
نبذة عن الكتاب:
يؤصل أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني في كتاب «التمهيد في أصول الفقه» مسائل الأصول على طريقة حنبلية مقارنة تقوم على استخراج القواعد من نصوص الإمام أحمد ورواياته، ثم عرض أقوال الفقهاء والمتكلمين ومناقشة أدلتهم والترجيح بينها. ويبدأ قبل الخوض في المسائل بتحديد الفقه بأنه العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية، ويعرف أصول الفقه في اصطلاح الفقهاء بأنها الأدلة والطرق ومراتبها وكيفية الاستدلال بها، ثم يقسم طرق الاستدلال إلى أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال؛ فيدخل في الأصل الكتاب والسنة والإجماع، ويبحث قول الصحابي رضي الله تعالى عنه بحسب الخلاف في حجيته، ويجعل من معقول الأصل لحن الخطاب وفحواه ومعناه ودليله، ومن الاستصحاب استصحاب حال العقل واستصحاب حال الإجماع.
ويجعل دلالة الكتاب دائرة بين النص والظاهر والعموم والمجمل؛ فالنص صريح في مدلوله لا يعدل عنه إلا بناسخ، والظاهر محتمل لمعنيين يكون أحدهما أرجح فيجب المصير إليه حتى يقوم دليل يصرف عنه، والعام يحمل على جميع ما يتناوله حتى يثبت المخصص، أما المجمل فلا يقدم المجتهد على تعيين المراد به حتى يرد البيان. ويطبق ذلك على ألفاظ القرآن من الأمر والنهي والأسماء الشرعية والجموع وألفاظ الجنس، ثم يجعل القول النبوي جارياً في أصل هذه الدلالات على نظير خطاب القرآن.
ويفصل مبكرًا في الدلالات غير الصريحة التي يسميها «معقول الأصل»، فيجعل فحوى الخطاب تنبيه المنطوق على ما هو أولى منه أو دونه، كما في النهي عن التأفيف الدال على منع ما هو أشد من أذى الوالدين. ويبحث دليل الخطاب من جهة تعليق الحكم بالشرط أو الصفة أو العدد أو الاسم أو الحصر، بحيث يفهم من تخصيص المنطوق بصفة نفي الحكم عما خالفها عند تحقق شروط هذا النوع من الدلالة. أما «معنى الخطاب» فيربطه بالقياس، فيعرف القياس برد الفرع إلى الأصل بعلة جامعة، ويحدد عناصره في الأصل والفرع والعلة والحكم، قبل أن يعود إليه لاحقًا بتفصيل واسع.
ويفرد للاستصحاب مكانًا في بنية الأدلة، فيجعل استصحاب حال العقل قائمًا على براءة الذمة حتى يثبت شغلها بدليل؛ فمن ادعى وجوب صلاة سادسة أو حدًا لم يثبت سببه فعليه إقامة الحجة الناقلة عن أصل البراءة. ثم يعرض استصحاب حال الإجماع في الصورة التي يثبت فيها حكم باتفاق ثم يطرأ وصف جديد يختلف العلماء في بقائه معه، ويبين أن الاحتجاج بالإجماع السابق في الحالة الجديدة محل خلاف لأن كل فريق يمكن أن يصوغ الأصل المجمع عليه على نحو يخدم دعواه.
ويقدم إلى جانب هذه الأبواب جملة واسعة من الحدود والمقدمات المتعلقة بالعلم والعقل والنظر والدليل والبيان والخبر والفرض والواجب والمندوب والإباحة والصحة والفساد والشرط والسبب والكلام وأقسام الأسماء. ولا يعرض الحدود سردًا، بل يفحصها من جهة دخول أفراد المحدود وخروج غيره، ويناقش تعريفات الأشعرية والمعتزلة وغيرهم. وفي العلم يختار أنه «معرفة المعلوم على ما هو به»، ويميز العلم القديم المختص بالله تعالى من العلم المحدث للمخلوقين، ثم يقسم علم المخلوق إلى ضروري ومكتسب، ويجعل العقل بعض العلوم الضرورية لا جوهرًا مستقلًا ولا مجموع جميع الضروريات، وينسب محله إلى القلب ويقرر تفاوت الناس فيه زيادة ونقصًا.
