يَعرض أبو محمد الجويني في هذه الرسالة خلاصةَ ما انتهى إليه بعد حيرةٍ في 3 مسائل عقدية: صِفات الله تعالى، والعُلُوّ والفوقية والاستواء، والحرف والصوت في القرآن الكريم. ويذكر أن منشأ حيرته كان اختلاف ما وجده في كتب أهل عصره بين تأويل الصِّفات، وإمرارها أو الوقوف فيها، وإثباتها من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، مع ما كان يراه في القرآن والسُّنَّة من النصوص الدالة عليها. ويصرح بأن عددًا من شيوخه من فقهاء الأشعرية الشافعية كانوا يتأولون الاستواء بالاستيلاء، والنزول بنزول الأمر، واليدين بالقدرة أو النعمة، ويجعلون كلام الله تعالى معنى قائمًا بالذات بلا حرف ولا صوت؛ بينما لم يطمئن قلبه إلى هذه التأويلات، فكتب رسالته نصيحةً لإخوانه وبيانًا لما استقر عليه اعتقاده.
ويستهل تقريره للعُلُوّ والفوقية بالتنزيه، فيقرر أن الله تعالى كان ولا مكان ولا عرش ولا سَماء، وأن الجهات من لوازم العالم المخلوق لا من أوصاف القِدَم، ثم يثبت بعد خلق العالم علوَّ الله تعالى على خلقه واستواءه على عرشه على وجه يليق بجلاله، من غير أن يكون ذلك حصرًا أو حلولًا أو مماثلةً لفوقية الأجسام. ويكثر في هذا الباب من الاستدلال بآيات الاستواء والعروج والفوقية، وبالأحاديث والآثار التي يراها دالةً على ذلك، ثم يقرر أن حقيقة الصفة تُثبت إجمالًا، أما كيفيتها فلا تُدرَك. ويستعين كذلك بتصور هيئة العالم والعلو والسفل ليقرب معنى الفوقية، مع تأكيده المتكرر أن الإشارة إلى العلو لا تعني إحاطة جهة بالله تعالى أو تحديد ذاته.
ويجعل هذه القاعدة شاملةً لسائر الصِّفات؛ فكما يُثبت السمع والبصر والعلم والحياة لله تعالى من غير أن يجعلها كصفات المخلوق، فكذلك يثبت الاستواء والنزول والوجه واليدين والقدم والضحك والتعجب من غير تكييف ولا تمثيل. ويحتج على المتأولين بأن إثبات السمع والبصر لا يستلزم إثبات الجوارح والأعراض، فكذلك إثبات الاستواء واليد والنزول لا يستلزم الحركة أو الأعضاء أو خصائص الأجسام. ومن هنا يرفض 3 مسالك معًا: التأويل الذي يصرف الصفة عن مدلولها، والتشبيه الذي يكيفها على مثال صفات الخلق، والوقوف الذي يمتنع عن إثبات ما ورد به النص؛ ويجعل الطريق الذي اختاره إثبات الصفة كما وردت مع تنزيه الله تعالى عن الكيفية والتمثيل.
ويُجري مسألة الحرف والصوت على الأصل نفسه، فيقرر أن الله تعالى تكلم بالقرآن بحروفه، وأن له صوتًا يُسمع على الوجه اللائق به، من غير حاجة إلى حلق أو حنجرة أو جارحة كما يحتاج المخلوق. ويفرق بين كلام الله تعالى وبين أداء القارئ له؛ فالقارئ مُبلِّغ للكلام لا منشئ له، ولذلك يناقش مسألة «اللفظ بالقرآن»، وينقل المنع من إطلاق القول بأن لفظ القارئ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق لما في العبارة من إجمال، داعيًا إلى الوقوف حيث وقف السلف. وهكذا تنتظم الرسالة حول قاعدة واحدة يطبقها الجويني على الصِّفات والعُلُوّ والكلام: إثبات ما جاءت به النصوص، مع نفي الحصر والتشبيه والتكييف، ورفض التأويل الذي يراه مُفضيًا إلى تعطيل مدلولها.