
نبذة عن الكتاب:
يتتبَّع محمَّد عجَّاج الخطيب في هذا الكتاب تاريخ السُّنَّة النَّبويَّة في المرحلة السَّابقة للتَّدوين والتَّصنيف المشهور في مطلع القرن الهجري الثَّاني، ويبحث كيف تلقَّاها المسلمون وحفظوها ورووها وكتبوها ونشروها منذ عهد النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ في عصري الصَّحابة والتَّابعين رضي الله عنهم، وما اتَّخذوه من وسائل للتَّثبُّت من الأخبار وصيانتها. ويجعل من مقاصد بحثه مناقشة الدَّعوى القائلة إنَّ السُّنَّة أُهملت نحو قرنين قبل أن تُجمع، مبيِّنًا أنَّ الكتابة والتَّدوين الجزئيَّ للسُّنَّة سبقا مرحلة التَّدوين الرَّسمي والتَّصنيف العام، وأنَّ انتقال الحديث اعتمد في تلك الحقبة على الحفظ والكتابة والرِّواية والنَّشاط العلمي المتَّصل.
ويمهِّد لذلك بتحديد معنى السُّنَّة لغةً واصطلاحًا، ويفرِّق بين مدلولها عند المحدِّثين والأصوليِّين والفقهاء؛ فالمحدِّثون يدخلون فيها ما أُثر عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من قولٍ وفعلٍ وتقريرٍ وصفةٍ وسيرة، بينما ينظر الأصوليُّون إليها من جهة صلاحيَّتها للاستدلال على الأحكام الشَّرعيَّة، ويستعملها الفقهاء في معنى ما ثبت عنه صلَّى الله عليه وسلَّم من غير الفرض والواجب، وقد يستعملونها في مقابلة البدعة. ويحدِّد المؤلِّف مراده في الكتاب بالسُّنَّة في اصطلاح المحدِّثين، حيث ترادف الحديث عند جمهورهم، ثمَّ يشرح موضوعها ومكانتها من القرآن الكريم، وما تؤدِّيه من بيان مجمله، وتخصيص عامِّه، وتقييد مطلقه، وتوضيح أحكامه وتطبيقها.
ويبحث السُّنَّة في العهد النَّبوي من خلال شخصيَّة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بوصفه معلِّمًا ومربِّيًا ومبلِّغًا، فيعرض موقفه من العلم والحثِّ على طلبه، ومنهجه في تعليم أصحابه رضي الله عنهم وتدرُّجه بهم ومراعاته أحوالهم وقدراتهم، واستعماله السُّؤال والحوار والتَّكرار وضرب الأمثال والتَّطبيق العملي في التَّعليم. كما يتتبَّع مجالسه العلميَّة وتعليمه في المسجد وفي المناسبات المختلفة، وما أدَّاه اختلاف مجالس الصَّحابة وأعمالهم وأسفارهم من تفاوت ما يحفظه كلُّ واحدٍ منهم من السُّنَّة.
ويتناول كذلك طرائق تلقِّي الصَّحابة رضي الله عنهم الحديث عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيبيِّن اعتمادهم على الحفظ والمذاكرة والعمل بما يتعلَّمونه، وما ساعدهم على قوَّة الحفظ من صفاء أذهانهم واعتيادهم حفظ الأشعار والأنساب والأخبار. ولا يحصر نقل السُّنَّة في المشافهة، بل يثبت وجود الكتابة في حياته صلَّى الله عليه وسلَّم، ويعرض صورًا من كتبه ورسائله ووثائقه وما كتبه بعض أصحابه، رابطًا بين الحفظ والكتابة بوصفهما وسيلتين متكاملتين أسهمتا في نقل الحديث منذ المرحلة الأولى.
وينتقل إلى السُّنَّة في عصر الصَّحابة والتَّابعين، فيدرس تمسُّكهم بما ثبت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورجوعهم إليه في الأحكام والوقائع، ويشرح احتياطهم وورعهم في الرِّواية وتقليل بعضهم منها خشية الخطأ أو النِّسيان أو نسبة ما لم يقله النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليه. ويؤكِّد أنَّ هذا الاحتياط لا يدلُّ على إعراضهم عن الحديث، بل يعدُّه مظهرًا من مظاهر المحافظة عليه، مستدلًّا برجوعهم إلى الخبر وقبولهم إيَّاه متى ثبت لديهم.