ويعرف البيان بأنه إظهار المعلوم للمخاطب منفصلًا عما يلتبس به، ويرفض حصره في إخراج المعنى من الإشكال إلى الوضوح؛ لأن الشارع قد يبين الحكم ابتداء من غير سبق إجمال. ويجعل البيان شاملاً لتفسير المجمل، وتخصيص العموم، وصرف الأمر إلى الندب أو الإباحة، وصرف الخبر إلى معنى الأمر، والعدول من الحقيقة إلى المجاز، وبيان النسخ. كما لا يقصر الدليل اصطلاحًا على ما يفيد العلم اليقيني، بل يجعله مرشدًا إلى المطلوب سواء أوصل إلى العلم أو إلى غلبة الظن التي يجب العمل بها، مخالفًا من خص اسم الدليل بالقطعي وسمى الظني أمارة.
ويستفيض في الأمر، فيثبت أولًا أن له صيغة موضوعة في اللغة، وأن «افعل» بنفسها صيغة أمر وليست مجرد لفظ مشترك لا يعرف المراد منه إلا بقرينة. ثم يختار أن الأمر المتجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، مستدلًا باستعمال العرب وبفهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم للأوامر وبترتب الذم على المخالفة، ويرى أن قول الآمر «افعل» يقتضي إيجاد الفعل على وجه يمنع الإخلال به ما لم تقم قرينة تنقله عن أصل الوجوب. وإذا ثبت بالدليل أن الأمر لم يرد به الوجوب فإنه يبقى دالًا حقيقة على الندب، فلا يطرح الاستدلال بالصيغة كلها بمجرد سقوط أعلى مراتب الطلب.
ويفرد للأمر بعد الحظر حكمًا متميزًا، فلا يلحقه بالأمر المبتدأ؛ بل يختار أنه يقتضي الإباحة، مستشهدًا بالأمر بالصيد بعد التحلل، والانتشار بعد الصلاة، وزيارة القبور بعد النهي عنها، وادخار لحوم الأضاحي بعد منعها. ويفسر ذلك بأن ورود الأمر على المحظور يرفع الحظر، ورفع الحظر يعيد الفعل إلى الإذن، فلا ينتقل المحظور إلى الوجوب لمجرد مجيء «افعل» بعد النهي. كما يناقش في أبواب الأمر الفور والتكرار وسائر ما يترتب على الصيغة، ويربط بينها وبين كون الطلب واجبًا أو مندوبًا.
ويبحث النهي بموازاة الأمر، وما يقتضيه من التحريم ومن فساد الفعل المنهي عنه. ويقرر أثر النهي في العبادات والعقود على السواء من جهة أن الصحة والإجزاء أو ترتب آثار العقد إنما تلحق بالفعل الواقع على الوجه الشرعي، فإذا تعلق النهي بالفعل على وجه يمنع شرعيته لم تترتب عليه أحكام الصحيح. ولهذا يدافع عن فساد العقد المنهي عنه كما يدافع عن فساد العبادة المخالفة للشرع، مع إخراج الصور التي قام فيها دليل خاص على الصحة رغم وجود جهة أخرى من النهي.
ويجعل العموم بابًا مستقلًا واسعًا، فيعرف العام بالكلام المستغرق لجميع ما يصلح له، ثم يبحث ألفاظ الجموع والجنس والأسماء المبهمة وما دخلته «أل» على وجه الاستغراق، ويحمل اللفظ العام على عمومه ما لم يثبت دليل يخرجه عنه. ثم يفرد للخصوص والمخصصات المتصلة والمنفصلة؛ فيدخل في المتصلة الشرط والصفة والغاية والاستثناء، وفي المنفصلة الأدلة العقلية والسمعية، ويبحث تخصيص العموم بالكتاب والسنة والإجماع وخبر الواحد والقياس ودليل الخطاب وقول الصحابي رضي الله تعالى عنه على القول بحجيته. ويفرق بوضوح بين التخصيص والنسخ؛ فالتخصيص بيان أن بعض ما يصلح له اللفظ لم يرد منه ابتداء، أما النسخ فرفع حكم ثبت دخوله تحت الخطاب.
ويبحث أفعال النبي صلى الله عليه وسلم مستقلة عن أقواله، ويختار الوقف في الفعل المجرد إذا لم يعرف الوجه الذي وقع عليه؛ لأن الفعل النبوي قد يكون واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا أو من الخصائص، ولا توجد في مجرد صورة الفعل صيغة لغوية تعين أحد هذه الأحكام كما توجد في الأمر. ويشدد على أن التأسي لا يتحقق بمجرد مشابهة الصورة، بل ينبغي مراعاة الجهة والقصد الذي وقع عليه الفعل؛ فمن فعل على وجه الوجوب ما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مباحًا لم يكن متأسيًا به في حقيقة الحكم. ثم يبين الطرق التي يعرف بها كون الفعل واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا، كتصريح النبي صلى الله عليه وسلم، أو كونه بيانًا لخطاب معلوم الحكم، أو قيام دليل على الصفة التي وقع بها.
