مكتب الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

قراءة وتحميل كتاب استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس لابن رجب الحنبلي PDF
قراءة وتحميل كتاب استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس لابن رجب الحنبلي PDF

نبذة عن الكتاب:

يؤصّل ابن رجب الحنبلي في كتابه «استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس» مقام محبة الله تعالى، ويقيمه على التوازن بين المحبة والخوف والرجاء، فلا يجعل المحبة دعوى وجدانية منفصلة عن العبادة والطاعة، ولا يقبل أن ينفرد الخوف أو الرجاء بالقلب ويُهمَل ما سواهما. ويقرر منذ مقدمته أن العبادة مبناها على هذه الأصول الثلاثة مجتمعة، ثم يتعقب ما وقع فيه بعض المنتسبين إلى السلوك من توسع في الحديث عن المحبة بغير استدلال من الكتاب والسنة، أو من استعمال أشعار العشق البشري وحكايات العشاق فيما لا يلائم مقام العبودية، أو من دعاوى وشطحات لا تشهد لها الطاعة والاستقامة.

ولهذا صرح بأنه جمع ما ورد في الكتاب والسنة، وكلام أعيان سلف الأمة ومن سلك طريقهم، في محبة الله تعالى وعلاماتها وأسبابها ولوازمها ومقتضياتها، ورتبه في 12 بابًا. فيبدأ بوجوب المحبة ودرجاتها، ثم سؤال الله تعالى إياها والأسباب الجالبة لها وعلامات صدقها، ويتدرج بعد ذلك إلى محبة القرآن والأنس بالله تعالى، وقيام الليل والمناجاة، والشوق إلى اللقاء، والرضا بالأقدار، وخوف المحبين، وفضل أهل المحبة، وينتهي بمجموعة من كلمات السلف وأهل العبادة التي تلخص الطريق الذي عرضه في أبوابه.

ويبدأ الباب الأول بإثبات أن محبة الله تعالى فرض، وأنها مقدمة على محبة الأموال والأهل والنفس وسائر الخلق، ويربط محبة النبي صلى الله عليه وسلم بمحبة الله تعالى؛ إذ تكون بطاعته واتباعه وتعظيم ما بلغه عن ربِّه. ومن ثمار ذلك حلاوة الإيمان، والحب في الله تعالى والبغض فيه، بحيث لا تبقى المحبة شعورًا خاصًا منعزلًا عن حركة الإنسان، بل تدخل في اختياراته وولائه وطاعته وموقفه مما يحبه الله تعالى وما يبغضه.

ثم يقسم محبة الله تعالى إلى درجتين. الأولى فرض لازم، تقتضي فعل الواجبات، واجتناب المحرمات، وقبول ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والتسليم له، ومحبة الأنبياء والصالحين من أجل الله تعالى، ومخالفة ما يناقض ذلك. أما الثانية فهي درجة السابقين المقربين؛ وفيها تتجاوز المحبة حد الواجب إلى الإقبال على النوافل، والورع عن دقائق المكروهات، والرضا بما يجري من الأقدار المؤلمة. وبذلك يجعل كمال المحبة متدرجًا بحسب كمال الموافقة والطاعة، لا بحسب شدة الدعوى أو كثرة التعبير عنها.

ولا يعني هذا أن وقوع المذنب في معصية ينفي عنه أصل المحبة دائمًا؛ فقد يجتمع أصل الحب مع ضعف يوقع في التفريط، لكن المحبة الصادقة تمنع من الرضا بالإصرار على المعصية. فإذا زل صاحبها رجع إلى نفسه باللوم، ونزع عن ذنبه، واستدركه بالتوبة والعمل الصالح. ولهذا يفرق ابن رجب بين وقوع الضعف العارض وبين اتخاذ المحبة ذريعة إلى ترك الحدود؛ فالأول يعالج بالتوبة، أما الثاني فينقض المعنى الذي يدعيه صاحبه.

