
نبذة عن الكتاب:
يَبْحَث عبد العزيز بن محمَّد بن علي آل عبد اللَّطيف في هذا الكتاب حقيقة المذهب الإباضي وصلته بالخوارج، وينطلق من ملاحظة نشاط أتباع الإباضيَّة في نشر تراثهم والدِّفاع عن مذهبهم ونفي انتسابهم إلى الخوارج، فيجعل غرضه التَّعريف الموجز بهذه الطَّائفة، وفحص مصادر تلقِّيها، ثمَّ مقارنة أصولها العقديَّة والسِّياسيَّة بأصول الخوارج لمعرفة مقدار الاتِّفاق بينهما.
ويُعَرِّف الإباضيَّة بأنَّهم أصحاب عبد اللَّـه بن إباض التَّميمي، ويذكر اتِّصاله في مرحلة من تاريخه بنافع بن الأزرق ثمَّ افتراقه عنه بسبب تشدُّد الأخير في معاملة المخالفين، كما يشير إلى انتساب الإباضيَّة إلى جابر بن زيد مع نقل تبرُّئه منهم. ويعرض تعدُّد فرق الإباضيَّة، فيذكر الحفصيَّة واليزيديَّة والحارثيَّة، ويخصُّ اليزيديَّة بالتَّنبيه إلى ما نُسب إلى إمامها يزيد بن أنيسة من القول ببعثة رسول من العجم ونزول كتاب جديد عليه، مع بيان أنَّ أكثر الإباضيَّة تبرَّؤوا من هذه المقالة.
ويجعل «مسند الرَّبيع بن حبيب» محورًا رئيسًا في دراسة مصدر التَّلقِّي عند الإباضيَّة؛ إذ يذكر منزلته لديهم بوصفه من أهمِّ مصادرهم بعد القرآن الكريم، ثمَّ يناقش نسبة الكتاب ورواته ومادَّته الحديثيَّة، ويعترض على ما فيه من أخبار منقطعة وأحاديث يَعُدُّها موضوعة أو غير ثابتة، وعلى افتقاده ـ بحسب عرضه ـ إلى ما يوضِّح تراجم رجاله ويوثِّق نسبة مادَّته. كما يتتبَّع ما يتضمَّنه من مسائل عقديَّة تتعلَّق بالصِّفات الإلهيَّة، فيذكر نفي رؤية الله تعالى في الآخرة، وتأويل اليد بالقدرة، ونفي الاستواء والعين والنَّفس، وينتقد ما يراه تعطيلًا لصفات الله تعالى.
ويبحث موقف الإباضيَّة من السُّنَّة النَّبويَّة، فيناقش الخبر المنسوب إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في عرض ما يُروى عنه على القرآن الكريم وقبول الموافق وردِّ المخالف، ويُقَرِّر أنَّ هذا الخبر غير ثابت، ويرى أنَّ الاستناد إليه يفضي إلى ردِّ أحاديث صحيحة. ويشير كذلك إلى عدم قبول خبر الآحاد في أبواب الاعتقاد عند الإباضيَّة بتأثُّرهم بالمسلك الكلامي، ويربط ذلك بمنهجهم في التَّعامل مع بعض النُّصوص الحديثيَّة المخالفة لأصولهم.
ويتناول نماذج من الأحكام والتَّأويلات الواردة في مصادر الإباضيَّة، فيذكر إنكار المسح على الخفَّين، ويناقش ما يَعُدُّه تأويلًا متكلَّفًا لبعض الأحاديث. ويستشهد بأقوال لبعض شيوخ الإباضيَّة المعاصرين في أحاديث مرتكب الكبيرة والخروج من النَّار، فيعترض على حمل حديث دخول الموحِّد الجنَّة مع وقوعه في الزِّنا والسَّرقة على من تاب خاصةً، وعلى تفسير الخروج من النَّار لمن كان في قلبه مثقال ذرَّة من إيمان بمعنى عدم دخولها أصلًا، ويرى أنَّ هذه التَّأويلات ناشئة عن تقديم الأصل المذهبي على ظاهر النُّصوص.
