
نبذة عن الكتاب:
يقرر محمد فهمي علي أبو الصفا في هذا الكتاب أن صلاحية الشريعة الإسلامية للخلود ليست دعوى منفصلة عن بنائها الداخلي، بل نتيجة لطبيعة تشريعها القائم على أصول ثابتة وقواعد عامة تستوعب تغير الوقائع والأحوال. وينطلق من كون الإسلام خاتم الرسالات، وأنه لا شريعة سماوية بعده، ولذلك لا بد أن يكون التشريع الذي جاء به قادرًا على تنظيم حياة الأفراد والجماعات في البيئات والعصور المختلفة، من غير أن يعني ذلك اشتمال القرآن على نص تفصيلي لكل حادثة بعينها، وإنما اشتماله على المبادئ والقواعد الكلية التي تندرج تحتها الجزئيات المستجدة.
ويميز بين التشريع والفقه؛ فالتشريع عنده انتهى بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن حق التشريع لله تعالى، أما اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيعرضه باعتباره فهمًا للنصوص وتطبيقًا لمبادئ الدين، ثم جاء الفقه بعد ذلك ليستمد أحكامه من الشريعة. وبهذا يجعل قابلية الإسلام لمواجهة الوقائع الجديدة راجعة إلى إمكان استنباط أحكامها من القواعد والأصول الثابتة، لا إلى فتح باب إنشاء تشريع مستقل عن الكتاب والسنة.
ويشرح معنى كون القرآن تبيانًا لكل شيء بأن المراد ليس استقصاء جزئيات الحوادث وتفاصيلها، وإنما تقرير ما تحتاج إليه النظم الصالحة من قواعد عامة مثل العدل والمساواة والشورى ورفع الحرج ودفع الضرر وحفظ الحقوق وأداء الأمانات والرجوع إلى أهل العلم والاختصاص. فهذه المبادئ عنده ثابتة في أصلها، بينما تملك من العموم والمرونة ما يسمح بتنزيلها على صور متغيرة باختلاف الأحوال والمجتمعات.
ويربط عموم التشريع بعموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فيستدل بالنصوص الدالة على أن الرسالة موجهة إلى الناس كافة لا إلى جماعة أو إقليم بعينه. ثم يفسر من هذا المنطلق خروج الدعوة من جزيرة العرب، فيذكر أن الجزيرة كانت تضم طوائف وعقائد متعددة من الوثنية والمجوسية واليهودية والنصرانية، وأن ظهور الإسلام فيها أتاح له منذ البداية أن يواجه أنماطًا مختلفة من الاعتقادات، كما كانت بيئتها القبلية المتفرقة محتاجة إلى نظام يجمع الكلمة ويقيم روابط تتجاوز العصبية والتنازع.
ويعرض المجالات التي تناولها التشريع الإسلامي من خلال ثلاثة أقسام كبرى: الأحكام الاعتقادية، والأحكام الخلقية، والأحكام العملية. فالأولى تتعلق بمعرفة الله تعالى وصفاته والرسل واليوم الآخر، والثانية بتكوين الصفات التي ينتج عنها حسن السلوك من حلم وصفح وتواضع ولين جانب وتطهير للنفس من الحسد والحقد، والثالثة بأفعال المكلفين وعلاقاتهم في العبادات والمعاملات وشؤون الأسرة والجنايات والقضاء والحكم وسائر مجالات الحياة.
ولا يفصل بين الدين وشؤون الدنيا النافعة، بل يقرر أن الإسلام يجعل العمل الصالح المنتج جزءًا من أداء الإنسان لوظيفته إذا قصد به الخير ومصلحة الجماعة، ولذلك يحث على العمل والكسب ولا يجعل الانقطاع للعبادة مبررًا لإهمال أسباب المعيشة أو تحميل الآخرين نفقة القادر على الكسب. ومن هنا يتسع مفهوم الدين عنده ليشمل علاقة الإنسان بربه ونفسه والناس، ويصبح التشريع منظمًا لسلوك الإنسان كله لا لمجال التعبد المحض وحده.
ويولي الجانب الخلقي منزلة أساسية لأنه يراه مقدمة لقبول الأحكام العملية والانقياد لها، فمجرد وجود القانون لا يكفي إذا لم تترب النفس على الصدق والأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن الفواحش والعدوان. ولهذا يقدم الأخلاق باعتبارها قوة داخلية تعين على تنفيذ الشريعة، لا مبحثًا منفصلًا عن التشريع. كما يستدل بما ذكر من موقف جعفر رضي الله تعالى عنه أمام النجاشي في بيان التحول الذي أحدثه الإسلام في السلوك والعلاقات الاجتماعية.
ويشرح الأحكام العملية باعتبارها المرحلة التي تنظم آثار العقيدة والأخلاق في الواقع، فتحدد من هو المكلف وما العوارض التي تؤثر في التكليف، وتبين الصحيح والباطل والحلال والحرام، ثم تمتد إلى الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج، وإلى الأموال والعقود والأسرة والمواريث والجنايات والعقوبات والحكم والتقاضي وطرق الإثبات وتنفيذ الأحكام. وبهذا يبين أن التشريع الإسلامي لا يقتصر على عبادات الأفراد، بل يتناول البنية الاجتماعية والقانونية للمجتمع.
ويصف التشريع الإسلامي بأن له نزعة جماعية، بمعنى أنه يرعى مصلحة الفرد لكنه لا يسمح بممارسة الحق الفردي على وجه يضر المجتمع أو الآخرين. فالحق عنده مقيد بعدم الإضرار، وقد يمنع الفعل المباح في أصله إذا ترتب عليه ضرر بالغير، مستندًا إلى قاعدة «لا ضرر ولا ضرار». ويذكر من تطبيقات ذلك النهي عن البيع على بيع الغير والخطبة على خطبته وتشريع الشفعة، لأن حرية الفرد لا تبقى مطلقة إذا أدت إلى الإضرار بحقوق الآخرين أو بالمصلحة العامة.