ويفرد الباب الثاني لسؤال الله تعالى محبته، مستفتحًا بالدعاء النبوي الذي يجمع سؤال حب الله تعالى، وحب من يحبه، وحب العمل الذي يقرب إلى حبه. ثم يورد أدعية أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف تتكرر فيها هذه المطالب، ويقترن الحب فيها بالخشية والإيمان والرضا والشوق والطاعة. فالعبد لا ينتظر المحبة بوصفها حالًا تطرأ عليه من غير سبب، بل يسأل ربه أن يرزقه إياها وأن يجعلها أحب إليه من نفسه وأهله ومحبوبات الدنيا.

وفي الباب الثالث يبحث عن الأسباب التي تنمي هذا الحب، فيقدم معرفة نعم الله تعالى وإحسانه؛ لأن القلوب مجبولة على محبة من أحسن إليها. ثم يرتقي من معرفة النعمة إلى معرفة المنعم، فيجعل معرفة الله تعالى من أعظم منابع المحبة، ويصل إليها بالتفكر في خلق السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار وتدبير الكون، واستحضار ما تدل عليه الآيات من عظمته وقدرته ورحمته وكماله.

ويعطي التفكر مكانة بارزة؛ لأن المعرفة كلما قويت قويت معها المحبة ولذة الطاعة. ولذلك يورد عن السلف تفضيل طول الفكرة والاعتبار في نعم الله تعالى وآياته، ثم يصل المعرفة بالذكر: فمن عرف الله تعالى تلذذ بذكره، وقد يصبح الذكر أحب إلى قلبه من لذات الدنيا. ولا يعرض هذه الأحوال لمجرد وصف الانفعال، بل يجعلها ثمرة لمعرفة تتولد منها العبادة والخشية والتعظيم.

ويضم إلى ذلك الصدق والإخلاص ومخالفة الهوى، وإيثار رضا الله تعالى على مراد النفس، وكثرة الذكر مع حضور القلب، وتلاوة القرآن بالتدبر، ولا سيما الآيات المتضمنة لأسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله. كما يجعل التفكر فيما أعد لأهل الجنة من القرب والرؤية والنعيم القلبي باعثًا على المحبة والشوق. وهكذا تتجمع أسبابها عنده في المعرفة، والتفكر، والذكر، والقرآن، والإخلاص، ومجاهدة الهوى.

ثم يختبر صدق هذه المحبة في الباب الرابع بعلاماتها العملية. ويستند إلى الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى صفات من يحبهم الله تعالى من الذلة للمؤمنين والعزة على الكافرين والجهاد وعدم الخوف من لوم الناس في الحق. وينقل جملة من العلامات التي تجمع دوام الذكر، وتقديم محبة الله تعالى على محبة النفس والخلق، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والرضا عنه في الشدائد، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.

ويضع اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في قلب هذا الاختبار؛ فمحبته الواجبة تقتضي قبول ما جاء به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما نهى، ونصرة دينه بحسب الاستطاعة، ثم ترتقي المحبة المستحبة إلى الاقتداء به في الفضائل والنوافل والزهد والاستعداد للآخرة. ولهذا تصبح مخالفة الهوى وإيثار ما يحبه الله تعالى مقياسًا أدق من الكلمات؛ فإذا امتلأ القلب بالمحبة دفعت الجوارح إلى ما يقرب من الله تعالى وأضعفت سلطان الشهوة المخالفة لأمره.

ويخص الباب الخامس بكلام الله تعالى، فيجعل محبة القرآن من أوضح علامات المحبة، لأن المحب يستلذ بكلام محبوبه ويكثر منه. فيورد آثارًا تربط بين حب القرآن وحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويصف القرآن بأنه غذاء للقلب وموضع للمناجاة والتلذذ. وليست العبرة بكثرة التلاوة وحدها؛ فقد سبق أن جعل التدبر والتفكر من أسباب المحبة، فيلتقي هنا تكرار القراءة مع فهم الخطاب واستشعار القرب من قائله.

أما الباب السادس فيتناول الأنس بالله تعالى، ويصله بحديث الإحسان: أن يعبد العبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه. ويفرق من خلال كلام السلف بين مقام الإخلاص القائم على استحضار اطلاع الله تعالى على العبد، وبين مقام أرفع يغلب فيه حضور المعرفة على القلب حتى يستوحش صاحبه مما يشغله عن الله تعالى ويأنس بذكره وكتابه والعلم النافع. ومن آثار هذا الأنس عنده قلة التعلق بالخلق، والاكتفاء بالله تعالى في الرجاء والخوف والشكوى، من غير أن يجعل ذلك إلغاءً لحقوق الناس أو انقطاعًا عن الإحسان إليهم.