ويفصل في النسخ من جهة حقيقته وشروطه وطرقه والفرق بينه وبين التخصيص، ويناقش نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة وعلاقة القرآن بالسنة المتواترة في رفع الأحكام. ولا يشترط في الناسخ أن يماثل المنسوخ من جهة الإعجاز؛ لأن موضوع النسخ عنده هو الحكم، والمعتبر قيام دليل معتبر على زواله. ولهذا يجعل الكتاب والسنة المتواترة متساويين من جهة إفادة العلم بالحكم، مع تمييزه خبر الواحد والقياس عنهما بحسب مرتبتهما في الإثبات. كما يمنع الخلط بين نسخ الحكم وبين مجرد بيان أن بعض الصور لم تكن مرادة من العام أصلًا.
ويتناول شرائع من قبلنا بعد مباحث النسخ والأفعال، ويعرض في المسألة أكثر من رواية واتجاه؛ فينقل اختيار شيخه أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، كما ينقل ما يدل من بعض الروايات عن أحمد على خلافه، ويستعرض أقوال الحنفية والأشعرية والمعتزلة والشافعية. ويقرر في مناقشته أن مجرد حكاية الله تعالى لأحكام الأمم السابقة لا تكفي وحدها لإثبات إلزامنا بها؛ فقد تحكى الشريعة السابقة ليؤمر المسلمون ببعضها أو ليبين نسخ بعضها وإسقاطه، فلا بد من دليل على جهة تعلق الحكم بنا.
ثم يفتح باب الأخبار، فيبحث حقيقة الخبر والتواتر وخبر الواحد وطرق تحمله وأحوال الرواة وما يقبل وما يرد من الروايات. ويثبت وجوب العمل بخبر الواحد إذا استوفى شروط القبول، مع تفريقه بين العلم الذي تطلبه مسائل الأصول وبين غلبة الظن الكافية في كثير من الفروع؛ فخبر الواحد عنده لا يقوم مقام الأدلة القطعية في المسائل التي يتوقف ثبوتها على العلم، لكنه دليل شرعي يجب العمل به في موضعه. ومن هنا يجيز تخصيص العموم به عند صحة الخبر، ويقرر أن عدم القطع بنفس الرواية لا يمنع كون وجوب العمل بنوعها ثابتًا بدليل شرعي.
ويولي الإجماع عناية كبيرة، فيعرفه باتفاق علماء العصر على حكم الحادثة، ويميز صور الاتفاق الصريح من السكوت وما يلحق به. ويناقش الإجماع السكوتي، واتفاق أهل العصر بعد خلاف سابق، وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ودخول المجتهدين اللاحقين في عصرهم، وانقراض العصر. وفي مسألة اشتراط انقراض العصر ينقل ما يظهر من بعض كلام أحمد ثم يناقش القول، ويستدل على أن الحجية ناشئة من نفس الاتفاق المعتبر لا من موت المجمعين؛ لأن أدلة عصمة الإجماع تتعلق باجتماع الأمة على الحكم، ولا تجعل وفاة أفرادها عنصرًا منشئًا للحجية.
ويبحث قول الصحابي رضي الله تعالى عنه ضمن الأدلة المختلف فيها، مستفيدًا من تعدد الروايات عن أحمد؛ فإذا قيل بحجيته أمكن عنده أن يقدم على القياس ويخصص به العموم، وإذا لم يجعل حجة مستقلة بقي له أثر في الترجيح بين الأدلة. ولا يسوي مع ذلك بين قول الصحابي رضي الله تعالى عنه والإجماع؛ فاختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم يمنع إلزام بعضهم بقول بعض، كما أن حجية القول عند من يثبتها تحتاج إلى تحرير مستقل يبين مرتبته أمام القياس وسائر الأدلة.
ويتوسع في القياس حتى يصير من أكبر أبواب الكتاب، فيشترط له أصلًا وفرعًا وحكمًا وعلة معتبرة، ولا يكتفي بمجرد وجود شبه غير منضبط بين صورتين. ويميز قياس العلة من قياس الدلالة، ثم يقسم قياس العلة إلى جلي وواضح وخفي بحسب طريق ظهور العلة؛ فالجلي ما نص الشرع أو الإجماع على علته، والواضح ما أخذت علته من ظاهر الخطاب، والخفي ما احتاجت علته إلى استنباط وتأثير. كما يعرض قياس الشبه وينقل الخلاف الحنبلي في حجيته ويوازن بين الاستدلال بالتشابه وبين إمكان معارضته بالفروق.
