثر، وكيف يُبنى الفرع على الأصل. وهذا المعنى هو الذي يجعل «الفقيه والمتفقه» كتابًا في صناعة الفقيه نفسها بقدر ما هو كتاب في فضائل العلم وآدابه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