ويفصِّل وسائل التَّثبُّت في قبول الحديث، وما ورد عن بعض الصَّحابة رضي الله عنهم من طلب شاهدٍ أو يمينٍ أو الاستيثاق من الرَّاوي في وقائع معيَّنة، ويناقش دلالة هذه الأخبار لئلَّا تُفهم على أنَّهم اشترطوا دائمًا تعدُّد الرُّواة. ويقرِّر أنَّ الأصل عندهم قبول خبر العدل متى استوفى شروط التَّحمُّل والأداء، وأنَّ ما وقع من زيادة التَّحرِّي في بعض الأحوال كان مرتبطًا بملابسات مخصوصة وبشدَّة حرصهم على صيانة الحديث.
ويعالج مسألة رواية الحديث باللَّفظ أو بالمعنى، فيعرض حرص الصَّحابة والتَّابعين ومن بعدهم على أداء ألفاظ الحديث كما سمعوها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وما كان يصيب بعضهم من الهيبة عند التَّحديث خشية الخطأ في لفظ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. ثمَّ يبيِّن أنَّ طائفةً من العلماء أجازت للعالم بمدلولات الألفاظ وأحكامها أن يروي بالمعنى عند تعذُّر استحضار اللَّفظ، مع منع ذلك عمَّن لا يملك القدرة العلميَّة التي تحول دون تغيير المعنى أو الحكم، ويناقش الاعتراض القائل إنَّ الرِّواية بالمعنى أفسدت الحديث أو غيَّرت أحكامه.
ويتتبَّع بعد ذلك النَّشاط العلمي في عصر الصَّحابة والتَّابعين، وانتقال العلم من المدينة ومكَّة إلى الأمصار التي استقرَّ فيها الصَّحابة رضي الله عنهم وتلاميذهم، وتكوُّن مراكز للرِّواية والعلم في الحجاز والعراق والشَّام ومصر وغيرها. ويربط انتشار الحديث بتفرُّق حملته في البلاد، وكثرة التَّلاميذ، وحلقات العلم، والمذاكرة، والسُّؤال والفتوى، ثمَّ يفرد للرحلة في طلب الحديث جانبًا يبيِّن فيه انتقال المحدِّثين من بلدٍ إلى آخر من أجل سماع حديثٍ أو التَّثبُّت منه أو لقاء راويه، ويعدُّ هذه الرِّحلات مظهرًا من مظاهر العناية المبكِّرة بالسُّنَّة واتِّساع حركتها العلميَّة.
ويخصِّص بابًا للوضع في الحديث، فيبحث زمن ظهوره والأسباب التي أدَّت إليه، ويربط بدايات اتِّساعه بالفتن والانقسامات السِّياسيَّة والمذهبيَّة التي عرفها المجتمع الإسلامي. ويعرض أثر التَّعصُّب السِّياسي والمذهبي والقبلي والإقليمي، ودور بعض الزَّنادقة والقصَّاص والجهَّال، والوضع بقصد التَّرغيب في الخير، والتَّقرُّب إلى الحكَّام وأصحاب السُّلطة، وغير ذلك من الدَّوافع التي أدَّت إلى اختلاق الأخبار ونسبتها إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، مع مناقشة الأخبار التي ينسب إليها المؤلِّف وقوع الوضع لدى بعض الفرق وعدم ثبوته عند فرقٍ أخرى.
ويعرض في مقابل ذلك جهود المحدِّثين في مقاومة الوضع، فيشرح تشديدهم في طلب الإسناد والسُّؤال عن الرِّجال، وتمييزهم الثِّقات من الضُّعفاء والكذَّابين، وتتبعهم أحوال الرُّواة ومروياتهم، ومقارنتهم الأسانيد والمتون، وما نشأ عن ذلك من علوم الجرح والتَّعديل والرِّجال والعلل. كما يتناول العلامات التي استعملها النُّقَّاد للكشف عن الحديث الموضوع في الإسناد والمتن، ومنها اعتراف الواضع، وما يتعلَّق بحال الرَّاوي وإمكان لقائه بمن يروي عنه، والقرائن الدَّالَّة على فساد الخبر، وركاكة بعض المتون أو فساد معانيها ومخالفتها لما تقرَّر من أصول.
