
نبذة عن الكتاب:
يُحَقِّق محمد ناصر الدين الألباني في هذا الكتاب المرويات الواردة في حادثتي الإسراء والمعراج، فيجمع طرقها عن الصحابة رضي الله عنهم، ويُخَرِّجها من مصادر السنة، ويفحص أسانيدها ومتونها، ويقارن ألفاظ الرواة وزياداتهم، ثم يحكم على كل طريق بما يقتضيه النقد الحديثي من صحة أو حُسن أو ضعف أو نكارة. وقد كان عنوان المصنف الذي كتبه الألباني بخطه متضمنًا قصدًا آخر، هو جمع الأحاديث الصحيحة بعد تخريجها في سياق واحد، إلا أنه توفي قبل إتمام هذه المرحلة، فبقي العمل في صورته الحديثية النقدية دون ذلك السرد الجامع الذي كان ينوي إنشاءه.
ويرتب مادته بحسب الصحابة الذين رُويت عنهم أخبار الإسراء والمعراج، ويبدأ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، ثم حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بطرقه الكثيرة، وما رواه عن أبي ذر ومالك بن صعصعة رضي الله عنهم، ثم يتابع أحاديث أُبيّ بن كعب وبريدة وجابر وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبي ذر وغيرهم رضي الله عنهم. ولا يكتفي بإثبات أصل الحديث، بل يفكك الطريق الواحد إلى رواياته المتعددة، ويستخرج ما انفرد به بعض الرواة، ثم ينظر في إمكان قبول الزيادة أو ردها بحسب حال الراوي وموافقتها للمحفوظ.
وتحتل روايات أنس رضي الله عنه مساحة واسعة؛ لما اجتمع فيها من تفاصيل الرحلة. فيورد شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وغسله بماء زمزم وملئه حكمة وإيمانًا، وركوبه البُراق، ووصوله إلى بيت المقدس وصلاته بالأنبياء عليهم السلام، ثم عروجه في السماوات ولقائه آدم ويحيى وعيسى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم عليهم السلام. ويقارن بين اختلاف الروايات في ترتيب هؤلاء الأنبياء ومواقعهم، وفي مواضع ذكر البيت المعمور وسدرة المنتهى والأنهار والأواني، مرجحًا ما اتفقت عليه الطرق الأوثق على ما انفرد به بعض الرواة.
ويعرض تفصيل فرض الصلوات خمسين ثم مراجعة موسى عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في سؤال التخفيف حتى صارت خمس صلوات بأجر خمسين. ويوازن بين العبارات المختلفة في مقدار ما كان يُحَطّ في كل مراجعة، ويرجح الرواية التي تفيد أن التخفيف كان خمسًا خمسًا حين يجدها أضبط في سياق الطرق. كما يثبت خبر سدرة المنتهى وما غشيها، والبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، وما جاء في الأنهار والجنة والكوثر، مع تمييز الروايات الصحيحة من الألفاظ التي اختلط فيها ترتيب المشاهد.
ويعتني عناية خاصة برواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس رضي الله عنه؛ لأنها اشتملت على زيادات خالف فيها المشهور. فينقل كلام الأئمة في اضطراب شريك في هذا الحديث، ويتتبع المواضع التي وقع فيها الاختلاف، ومنها قوله إن الواقعة كانت «قبل أن يوحى إليه»، وتغييره مواضع بعض الأنبياء والأنهار وسدرة المنتهى، ونسبته الدنو والتدلي إلى الله تعالى، وذكر مراجعة أخرى بعد استقرار الصلوات على خمس. وينتهي إلى عدم الاطمئنان إلى ما انفرد به شريك إلا إذا وجد له ما يقويه، مع إبقاء ما وافق فيه الثقات.
ومن خلال هذا النقد يناقش مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، فيرفض الاستدلال بزيادة شريك التي تجعل الدنو والتدلي لله تعالى، ويقرر أن المحفوظ في تفسير الآيات أن الدنو والتدلي متعلقان بجبريل عليه السلام، مستندًا إلى ما صح عن عائشة وابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهم، وإلى حديث أبي ذر رضي الله عنه حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤية ربه فأجابه بما يدل على رؤية النور لا رؤية الذات. ولهذا يرجح تفسير الآيات برؤية جبريل عليه السلام على ما خالفه من الروايات.
