يجعل ابن رجب الحنبلي هذه الرسالة شرحًا موسعًا للخبر الوارد في أن الحمى من جهنم وأن ما يصيب المؤمن منها يكون حظه من النار، فيبدأ بتتبع طرق الحديث واختلاف رواته، فيذكر روايات أبي أمامة وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنها وعثمان بن عفان رضي الله عنه وأبي ريحانة وأنس رضي الله عنه وابن مسعود رضي الله عنه، ويميز بين المرفوع والموقوف والمرسل، وينبه إلى ما في بعض الأسانيد من ضعف أو وهم، قبل أن ينتقل إلى بيان المعنى الذي ينتظم هذه الروايات. ويقرر أن الله تعالى أرى عباده في الدنيا آثارًا من الجنة والنار، فمن آثار النار شدة الحر والبرد، ومن ذلك الحمى التي ورد أنها من فيح جهنم، ويذكر أنها حارة وباردة، رابطًا الأولى بسموم جهنم والثانية بزمهريرها. ثم يفسر كون الحمى حظ المؤمن من النار بأن ألمها يكفر الخطايا ويطهر المؤمن من خبث الذنوب، حتى لا يحتاج إلى ذلك التطهير في نار الآخرة إذا تحقق إيمانه ولم تبق عليه ذنوب تتطلب التطهير، ويعضد هذا المعنى بالنصوص الواردة في أن الأسقام والأوجاع تكفر السيئات، وبخاصة قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحمى إنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد. ويورد ما جاء في خروج المؤمن من ذنوبه بالوعك والحمى، واستمرار كتابة حسناته التي كان يعملها في الصحة إذا منعه المرض منها، ويفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم للمريض «طهور إن شاء الله» بهذا المعنى، ثم يقابل ذلك بحال الأعرابي الذي رد وصف الحمى بالطهور وتشاءم منها. ومن هنا يصل إلى مسألة ورود النار المذكور في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}، فيذكر قول من فسر الورود بالمرور على الصراط وقول من فسره بالدخول، ثم يقرر أن كامل الإيمان لا يتأذى بحر النار على كلا القولين، فيكون إحساس المؤمن بحر الحمى في الدنيا هو الحظ الذي لقيه من حرارة النار، أما من نقص إيمانه فقد يناله عند الورود من الأذى بقدر نقصه.
ويتتبع ابن رجب بعد ذلك ما يكشف منزلة المرض في حياة المؤمن، فيذكر شدة الحمى على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن وعكه كان كوعك رجلين لما له من مضاعفة الأجر ورفعة الدرجة، ويصل ذلك بقاعدة أن الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل. ويورد الأخبار التي جعلت إصابة المؤمن بالحمى والصداع من أمارات الابتلاء الذي يطهره، ثم يتوسع في الأخبار المتعلقة بالمدينة وأهل قباء؛ فيذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار الحمى لأمته في بعض الروايات، وأن جبريل جاء بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسل الطاعون إلى الشام، ثم يفرق بين الحمى المعتادة وبين الوباء الذي كان في المدينة أول الهجرة ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقل إلى الجحفة، فلا يجعل كل حمى وباءً. ويورد خبر أهل قباء حين عرض عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله تعالى بكشف الحمى أو يتركها لهم طهورًا فاختاروا بقاءها، ثم يذكر من أحوال السلف من أحب الحمى أو دعا بها لما عرف من تكفيرها للذنوب، كأُبي بن كعب رضي الله عنه، وأقوال أبي هريرة رضي الله عنه والإمام أحمد في فضلها. لكنه لا يجعل ذلك دعوة إلى طلب المرض؛ بل يستدرك صراحة بأن المشروع سؤال الله تعالى العافية لا سؤال البلاء، ويستشهد بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعافية، ونهيه عمن سأل تعجيل العقوبة أو سأل الصبر بمعنى طلب البلاء، وبقوله إن العافية أوسع للعبد. ومن هذا الأصل ينتقل إلى النهي عن تمني الموت، لأن تمني الحمى من حيث كونها «بريد الموت» يشبه استعجال البلاء، ويورد قول ابن عمر رضي الله عنهما لمن تمنى الموت أن يسأل الله تعالى العافية، وحديث أن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله تعالى الإنابة. وينتهي الكتاب بأخبار تصف الحمى بأنها «رائد الموت» و«بريد الموت» و«سجن الله تعالى في الأرض» للمؤمن، فيظل المعنى الأخير جامعًا لما سبقه: ليست قيمة الحمى في الألم نفسه، وإنما فيما يصحبها من صبر ورضا وتكفير ورفع للدرجات، مع بقاء العافية هي المطلوب المشروع قبل نزول البلاء.