ويناقش في هذا السِّياق آراء عددٍ من المستشرقين والباحثين الذين تناولوا تاريخ الحديث بالنَّقد، ولا سيَّما جولدتسيهر، كما يناقش بعض ما قرَّره غاستون ويت وأحمد أمين. ويرفض تفسير السُّنَّة على أنَّها حصيلة تطوُّر المجتمع الإسلامي وصراعات الأجيال والمذاهب بعد عصر النُّبوَّة، وينقد الزَّعم بأنَّ الفقهاء وأئمَّة المذاهب اختلقوا الأحاديث لتأييد آرائهم. ويستند في ردِّه إلى الشَّواهد التي جمعها على وجود الحديث وحفظه وروايته وكتابته منذ العهد النَّبوي، وإلى نشأة قواعد نقد الرِّجال والأسانيد والمتون ومقاومة الكذب في وقتٍ مبكِّر.
ويستكمل بحث الوضع بعرض جانبٍ من التُّراث الذي نشأ لخدمة نقد الحديث، فيتتبَّع أشهر المصنَّفات في الرِّجال والضُّعفاء والثِّقات والموضوعات، ويجعل ظهور هذه العلوم والكتب ثمرةً للعمل النَّقدي الذي قام به المحدِّثون لحماية السُّنَّة. ويبيِّن أنَّ نقد الخبر لم يكن منصبًّا على الإسناد وحده، بل تناول المتن أيضًا، وأنَّ تراكم المعرفة بأحوال الرُّواة وطرائقهم وشيوخهم وتلاميذهم ومروياتهم أتاح للنُّقَّاد موازنة الأخبار والكشف عن صور الخطأ والوهم والوضع.
ويفرد بابًا مركزيًّا للسُّؤال عن زمن تدوين الحديث، فيبدأ بدراسة معرفة العرب بالكتابة قبل الإسلام ووجود الكتَّاب في المجتمع العربي، لينفي أن يكون تأخُّر التَّدوين العام راجعًا إلى الجهل بالقراءة والكتابة. ثمَّ يجمع الأخبار الواردة في النَّهي عن كتابة الحديث والأخبار الدَّالَّة على الإذن فيها، ويناقشها ويعمل على التَّوفيق بينها، وينتهي إلى أنَّ النَّهي ارتبط بأسبابٍ منها الخشية من اختلاط غير القرآن به أو الانشغال عنه، وأنَّ الكتابة أُبيحت حين أُمن ذلك، مع مراعاة اختلاف أحوال من يعتمد على الحفظ ومن يحتاج إلى الكتابة.
ويتتبَّع الموقف نفسه في عصر الصَّحابة والتَّابعين، فيعرض الأخبار الواردة عن كراهة بعضهم للكتابة وأخبار كتابتهم أو سماحهم بها، ويردُّها إلى دوافع تتَّصل بالمحافظة على القرآن والسُّنَّة وطبيعة التَّعليم في ذلك العصر، بدل عدِّها مواقف متعارضة لا يمكن الجمع بينها. ومن خلال ذلك يفرِّق بين وجود صحفٍ ومدوَّنات فرديَّة مبكِّرة وبين مرحلة الجمع والتَّدوين العام والتَّصنيف المرتَّب الذي اتَّسع في مرحلة لاحقة.
ويستقصي ما دُوِّن من الحديث في عصر النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصدر الإسلام، ويعرض الصُّحف والكتب التي نُقلت عن الصَّحابة والتَّابعين، ومن أبرز ما يدرسه «الصَّحيفة الصَّادقة» لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وما تمثِّله من شاهدٍ على كتابة الحديث في العهد النَّبوي، و«الصَّحيفة الصَّحيحة» لهمَّام بن منبِّه وما لها من قيمة في إثبات وجود التَّدوين في القرن الهجري الأوَّل. ويتتبَّع صلة هذه الصُّحف بالمصنَّفات الحديثيَّة اللاحقة، ليبيِّن أنَّ ظهور الكتب الجامعة لم يكن بداية وجود الحديث المكتوب، بل مرحلةً من مراحل تطوُّر جمع مادَّة كانت محفوظةً ومتداولة قبلها.