ويتحول الأنس في الباب السابع إلى سهر ومناجاة؛ فيصور قيام الليل باعتباره خلوةً يأنس فيها المحب بذكر ربه وقراءة كلامه ودعائه، ويجمع أخبارًا عن عباد طال قيامهم وبكاؤهم وذكرهم في الأسحار. والمقصود ليس مجرد مجاهدة النوم، بل ما يقع في الخلوة من انقطاع الشواغل وحضور القلب، حتى يصبح الليل عند أهل هذا المقام وقتًا للمناجاة لا فراغًا ينتظرون انقضاءه.

ومن الأنس تنشأ منزلة الشوق التي يفرد لها الباب الثامن. ويعرّف الشوق إلى لقاء الله تعالى بأنه درجة رفيعة تثمرها قوة المحبة، ويستدل بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم لذة النظر إلى وجه الله تعالى والشوق إلى لقائه من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. وهنا يميز الشوق المشروع عن تمني الموت بسبب ضرر الدنيا؛ فالمطلوب شوق ناشئ عن المحبة وصفاء الرغبة في اللقاء، لا فرارًا من شدة عارضة ولا اعتراضًا على الحياة.

ويعقب الشوقَ بالرضا في الباب التاسع، فيبحث حال المحب مع الأقدار التي تؤلمه. ويجمع بين حديث الابتلاء والرضا وبين أخبار من حملتهم المحبة على الصبر عند الفقر والموت وفقد الأحبة، حتى يصبح العطاء والمنع عند تمام الرضا واقعين تحت تدبير محبوب واحد. ولا يعني وصف بعض المقامات العالية بأن أهلها «يتنعمون» بالبلاء طلب البلاء لذاته، بل يشرح كيف يخف وقع المكروه عندما يغلب التسليم وحسن الظن بتدبير الله تعالى على منازعة النفس واختيارها.

ثم يمنع حديث المحبة والرضا من أن يتحول إلى أمن وغرور، فيعقد الباب العاشر لخوف المحبين العارفين. ويجعل خوفهم أعمق من مجرد الخوف من ألم النار؛ فهم يخافون ظلمة الذنب وقسوة القلب والحجاب عن الله تعالى، ويتذكرون العرض عليه والحياء منه وسوء عاقبة المعصية. ولذلك يؤكد أن علماء السلف جمعوا المحبة إلى شدة الخوف، ويحذر من دعاوى الشوق والمحبة التي لا يصاحبها خوف، لما قد تفضي إليه من الشطح والإدلال أو الاستهانة بالتكليف.

ويعود بهذا إلى الأصل الذي افتتح به الكتاب: المحبة لا تستغني عن الخوف والرجاء. بل يذكر أن بعض السلف قدموا الخوف في تزكية النفس؛ لأن القلب قد يدعي الشوق وهو لم يتطهر بعد من آثار الذنوب. ومن هنا يصبح الخوف حافظًا للمحبة من الغرور، والرجاء حافظًا لها من القنوط، والمحبة روحًا تدفعهما إلى الطاعة والقرب.

وفي الباب الحادي عشر يعرض شرف أهل المحبة، ويجعل من أعظم ما يستدل به قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت». لكنه يمنع فهم هذه المعية على أنها إعفاء من العمل؛ فالمحبة الصحيحة تقتضي المشاركة في أصل طريق المحبوب واتباع آثاره، وإن قصر المحب عن بلوغ درجته في كثرة النوافل. ولذلك يورد التحذير من الاغترار بمجرد قول الإنسان إنه يحب الصالحين مع سلوكه طريقًا يناقض طريقتهم.

ويجعل من آثار المحبة كذلك أن يحب العبد الخير لعباد الله تعالى، ويدعوهم إلى طاعته، ويعطف عليهم وينصح لهم، فلا تكون محبته ذريعة إلى اعتزال حقوق الخلق أو احتقارهم. وتظهر بذلك صلة مقام المحبة بالأخلاق والدعوة والإحسان، لا بالانفعال الفردي وحده.

