
نبذة عن الكتاب:
يُقَعِّد أبو علي الحسن بن شهاب العكبري الحنبلي في هذه الرسالة جملةً مركزة من أمهات المسائل التي يحتاج إليها الفقيه في فهم الأحكام وأدلتها وطرق الاستنباط منها، في متن مختصر استله من كتابه الأكبر «المبسوط» الذي جمع فيه أحكام الفقه وأصوله ومذاهب الأصوليين وأدلتهم والجواب عنها. وتدل الرسالة على طريقة مبكرة في التأليف الأصولي الحنبلي تقوم على مزج التعريفات والقواعد بمواقف المذهب ومسالك الاستدلال، من غير توسع في حكاية الخلاف؛ إذ صرح في خاتمتها بأن الحكم المختلف فيه يستوفي في كتابه المطول خمسة أمور: المذهب، ودليله، ومذهب المخالف، ودليله، والجواب عنه.
ويفتتح المتن بتقسيم أحكام الفقه إلى الواجب والمباح والمحظور والمندوب والسنة والصحيح والفاسد، ثم يَضْبِط كل قسم بحد يكشف أثره في فعل المكلف؛ فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، والفرض والواجب عنده بمعنى واحد، والمباح مأذون في فعله لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه، والمحظور على الضد من الواجب، والمندوب ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. ويعرّف السنة بأنها «ما رسم ليحتذى»، مع تنبيهه إلى اتساع إطلاقها في الشرع حتى تشمل الطريقة والشريعة، وإن غلب في اصطلاح الفقهاء استعمالها فيما ليس بواجب، ثم يعرف الصحيح بما طابق العقل والنقل والفاسد بخلافه.
ويجعل أدلة الشرع ستة أصول: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة، والقياس، واستصحاب الحال، وقول الصحابي رضي الله عنه. وفي بحث الكتاب يتناول طرائق دلالته من المحكم والمتشابه والمجمل والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ، إلى جانب الخاص والعام وغيرهما من مباحث الألفاظ التي يشرحها في أثناء الرسالة. فالمحكم ما استغنى معناه عن بيان زائد أو تأبد حكمه، والمتشابه ما افتقر فهمه إلى تفكر وقرائن تزيل إشكاله، والمجمل ما لا يبين المراد بنفسه ويحتاج إلى مفسر، والمطلق يتناول فردًا غير معين من حقيقة مشتركة، بينما يزيد المقيد وصفًا يضيق ذلك الإطلاق.
ويتعامل مع السنة بوصفها جارية في كثير من وجوه الدلالة مجرى الكتاب، مع اختصاصها بالفعل النبوي والتقرير. فأفعال النبي صلى الله عليه وسلم موضع للاقتداء بحسب ما تدل عليه القرائن من إيجاب أو ندب أو إباحة، أما تقريره قولًا أو فعلًا فيدل على الجواز؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مبعوث لبيان الشريعة، فلا يقر ما لا يجوز شرعًا. ويستشهد لإقرار القول بما وقع في قصة ماعز، ولإقرار الفعل بما وقع من جواري بني النجار من الضرب بالدف والإنشاد بحضرته صلى الله عليه وسلم من غير نهي.
ويعرّف الإجماع باتفاق علماء العصر على حكم النازلة، ويجعل من طرق معرفته التصريح من الجميع، أو قول بعضهم وسكوت الباقين حتى ينقرض العصر، فيثبت بذلك اعتبار الإجماع السكوتي عند تحقق شروطه. ويقرر حجيته ويربطها بعصمة جماعة الأمة من الاجتماع على الضلالة، فيكون الإجماع دليلًا ملزمًا بعد الكتاب والسنة، لا مجرد اتفاق تاريخي للفقهاء. ثم يبني على هذه الأصول الانتقال إلى القياس بوصفه طريقًا لإلحاق غير المنصوص بالمنصوص عند اتحاد المعنى المؤثر في الحكم.
ويُفَصِّل في صناعة القياس والعلة وما يتصل بها من الاجتهاد، فيعرّف العلة بمناط الحكم، ثم يقسم الاجتهاد المتعلق بالمناط إلى تحقيق وتنقيح وتخريج. فتحقيق المناط قد يكون بتطبيق قاعدة كلية منصوصة أو مجمع عليها على أفرادها بعد التثبت من وجود وصفها في الواقعة، كتعيين العدالة ومقدار الكفاية، وقد يكون بمعرفة وجود علة ثبتت بالنص أو الإجماع في فرع جديد. وبهذا لا يجعل الاجتهاد رأيًا منفلتًا، بل عملية محددة تبدأ بثبوت الأصل ومعناه ثم التحقق من انطباقه على الجزئية المراد حكمها.
ويمتد نظره في القياس إلى طرائق فحص العلل والاعتراض عليها، وما يستعمله الأصوليون من الطرد والعكس والنقض والقلب والسبب ونحوها من المصطلحات التي تضبط صحة الانتقال من الأصل إلى الفرع. ويظهر من هذا القسم أن معرفة الحكم لا تنفصل عنده عن معرفة وجهه؛ فليس المراد مجرد العثور على شبه بين مسألتين، وإنما إثبات المعنى الذي دار عليه الحكم وتنقيته من الأوصاف التي لا أثر لها، ثم التحقق من وجوده في الفرع. ولهذا يحتل النظر في المناط موقعًا بارزًا من القسم الاجتهادي في الرسالة.
ويبحث الاستصحاب بوصفه أحد أصول الاستدلال عند فقد الناقل عن الحالة السابقة، كما يثبت لقول الصحابي رضي الله عنه منزلة خاصة؛ فالمنقول عنه في الرسالة أن قول الصحابي رضي الله عنه إذا لم ينتشر يكون حجة مقدمة على القياس. ولا يسوي بذلك بين جميع الآثار والآراء، وإنما يضع قول الصحابي رضي الله عنه ضمن سلم الأدلة التي يرجع إليها المجتهد قبل العدول إلى مجرد القياس، وهو ما يكشف عن حضور المأثور في بنية الاستنباط الحنبلي التي تمثلها الرسالة.
ويضم المتن كذلك طائفة من الحدود التي تكشف أدوات النظر والمناظرة، كتعريف الأمر والنهي والنص والظاهر والخبر والصدق والنظر والجدل والرأي والتقليد والاستحسان ومفهوم الخطاب ولحن القول، فلا يقتصر على مصادر الأحكام بل يشرح لغة الصناعة الأصولية التي يتعامل بها الناظر مع النص والحجة والمخالف. وفي هذا الجانب تتصل مباحث الألفاظ بمباحث الاستدلال والمناظرة: فالنص يوزن من جهة ظهوره واحتماله، والحجة من جهة دلالتها، والاعتراض من جهة تأثيره في العلة أو الدليل، حتى يستقيم الانتقال من فهم اللفظ إلى إثبات الحكم.
ويختم العكبري رسالته بقاعدة عملية في دراسة مسائل الخلاف، فيقرر أن الحكم المختلف فيه يحتاج إلى تحرير المذهب، وإقامة دليله، ومعرفة قول المخالف ودليله، ثم الجواب عنه. ولم يطِل تطبيق هذا المنهج في المختصر خشية الإكثار، بل أحال من أراد الاستيعاب إلى «المبسوط» الذي أودع فيه الفقه والأصول ومذاهب الأصوليين وأدلتهم ومناقشتها، فجاءت الرسالة خلاصةً لآلة النظر التي يهيئ بها طالب الفقه نفسه لفهم ذلك التفصيل وممارسته.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