ويبحث التَّدوين في عهد عمر بن عبد العزيز، وما قام به من تكليف العلماء بجمع الحديث وكتابته والعناية بنشره في الأقاليم، ثمَّ يتتبَّع انتقال التَّدوين إلى طور التَّصنيف والتَّبويب وظهور المصنَّفات والمسانيد. كما يطرح رأيه في إمكان سبق التَّدوين الرَّسمي المشهور بمحاولة عبد العزيز بن مروان، أمير مصر، حين طلب من كثير بن مُرَّة الحضرمي أن يكتب إليه ما سمعه من الصَّحابة رضي الله عنهم؛ ويجعل ثبوت استجابة كثير لهذا الطَّلب دليلًا على تدوين رسمي لبعض الحديث قبل المشروع الأشهر في عهد عمر بن عبد العزيز.
ويناقش في الباب نفسه آراءً مختلفة في تاريخ التَّدوين، فيعترض على القول بأنَّ خالد بن معدان كان أوَّل من كتب الحديث من التَّابعين وجمع ما كتبه في مصنَّف، مستدلًّا بوجود مدوَّنات أسبق منه. كما يناقش الرَّأي الذي يعترض على نسبة التَّدوين إلى عهد عمر بن عبد العزيز لإثبات سبق طائفة بعينها إلى جمع الأخبار، ويفرِّق بين وجود التَّأليف أو الصُّحف لدى أفرادٍ في أزمنة مبكِّرة وبين حركة التَّدوين الرَّسمي الواسعة. وينقد كذلك تفسير جولدتسيهر لأخبار منع الكتابة وإباحتها بوصفها نتاج صراعٍ بين أهل الرَّأي وأهل الحديث، ويعدُّ اختلاف تلك الأخبار قابلًا للفهم في ضوء اختلاف الأحوال والأسباب التي قيلت فيها.
ويخصِّص الباب الأخير لأعلام رواة الحديث من الصَّحابة والتَّابعين، فيبدأ بتعريف الصَّحابي وطبقاته وطرق معرفة الصُّحبة وعدالة الصَّحابة رضي الله عنهم وعددهم وعلمهم، ثمَّ يترجم للمكثرين من الرِّواية: أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة أمِّ المؤمنين، وعبد الله بن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم. ولا يجعل هذه التَّراجم مجرَّد عرضٍ لسيرهم، بل يربطها بتاريخ نقل السُّنَّة، فيدرس ملازمتهم للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومقدار علمهم وروايتهم وتلاميذهم وطرائقهم في التَّحديث، ويناقش ما أثير حول بعضهم من اعتراضات، وبخاصَّة ما وُجِّه إلى أبي هريرة رضي الله عنه.
ويتابع ذلك بدراسة نماذج من كبار التَّابعين، وهم سعيد بن المسيَّب، وعروة بن الزُّبير، ومحمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، ونافع مولى ابن عمر، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وإبراهيم النَّخعي، وعامر الشَّعبي، وعلقمة النَّخعي، ومحمَّد بن سيرين. ويعرض من خلال تراجمهم حلقات انتقال الحديث من جيل الصَّحابة رضي الله عنهم إلى الجيل الذي تلاهم، وما قاموا به من حفظٍ وروايةٍ وتعليمٍ ورحلةٍ وكتابة، ويولي ابن شهاب الزُّهري عنايةً خاصَّة لما له من صلة بحركة التَّدوين، مع مناقشة الشُّبهات التي أثارها بعض المستشرقين والباحثين حوله.
ويخلص من تتبُّع هذه المراحل إلى أنَّ السُّنَّة لم تمرَّ قبل ظهور المصنَّفات المشهورة بمرحلة فراغٍ أو انقطاع، بل انتقلت في بيئة علميَّة اعتمدت الحفظ والمذاكرة والرِّواية والكتابة والرِّحلة والتَّثبُّت ونقد النَّقلة والمرويَّات. ويفرِّق بذلك بين كتابة الحديث منذ وقتٍ مبكِّر وبين التَّدوين الرَّسمي والتَّصنيف الشَّامل، ويجعل الصُّحف المبكِّرة، وحركة الرِّواية في الأمصار، ونشأة الإسناد ونقد الرُّواة، ومقاومة الوضع، ثمَّ مشروعات الجمع والتَّصنيف، مراحل متَّصلة في تاريخ حفظ السُّنَّة وانتقالها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:











