
نبذة عن الكتاب:
يحقِّق عبد الرَّحمن بن يحيى المُعلِّمي اليماني في هذه الرسالة جملةً من مسائل أصول الحديث المتعلِّقة بحُجِّيَّة خبر الواحد، وما يفيده من العلم أو الظَّن، والعِلَّة التي من أجلها وجب العمل به، وشروط قبول راويه من جهة العدالة والضَّبط. وينطلق في ذلك من ملاحظة أنَّ كلام المتقدِّمين في أحكام الجرح والتَّعديل قليلٌ ومتفرِّق، وأنَّ كلام من جاء بعدهم مختلفٌ ولا يستوفي التَّحقيق في عدد من مسائله، فيقصد إلى تحرير ما انتهى إليه بالنَّظر والاستقراء، ويستعين بالنُّصوص الشَّرعيَّة وقواعد الأصول، وبصنيع نقَّاد الحديث العملي في الحكم على الرُّواة ومرويَّاتهم.
ويقرِّر أوَّلًا وجوب العمل بخبر الواحد المستجمع لشروطه، ويستدلُّ بالأمر القرآني بطاعة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، موضِّحًا أنَّ مفهوم الطَّاعة في الاستعمال لا يتوقَّف على أن يبلغ الأمرُ المأمورَ بطريق اليقين، بل يتحقَّق كذلك إذا ثبت عنده بطريق موثوق يفيد الظَّن. ويضيف إلى ذلك أنَّ الشَّريعة باقيةٌ إلى يوم القيامة، وأنَّ الأحكام التي يحتاج إليها النَّاس لا يمكن معرفتها جميعًا من ظاهر القرآن الكريم والسُّنن المتواترة وحدهما، فحفظ الله عزَّ وجلَّ للشَّريعة يقتضي بقاء طريق تقوم به الحجَّة إلى معرفة أحكامها، بحيث لا يضيع منها حكمٌ يحتاج إليه النَّاس ولا يلتصق بها ما ليس منها على وجهٍ يتعذَّر على أهل العلم كشفه.
ويستدلُّ كذلك بطريقة تبليغ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم للأحكام، إذ كان يكتفي في كثير منها بإخبار الواحد أو الاثنين، ويجعل ذلك دليلًا على قيام الحجَّة بخبر الواحد؛ لأنَّ المقصود من التَّبليغ أن يصل الحكم إلى من غاب، ثمَّ يتناقله النَّاس. ويؤكِّد أنَّ اجتماع الأدلَّة الدَّالَّة على وجوب العمل بخبر الواحد يورث القطع بذلك الأصل، ولو فُرض أنَّ بعض تلك الأدلَّة لا يفيد القطع منفردًا.
ويناقش شبهة احتمال غلط الرَّاوي أو كذبه مع ظهور ثقته، وما يترتَّب عليها من القول بأنَّ التَّعبُّد بخبر الواحد قد يؤدِّي إلى العمل بما هو باطل في نفس الأمر. ويجيب بأنَّ المصالح العظيمة لا تُترك لاحتمال مفسدة جزئيَّة، وأنَّ الشَّريعة نفسها رتَّبت أحكامًا واجبةً على أدلَّة ظنِّيَّة، كالحكم بالإقرار وشهادة العدلين. ويزيد أنَّ المكلَّف إذا عمل بخبر الواحد المستجمع لشروطه فقد أطاع الأمر الشَّرعيَّ المقطوع بثبوته، حتَّى لو كان الخبر في باطن الأمر قد وقع فيه خطأ؛ لأنَّ تكليفه متعلِّق بما ثبت له بالطَّريق الذي أمره الشَّارع باتِّباعه.
ويردُّ كذلك الاستدلال بالآيات التي تذمُّ الظَّن على منع العمل بخبر الواحد، فيعرض عدَّة أجوبة في معنى الظَّن الوارد فيها، ثمَّ يركِّز على أنَّ العمل بخبر الواحد ليس اتِّباعًا للظَّن لمجرَّد كونه ظنًّا، وإنَّما هو امتثالٌ لأمر الشَّارع بالعمل بهذا النَّوع من الخبر متى استجمع شروطه، وهذا الأمر ثابت عنده بأدلَّة قطعيَّة. ويقيس ذلك على حكم القاضي باعتراف المقرِّ أو شهادة العدلين، فصدق الاعتراف أو الشَّهادة في نفس الأمر قد يكون ظنِّيًّا، مع كون وجوب الحكم بالطَّريق الشَّرعي المعتبر ثابتًا.
وينتقل إلى شبهة أوسع لا تنكر أصل حُجِّيَّة خبر الواحد، وإنَّما تدَّعي أنَّ عامَّة الأخبار المرويَّة عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بطريق الآحاد لم تستجمع شروط القبول بسبب ما دخل تاريخ المسلمين من الأهواء والخصومات والوضع في الحديث. ويقابل ذلك بصناعة المحدِّثين في نقد الرُّواة والمرويَّات، فيشرح أنَّهم لم يكتفوا بظاهر صلاح الرَّاوي، بل بحثوا عن سيرته، واختبروا حفظه، وكرَّروا سؤاله، وقارنوا رواياته بروايات غيره، ولم يحكموا بثبوت الصِّدق والضَّبط له من حديثٍ واحد أو حديثين، وإنَّما استقرَّت أحكامهم بعد اعتبار عددٍ من مرويَّاته ومقارنتها بما رواه الثِّقات.