ويثبت أصل اتحاد الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، مستندًا إلى الطريق الصحيح الذي يجمع الانتقال من مكة إلى بيت المقدس ثم العروج إلى السماوات، وينقل تأييد البيهقي وابن كثير لذلك. وفي المقابل يتوقف عند بعض الزيادات التي قد توهم تعدد الإسراء، كما في رواية عرض الأنبياء والأمم، ويرى أن ذكر الإسراء في بعض طرقها شاذ؛ لأن الروايات الأوثق خلت منه، فلا يبني على تلك الزيادة قولًا بتعدد الواقعة.
ويميز كذلك بين الروايات التي يثبت بها تفصيل الرحلة وبين القصص التي شاعت في كتب الخصائص والسيرة دون إسناد صالح. فبعض الأخبار المتعلقة بمشاهدة أحوال المعذبين أو المرور بمواضع معينة أو تحديد بعض تفاصيل الطريق يحكم عليها بالضعف أو النكارة إذا كان مدارها على مجهول أو ضعيف أو مختلط، وإن كان أصل معناها قد يجد شاهدًا من طريق آخر. ومن أمثلة منهجه أنه يرد تصحيح بعض من سبقه لطريق إذا رأى أن في إسناده راوياً مختلطًا أو غير موثق، ولا يمنعه اشتهار القصة من بيان ضعف طريقها.
ويبحث أخبارًا فرعية وردت ضمن أحاديث الإسراء، مثل مرور النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفار من نحاس عقوبةً على الوقوع في أعراض الناس، ورؤيته خطباء تُقرض شفاههم أو ألسنتهم بمقاريض من نار لأنهم يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وما ورد في الأمر بالحجامة. وفي كل واحد من هذه الأخبار ينظر إلى مجموع الطرق والشواهد؛ فقد يكون السند المفرد ضعيفًا ثم يقوى الحديث بمتابع أو شاهد صالح، وقد يكون ظاهر الإسناد جيدًا لكن زيادة مخصوصة فيه شاذة لا تثبت.
ويصحح ما ثبت في مواجهة قريش للنبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من الإسراء، ومن ذلك إظهار بيت المقدس له حتى يجيب عن أسئلتهم المتعلقة بصفاته، ويعتمد في ذلك على الروايات الثابتة عن أبي هريرة وجابر وغيرهما رضي الله عنهم. كما يورد وصف الأنبياء عليهم السلام، وصلاته صلى الله عليه وسلم بهم، واختياره اللبن على الخمر وقول جبريل عليه السلام إنه أصاب الفطرة، ويوازن بين اختلاف موضع هذه الواقعة في الروايات من غير أن يجعل اختلاف الترتيب موجبًا لرد أصلها إذا ثبت من طرق صحيحة.
وتكشف طريقة الألباني في الكتاب عن عناية بالفرق بين صحة أصل القصة وصحة كل جزئية من جزئياتها؛ فثبوت الإسراء والمعراج لا يستلزم تصحيح كل ما أُلحق بهما في كتب السيرة والخصائص. لذلك يكثر من مقارنة روايات أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن حبان والحاكم والطبراني والبزار وغيرهم، ويستفيد من أحكام البيهقي وابن كثير وابن حجر والسيوطي وسواهم، لكنه لا يتقيد بأحكامهم إذا انتهى نقده إلى خلافها، فيصحح ما رأى دليله قائمًا، ويُضَعِّف ما لم يثبت، وينبه إلى الأوهام والشذوذ والاختلاط والتفرد.
ويتوقف المصنف عند حديث أبي ذر رضي الله عنه في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤية ربه، وهو آخر ما كتبه الألباني في هذا العمل. وبذلك بقي المشروع غير مكتمل من جهة الخطة التي كان يقصدها بعد مرحلة التخريج، وهي إعادة بناء الأخبار الصحيحة في رواية واحدة متتابعة، بينما اكتملت فيه إلى حد كبير مادة نقد الطرق والروايات التي تناولها، بما يبرز الفروق بين أصل حادثتي الإسراء والمعراج الثابت وبين التفاصيل المتفاوتة بين الصحيح والحسن والضعيف والمنكر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