ويجعل التَّأويل من القضايا المركزيَّة في نقده للمذهب، فيذكر تأويل الميزان بالعدل وتأويل الصِّراط وغيره من أخبار الغيب، ويربط هذه الممارسة بمسالك فرق كلاميَّة أخرى. ويؤكِّد أنَّ الأصل عنده حمل النُّصوص على ما دلَّت عليه من غير تأويل يصرفها عن معانيها بلا دليل، مستشهدًا بكلام ابن أبي العز الحنفي في التَّحذير من التَّأويل الفاسد وآثاره في الافتراق العقدي والسِّياسي.
ثمَّ ينتقل إلى السُّؤال الذي جعله عنوانًا للكتاب: هل الإباضيَّة من الخوارج؟ فيقارن بين عقائد الطَّائفتين بدل الاكتفاء بمجرَّد النِّسبة التَّاريخيَّة. ويبدأ بعبد اللَّـه بن إباض نفسه، فيذكر أنَّه اعتبر نفسه امتدادًا للمحكِّمة الأولى في رسالته إلى عبد الملك بن مروان، ثمَّ يستعرض ما يراه من قواسم عقديَّة مشتركة بين الإباضيَّة والخوارج.
ويذكر في باب التوحيد قول الإباضيَّة بخلق القرآن في مصادرهم القديمة والحديثة، ويربطه بما نُقل عن الخوارج من القول نفسه. كما يضع موقفهم من الصِّفات الإلهيَّة ضمن دائرة التَّعطيل، مستدلًّا بإنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة وتأويل الاستواء واليد وسائر الصِّفات، ويقارن ذلك بما نُقل عن الخوارج من موافقتهم للمعتزلة في باب الصِّفات.
ويُفَصِّل في باب الأسماء والأحكام، فيذكر أنَّ الإباضيَّة يحكمون على مرتكب الكبيرة في الدُّنيا بما يسمُّونه «كفر نعمة» أو «كفر نفاق»، مع قولهم بتخليده في النَّار إذا مات على كبيرته من غير توبة. ويجعل هذا من أبرز أوجه الاتِّفاق بينهم وبين الخوارج والمعتزلة في الوعيد، مع اختلاف العبارة المستعملة في الحكم على صاحب الكبيرة في الدُّنيا.
ويربط بهذا الأصل إنكارهم الشَّفاعة لعصاة الموحِّدين؛ لأنَّ القول بتخليد مرتكب الكبيرة في النَّار لا ينسجم عندهم مع خروجه منها بالشَّفاعة. ويردُّ على ذلك بما ورد في أحاديث الشَّفاعة لأهل الكبائر وخروج الموحِّدين من النَّار، ويجعل رفض تلك الأحاديث أو تأويلها ثمرةً مباشرةً لأصلهم في الوعيد.
ويناقش الجانب السِّياسي في المذهب، فيذكر تجويز الإباضيَّة الخروج على أئمَّة الجور، وما يقع في بعض كتبهم من الطَّعن في معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، وعدم اشتراط بعضهم القرشيَّة في الإمام، ويربط هذه المواقف بما عُرف عن الخوارج الأوائل. كما يشير إلى دفاع بعض الإباضيَّة عن الخوارج في وقائع النَّهروان، ويعدُّ ذلك قرينةً أخرى على استمرار الصِّلة التَّاريخيَّة والفكريَّة بينهم.
ويخلص من مجموع هذه القواسم إلى عدِّ الإباضيَّة فرقةً من فرق الخوارج، لا بمعنى تطابقها مع أشدِّ فرقهم كالأزارقة في جميع المسائل، بل من جهة الاشتراك في أصول يراها جوهريَّة: خلق القرآن، وتعطيل الصِّفات، وإنكار الرُّؤية، والقول بخلود مرتكب الكبيرة في النَّار، وإنكار الشَّفاعة للعصاة، وتجويز الخروج على أئمَّة الجور، إلى جانب الصِّلة التَّاريخيَّة بالمحكِّمة الأولى.
ويختم بدعوة أتباع الإباضيَّة إلى التَّجرُّد في طلب الحقِّ والرجوع إلى القرآن الكريم وسُنَّة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بفهم الصَّحابة رضي الله عنهم والسَّلف الصَّالح، وترك التَّقليد والتَّعصُّب للمذهب والرِّجال، وجعل الوحيين أصلًا حاكمًا على الأقوال والموروثات المذهبيَّة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