ويجمع الباب الثاني عشر «نبذًا من كلام أهل المحبة وتحقيقهم»، فيسوق أقوالًا وآثارًا وأخبارًا وأشعارًا تعيد معاني الأبواب السابقة في صور موجزة: محبة الله تعالى وطاعته، وخوفه وخوف معصيته، ورجاؤه، والشوق إلى لقائه، والذكر، والرضا، والتوبة، والزهد، والإخلاص. ويحرص في أثناء ذلك على بقاء المحبة مرتبطة بالطريق الذي رسمه منذ البداية؛ فلا تنفصل عن التقوى ولا تستقل عن الخوف والرجاء.

ويختم الكتاب بكلمات جامعة وأشعار في المحبة، تعود بالقارئ إلى طهارة القلب واليد، والإنابة إلى ذكر الله تعالى، وتعظيم حرماته، والشوق إلى لقائه، والزهد فيما يفوت من الدنيا إذا حصل للعبد حظه من القرب منه. ويتضح من الخاتمة معنى العنوان نفسه؛ فـ«نسيم الأنس» هو ما يستنشقه القلب من آثار القرب والمحبة قبل تمام اللقاء، فتبعثه تلك النفحات على مواصلة السير.

وبذلك لا يصنف ابن رجب «استنشاق نسيم الأنس» في وصف أحوال وجدانية مجردة، بل يجعل المحبة منهج عبودية كاملًا: أصلها معرفة الله تعالى ونِعمه، وغذاؤها الذكر والقرآن والتفكر، وبرهانها الطاعة واتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومخالفة الهوى، وثمرتها الأنس والمناجاة والشوق والرضا، وحارسها الخوف والرجاء. وكلما قويت هذه المعاني انتقلت المحبة من لفظ يدعيه اللسان إلى حال يظهر صدقها في القلب والعمل.



إحصائيات الكتاب
قُرئ 0 مرة حُمِّل 0 مرة
يقرأه 0 الآن انضم معهم
يحمّله 0 الآن انضم معهم

ابن رجب الحنبلي

أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَّلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي: حافظ ومحدّث وفقيه وواعظ، وُلد ببغداد في ربيع الأول سنة 736هـ، ثم قدم دمشق مع والده وهو صغير. اعتنى والده بسماعه الحديث، فأجاز له جماعة من الشيوخ، وسمع بدمشق من ابن الخباز وابن العطار وغيرهما، وبمصر من أبي الفتح الميدومي، وبمكة من فخر الدين عثمان بن يوسف، وسمع من جماعة من أصحاب ابن البخاري، حتى مهر في الحديث وعلومه.

اشتغل بالتدريس والإفادة، ودرّس بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية بدمشق، وسكن المدرسة السكرية بالقصاعين. وعُرف بالزهد والتقلل من مخالطة أصحاب الولايات، فلم يكن يتردد إليهم ولا يشتغل بأمورهم، مع اشتغاله بالتعليم والتصنيف والوعظ. وتدل كتبه على عنايته بالحديث والفقه الحنبلي والرقائق، ولا سيما تحريره لمسائل المذهب وجمعه لأقوال المتقدمين.

خلّف عددًا من المصنفات المشهورة، منها «فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، ولم يتمه وبلغ فيه إلى كتاب الجنائز، و«شرح جامع الترمذي»، و«شرح علل الترمذي»، و«جامع العلوم والحكم» في شرح أحاديث الأربعين النووية وما زاده ابن رجب عليها، و«ذيل طبقات الحنابلة»، و«القواعد الفقهية»، و«لطائف المعارف»، و«أهوال القبور»، و«فضائل الشام»، و«الاستخراج لأحكام الخراج»، و«كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة»، و«الاقتباس من مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس»، و«رياض الأنس»، وله رسائل أخرى في التوحيد والعلم والوعظ.

توفي بدمشق سنة 795هـ، وقد اختلفت المصادر في شهر وفاته؛ فقيل في رجب، وقيل ليلة الاثنين 4 رمضان. وصُلِّي عليه في اليوم التالي ودُفن بباب الصغير إلى جانب قبر أبي الفرج الشيرازي.

عرض النبذة وكتب المؤلف