ويستكمل صناعة القياس ببحث طرق إثبات العلة وشروطها وما يصحح القياس وما يفسده، ثم القوادح والاعتراضات من النقض والمعارضة والممانعة وما يتصل بفساد الاعتبار. ويؤكد أن العلة ليست مجرد وصف مناسب يختاره المستدل بلا ضابط، بل لا بد من طريق معتبر يدل على تعليق الحكم بها ومن تحققها في الفرع على وجه يبرر إلحاقه بالأصل. ولهذا يناقش الاعتراضات بصيغة المناظرة: يورد حجة المستدل، ثم اعتراض الخصم، ثم ما يلزم كل طرف على أصوله، وهو ما يجعل القسم القياسي تدريبًا عمليًا على الجدل الأصولي إلى جانب تقرير القواعد.
ويصل بعد ذلك إلى الاجتهاد، فيقرر أن الحق في المسائل الاجتهادية عند الله تعالى واحد، وعليه أمارة يطلبها المجتهد، لكنه لا يلزم المجتهد أن يقطع بخطأ مخالفه؛ لأن طريقه في كثير من الفروع غلبة الظن لا اليقين. فالمجتهد مأمور ببذل وسعه في طلب الحق، وقد يصل إليه في الظاهر دون أن يملك القطع بموافقته للحكم عند الله تعالى. وبهذا يخالف القول الذي يجعل كل مجتهد مصيبًا في نفس الحكم، كما يخالف من يوجب للمجتهد اليقين بأنه أصاب الحق متى انتهى إلى اجتهاده.
ويحدد صفة المجتهد الذي يجوز له الإفتاء ويحرم عليه التقليد بمعرفة طرق الاجتهاد والأدلة الشرعية وكيفية الاستدلال بها؛ فيحتاج في الخطاب إلى معرفة طرق نقله ودلالاته، وفي الأخبار إلى ما يميز المقبول من المردود، وفي النصوص إلى معرفة العموم والخصوص والنسخ وسائر العوارض المؤثرة في الدلالة، وفي الاستنباط إلى معرفة القياس وشروطه وطرقه. ولا يكفي مجرد حفظ الأحاديث صحيحة وضعيفة أو جمع الفروع؛ لأن معرفة المادة دون القدرة على ترتيب الأدلة والترجيح بينها لا تنشئ ملكة الاجتهاد.
ويجعل العامي في الفروع مخاطبًا بالتقليد لأنه فاقد آلة الاستنباط، ولا يكلفه تعلم اللغة وطرق الأخبار والنسخ والتخصيص والقياس حتى يستقل بحكم كل حادثة؛ إذ يؤدي ذلك إلى تعطيل معاش الناس ويحتاج إلى زمن طويل لا تستوعبه الوقائع المتجددة. ويشبه اعتماد العامي على فتوى العالم باعتماد المجتهد على خبر العدل في المواضع التي جعل الشرع خبره حجة. أما العالم المستكمل لآلة الاجتهاد فلا يجوز له ترك النظر وتقليد عالم آخر لمجرد أن الآخر أعلم منه؛ لأن فرضه هو استعمال آلته والوصول بنفسه إلى ما يغلب على ظنه أنه حكم الشرع.
وينتهي «التمهيد» بتشديد هذه القاعدة في أضيق صورها؛ فيمنع أبو الخطاب المجتهد من تقليد غيره حتى إذا ضاق وقت العبادة وخشي فواتها قبل استكمال نظره. ويرد قياسه على العامي بأن العامي لا يملك طرق الاجتهاد أصلًا، أما العالم ففرضه باق ما دامت آلته قائمة، فإن كانت العبادة مما يجوز تأخيرها للعذر أخرها لأجل الاجتهاد، وإن لم يجز تأخيرها فعل ما يقدر عليه بحسب حاله ثم أعاد إذا تبين له الحكم، ولا يجعل خوف فوات الوقت مسوغًا لإسقاط وظيفة الاجتهاد عنه. وعند هذه المسألة، بعد أن يقرر الفرق بين من فقد آلة النظر ومن امتلكها، يتم كتاب «التمهيد».
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














