يَجمع السَّموأل بن يحيى المغربي في كتابه «بذل المجهود في إفحام اليهود» بين السيرة الذاتية والمناظرة الدينية؛ فيستهلّه ببيان نشأته في بيتٍ يهودي عريق في علوم التوراة، وتعلّمه العبرية وتفاسير كتب اليهود، ثم اشتغاله بالرياضيات والهندسة والطب، ويشرح الطريق الفكري الذي انتهى به إلى الإسلام. فقد دفعته مطالعة أخبار النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما أدركه من إعجاز القرآن الكريم، والنظر العقلي في حُجج الأديان إلى مراجعة ما ورثه عن آبائه، فانتهى إلى أن مجرّد التقليد لا يصلح دليلًا على صحة الاعتقاد، وأن التواتر الذي يُحتج به لإثبات نبوة موسى عليه السلام قائم كذلك في نبوة عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم. ويؤكد أن انتقاله إلى الإسلام سبقته حُجج وبراهين، وأن ما رآه بعد ذلك في المنام كان باعثًا على إعلان إسلامه لا أصلًا لإثباته.
ويصرّح السموأل بأن غرضه الأقصى الردُّ على اليهود وإظهار فساد ما يحتجون به، غير أنه يختار أن تكون مناظرته لهم من داخل أصولهم ونصوصهم التي يتداولونها، مستفيدًا من معرفته باللغة العبرية والتوراة وتفاسيرها. ويبدأ بمسألة النَّسخ التي عدّها من أعظم موانعهم عن قبول الشرائع اللاحقة، فيستدل من التوراة نفسها على وقوع تغيّر الأحكام بين الشرائع؛ كتشريع القصاص لنوح عليه السلام، والختان لإبراهيم عليه السلام، ثم تحريم أعمالٍ في السبت كانت قبل ذلك مباحة. ومن هنا يقرر أن وقوع النَّسخ لا يستلزم التناقض، لأن الأمر والنهي إذا تعلّقا بزمنين مختلفين لم يكونا متعارضين، وأن ثبوت رسالة نبيّ بالبينات يقتضي قبول ما يأتي به من تشريع ولو غيّر بعض أحكام الشريعة السابقة.
ثم ينتقل إلى إثبات نبوة عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم بالحُجج العقلية وبنصوص التوراة. فيلزم اليهود بأن الطريق الذي يثبتون به نبوة موسى عليه السلام، وهو التواتر، لا يسوغ معه رد نبوة غيره لمجرد مخالفة الموروث، ثم يستخرج من النص العبري مواضع يجعلها بشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ومن أبرزها خبر النبي الذي يُقام «من وسط إخوتهم»، وما ورد في سيناء وسيعير وفاران، ويربط فاران بإسماعيل عليه السلام وبمكة، فيجعل الإشارة إلى ظهور النبوة من جبالها بشارةً بالنبي صلى الله عليه وسلم. وتمتاز هذه المواضع بإيراد العبارة العبرية ثم ترجمتها ومناقشة الاعتراضات التي يمكن أن يوردها اليهود على دلالتها.
ويتسع الكتاب بعد ذلك لنقد جملة من الدعاوى والعادات الدينية عند اليهود؛ فيناقش دعوى اختصاصهم بمحبة الله تعالى واصطفائه، ويتعقب ما نُسب إلى الأنبياء والأشخاص في كتبهم، وينتقد ما يَعُدّه من زيادات الأحبار وتشديداتهم التي لم ينص عليها أصل التوراة، ولا سيما ما ترتب عليها من المبالغة في مفارقة سائر الأمم في المطاعم والمخالطة وغيرها. ويعرض كذلك تفرّق اليهود واختلاف طوائفهم، ويستفيد من معرفته الداخلية بعاداتهم وعلومهم ومصطلحاتهم في توجيه الحجاج إليهم. فـ«بذل المجهود» ليس ردًّا جدليًّا مجردًا، بل شهادةُ عالمٍ نشأ في اليهودية وأحكم جانبًا من علومها، ثم أعاد محاكمة موروثه بالعقل والنقل، وصاغ احتجاجه على خصومه من نصوصهم العبرية وأصولهم نفسها، جامعًا بين نقد التقليد، وإثبات إمكان النَّسخ، والاستدلال للنبوات، وتعقّب ما استحدثه الأحبار من أحكام وممارسات.