ويعرض في هذا السِّياق طعون بعض الفرق وأصحاب الأهواء في الرُّواة والأحاديث، ويجعل جانبًا من المشكلة راجعًا إلى محاولة توسيع شروط قبول الخبر بما يوافق أصول المذهب الذي ينتسب إليه النَّاظر. ومن هنا ينبِّه إلى أثر الهوى في الجرح والتَّعديل، ويضرب لذلك أمثلةً بالنَّاظر الذي يتشدَّد في نقد راوي الحديث المخالف لمذهبه ويتسامح في نظيره إذا روى ما يؤيِّده. ويجعل الواجب على طالب الحق أن يوازن بين أحكامه في الأحاديث الموافقة والمخالفة لمذهبه، وأن يراقب ميل نفسه؛ لئلَّا يحملَه الانتصار للمذهب أو للشَّخص على استعمال معيارين مختلفين في النَّقد.
ويفصِّل بعد ذلك فيما يفيده خبر الواحد، فيذكر أنَّ الجمهور يجعلون نسبة الخبر المستجمع للشروط إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ظنِّيَّةً، مع القطع بوجوب العمل به، ويقارن ذلك بأذان المؤذِّن الثِّقة وفتوى العالم الثِّقة وشهادة العدلين؛ إذ يجب العمل بهذه الطُّرق مع بقاء احتمال الخطأ في أفرادها. ثمَّ يناقش ما نُقل عن بعض أهل العلم من أنَّ خبر الواحد يفيد العلم، ويحتمل لهذا القول معاني متعدِّدة: أن يكون المراد العلم بلزوم الحكم الذي تضمَّنه الخبر للمجتهد الذي ثبت عنده، أو علمًا بالمعنى الذي لا يُعتدُّ معه باحتمال مجرَّد لم يقم عليه دليل، أو العلم اليقيني في صور مخصوصة كالخبر المتلقَّى بالقبول أو المحتفِّ بالقرائن.
ويبحث المعنى الذي من أجله وجب العمل بخبر الواحد، فيجعل المسألة دائرةً بين احتمالين: أن تكون إفادة الظَّن نفسها هي العِلَّة، أو أن تكون إفادة الظَّن هي الحكمة وأن تكون العِلَّة المنضبطة إخبار الثِّقة. ويناقش ما يَرِد على الاحتمال الأوَّل من إمكان حصول الظَّن أحيانًا بخبر صبيٍّ مميِّز أو فاسق أو كافر، ويفرِّق بين وجود العِلَّة وبين تخلُّف الحكم عنها لفقد شرطٍ أو وجود مانع. وبعد مناقشة الاحتمالين يرجِّح أنَّ إخبار الثِّقة هو الضَّابط، لكن مع قيد ألَّا يتبيَّن خطؤه، ويربط هذا القيد بما يعبِّر عنه المحدِّثون بانتفاء الشُّذوذ والعِلَّة القادحة.
ويقابل بين الرِّواية والشَّهادة، ويناقش الإشكال القائل إنَّ الشَّهادة قد يُطلب فيها شاهدان أو أربعة مع تعلُّقها غالبًا بقضيَّة معيَّنة، في حين يُكتفى في الرِّواية بخبر ثقةٍ واحد مع أنَّ الحكم المروي قد يبقى دينًا يُعمل به في وقائع كثيرة. ويبيِّن أنَّ الشَّريعة تراعي في أبواب الشَّهادة المصالح والمفاسد المختلفة، ولذلك تختلف أعداد الشُّهود باختلاف القضايا، أمَّا الرِّواية فالحاجة إلى معرفة الحكم الشَّرعي تقتضي عدم التَّشديد بما يؤدِّي إلى تعذُّر ثبوت كثير من السُّنن.
ويقرِّر أنَّ الظَّن الحاصل بخبر الثِّقة الذي يقبله أئمَّة الحديث لا يقلُّ عن الظَّن الحاصل بشهادة العدلين، بل قد يكون أقوى؛ لأنَّ دواعي الكذب والتَّساهل في الحديث أقلُّ، وشروط قبول الرِّواية أشدُّ، والرُّواة المقبولون غالبًا من المشتغلين بالعلم والدِّين، ونقَّادهم من الأئمَّة المعروفين بالخبرة. كما أنَّ الكذب على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أعظم خطرًا من الكذب في واقعة شخصيَّة، وطرائق كشف غلط الرَّاوي أو تساهله كثيرة، وظهور كذبه يهدِّد مكانته العلميَّة وتتناقله كتب الرِّجال والحديث، بخلاف كثير من وقائع الشَّهادة المحدودة.