ويجعل من مميزات التشريع الإسلامي صدوره عن الله تعالى لا عن معرفة بشرية محدودة، ويرى أن ذلك يمنحه أساسًا مختلفًا عن القوانين الوضعية التي قد تتأثر بقصور المعرفة أو الهوى. كما يضيف إلى الإلزام الخارجي عنصر إصلاح الضمير؛ فالتشريع لا يعتمد عنده على العقوبة وحدها، بل يجمع بين الحكم القانوني والتربية الروحية والخلقية التي تدفع الإنسان إلى الخير من داخله، وهو ما يراه فارقًا جوهريًا بين البناء الإسلامي والقانون الذي يقتصر على الردع الخارجي.
ويعرض بعد ذلك مقاصد الشريعة الخمسة: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ويجعلها الأصول التي تقوم عليها مصالح الدين والدنيا. ويشرح أن الأحكام المتعلقة بكل مقصد تتجه إلى جانبين: إقامة المقصد وتقوية وجوده، ثم حمايته من أسباب الفساد والانهيار. فحفظ الدين يكون بالإيمان والعبادة وحمايتهما، وحفظ النفس بتقرير حق الحياة وصيانة الكرامة ومنع الاعتداء، وحفظ العقل بمنع ما يفسده، وحفظ النسل بتنظيم الأسرة ومنع الاعتداء على الأعراض، وحفظ المال بتنظيم المعاملات ومنع الغش والربا وأكل الأموال بالباطل وضمان المتلفات ومعاقبة الاعتداء على الأموال.
ويبين أن القرآن وضع الأصول والكليات لهذه المقاصد، ثم جاءت السنة لتشرح وتفصل وتكمل وتقدم نماذج للاجتهاد والاستنباط في الوقائع المتجددة. ويعرض النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه مبينًا للقرآن بأقواله وأفعاله، ومقررًا لقواعد في الأسرة والمعاملات والجنايات وآداب الحياة، ثم يرى أن اجتهاده وربطه الفروع بنظائرها وتنبيهه إلى علل الأحكام علّم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الأحكام ليست قضايا منفصلة، بل لها حكم وأسباب وغايات يمكن الاستفادة منها في إلحاق المستجدات بأصولها.
ويستشهد بتجربة الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد اتساع الدولة الإسلامية على قدرة هذه الأصول على استيعاب وقائع لم تكن معروفة من قبل؛ فقد واجهوا أحوالًا جديدة نتجت عن الفتوحات واختلاط العرب بأمم مختلفة، ومع ذلك استمروا في الرجوع إلى مصادر الشريعة واستنباط الفروع من أصولها، ولم يروا في تغير الوقائع عجزًا في الشريعة نفسها.
ويربط صلاحية التشريع لكل البيئات بمبادئ التيسير ورفع الحرج ودفع الضرر، وبقلة التكاليف ومراعاة الأعذار والضرورات، ثم يلفت إلى أن القرآن في باب المعاملات خاصة لم يستغرق الصور الجزئية بالتفصيل، بل أتى بقواعد واسعة مثل الوفاء بالعقود وإباحة البيع وتحريم الربا ومنع أكل أموال الناس بالباطل واشتراط التراضي. وهذه الصياغة الكلية هي التي يراها قادرة على احتواء أشكال جديدة من المعاملات ما دامت ترد إلى تلك الأصول.
ويجعل العدل والمساواة من أهم مظاهر عموم الشريعة، فلا تفرق أحكامها في أصل الخضوع للقانون بين حاكم ومحكوم ولا غني وفقير ولا شريف ووضيع، ويستدل بالأوامر القرآنية بالعدل وأداء الأمانة والشهادة بالقسط ولو على النفس والأقربين، وبموقف النبي صلى الله عليه وسلم الرافض لتعطيل العقوبة بسبب مكانة الشخص الاجتماعية. فالخلود عنده مرتبط أيضًا بكون الحكم قائمًا على قاعدة عامة لا تتغير بتغير منزلة الخاضع لها.
ويرجع كثيرًا من الأحكام كذلك إلى قاعدة تحقيق المصالح ودفع المفاسد، مع تقديم مصلحة الجماعة عند التعارض وتقديم دفع الضرر العام. ويذكر من ذلك منع الاحتكار وتحريم الربا، لأن المصلحة الفردية التي يجنيها صاحب المال أو المحتكر لا تقدم على ما يلحق المجتمع من ضرر. ومن هنا يعود إلى النزعة الجماعية التي بدأ بها، ولكن في صورة تطبيقية تكشف أثرها في تنظيم الأموال والأسواق والعلاقات بين الأفراد.
وينتهي إلى مجموعة من المبادئ التي يرى أنها تضمن استمرار صلاحية التشريع، فيذكر العدالة والمساواة، والشورى بوصفها أساسًا في إدارة الشأن العام، والتسامح في معاملة الأفراد والجماعات المخالفة، والتضامن الاجتماعي الذي يقرر للفقراء حقًا في مال الأغنياء ويحمل القادرين مسؤولية كفاية المحتاجين. وعند هذه المبادئ يختم استدلاله على أن التشريع المستمد من القرآن والسنة، والمبني على العدل والشورى والتسامح والتكافل، لا ينفصل عن تغير الزمان، بل يملك من أصوله العامة ما يمكنه من مسايرة حياة الناس ما دامت الوقائع الجديدة ترد إلى تلك القواعد.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