ويبدأ الكلام على شرائط حُجِّيَّة خبر الواحد ببحث حال المخبر وقت الإخبار، مستدلًّا بآية التَّبيُّن من خبر الفاسق. ويجعل المدار على الحال الظَّاهرة التي يمكن للمكلَّف معرفتها، لا على حقيقة باطنة يستحيل الاطِّلاع عليها، ثمَّ يناقش حكم مجهول الحال: فإن أمكن البحث والسُّؤال عنه لزم التَّوقُّف حتَّى يُبحث عن حاله، أمَّا إذا تعذَّر البحث فيناقش إمكان الاعتماد على الأصل أو الظَّاهر، ثمَّ يعترض على ذلك بأنَّ الخبر المجرَّد عن القرائن المعزِّزة لا يحصل به من الوثوق ما يبني العقلاء عليه مصالحهم.
ويتناول بعد ذلك مسألة رواية العدل عن رجلٍ من غير أن يجرحه، وهل تُعدُّ هذه الرِّواية تعديلًا له، فيعرض احتجاج القائلين بذلك بأنَّ الثِّقة لو علم جرح شيخه لوجب عليه بيانه، ثمَّ يناقش اعتراض الخطيب البغدادي بأنَّ الرَّاوي قد يجهل حال من روى عنه، وأنَّ الثِّقات قد يروون أحيانًا عن المجروحين. ويقرِّب المُعلِّمي المسألة من التَّدليس، ويشير إلى أنَّ المعروف عن غالب أهل العلم من التَّابعين وأتباعهم تجنُّب الرِّواية عمَّن لا يُعتدُّ به، وأنَّ رواية الثِّقة المعروف بالتَّحرِّي عن شيخٍ مع السُّكوت عن حاله قد تقوى دلالتها بقرائن، كتعدُّد روايته عنه، أو طول صحبته له، أو رواية أكثر من ثقة عنه.
ويشرح منهج جهابذة الحديث في اختبار الرَّاوي الذي لم تتَّضح حاله، فيجعل الأساس اعتبار مرويَّاته بمرويَّات الثِّقات وبما عُرف من الشَّريعة. فإن وافق الثِّقات قويت حاله، وإن انفرد من غير قرينة موهنة توقَّفوا فيه، وإن خالف الثِّقات أو روى ما تُنكره الأصول المعروفة ضعَّفوه، وتتفاوت مراتب التَّوثيق والتَّضعيف بحسب مقدار روايته ونسبة موافقته للثِّقات وانفراده ومخالفته. ويبيِّن أنَّ كثرة رواية الرَّجل مع سكوت علماء عصره عن جرحه قد تدلُّ على عدالته، لكنَّ نقَّاد الحديث لا يكتفون بذلك؛ لأنَّ العدالة وحدها لا تستلزم الضَّبط، ولأنَّ دلالة السُّكوت على العدالة ليست قاطعة.
ويفصِّل شرط الضَّبط، فيفرِّق بين الكذب العمد والخطأ، وبين الخطأ الذي يستوعب الخبر والخطأ الجزئي الواقع في السَّند أو المتن، كإسقاط راوٍ أو زيادته أو إبدال اسمٍ بآخر، أو تغيير لفظٍ يغيِّر المعنى. ويقرِّر أنَّ صلاح الرَّاوي يمنع في الأصل من تعمُّد الكذب، لكنَّه لا يكفي لدفع الغلط، ولذلك لا بدَّ من الضَّبط، ويحلِّله إلى عنصرين: الثَّبات، وهو أن يعرف الرَّاوي حقيقة حاله عند التَّلقِّي والأداء ولا يتوهَّم أنَّه حفظ ما لم يحفظ؛ والتَّثبُّت، وهو أن يستعمل هذا الوعي عند الأداء فلا يحدِّث بما لم يضبطه. وباجتماع الثَّبات والتَّثبُّت يتحقَّق الضَّبط الذي تقوم به الثِّقة بالرِّواية.
ويناقش أخيرًا طرائق أئمَّة الجرح والتَّعديل في إثبات العدالة والضَّبط، مؤكِّدًا أنَّ جانبًا كبيرًا من أحكامهم بُني على استقراء حديث الرَّاوي ومقارنته بحديث غيره، لا على مجرَّد المعرفة الشَّخصيَّة به. ويعرض مذهب ابن حبَّان في حمل من لم يُعرف بالجرح على العدالة، وينتقد التَّوسُّع في توثيق من لم يُعرف له إلَّا حديثٌ أو أحاديث قليلة؛ لأنَّ موافقته في خبر واحد لا تثبت أنَّ الصِّدق والضَّبط صارا له عادةً راسخة، كما يناقش قيمة توثيقات ابن حبَّان ويميِّز فيها بين المجهولين والمشاهير الذين يُغلب على الظَّن اطِّلاعه على قدرٍ معتبر من حديثهم. ثمَّ ينتقل إلى مذهب العجلي، ويستدلُّ على طريقته باستقراء جماعة من التَّابعين الذين انفرد بتوثيقهم مع قلَّة الرُّواة عنهم، وعند هذا الموضع ينتهي النَّص المرفق من الرِّسالة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:











