مكتب الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

قراءة وتحميل كتاب آداب النفوس ويليه كتاب التوهم للحارث بن أسد المحاسبي PDF
قراءة وتحميل كتاب آداب النفوس ويليه كتاب التوهم للحارث بن أسد المحاسبي PDF

نبذة عن الكتاب:

يفتش الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب «آداب النفوس»، ثم في كتاب «التوهم»، باطنَ الإنسان من جهتين متصلتين: دوافع النفس التي تصاحب الطاعة وتفسدها من داخلها، والمصير الذي ينبغي استحضاره حتى لا تستولي الغفلة على القلب. ففي الأول تتجه العناية إلى النية والضمير والهوى والرياء والطمع والمراقبة ومحاسبة النفس، وفي الثاني تتحول ذكرى الآخرة إلى مشاهد متتابعة تبدأ بالموت وتنتهي بنعيم الجنة والشوق إلى الله تعالى، ليظل إصلاح العمل مرتبطًا بتذكر العاقبة التي يصير إليها صاحبه.

يفتتح «آداب النفوس» ببيان معاملة الله تعالى، فيجمع لها التقوى، والثقة بوعده، وشكره على نعمه، وإخلاص العمل له، والصدق في القول والفعل، والتوكل عليه، والخوف من عقابه، والرجاء في ثوابه، والحياء منه. ولا يجعل الإخلاص مجرد قصد يذكره العبد عند ابتداء الطاعة، بل يفتش ما قد يداخله من حب اطلاع الناس والثناء والمنزلة، حتى يصبح عمل القلب نفسه موضع مراقبة لا تقل عن مراقبة الجوارح.

ثم ينتقل إلى «سياسة النفس»، فيقرر أن على الإنسان فرائض باطنة كما عليه فرائض ظاهرة؛ من تصحيح السريرة واستقامة الإرادة وصدق النية وتنقية الضمير والندم على المخالفة. ويجعل الباطن مهيمنًا على الظاهر؛ فقد تكثر الأعمال وتبقى معرضة للرد إذا فسد القصد الذي يحملها، ولذلك يطالب المرء أن يتفقد نفسه في حركاتها وسكناتها، وفي كلامها وصمتها، وحبها وبغضها، وفرحها وحزنها، وأن يردها برفق إلى الإخلاص كلما مالت مع هواها.

ويخص اللسان بتحذير شديد، ويرى أن كثرة جنايته تستدعي حبس الكلام عما لا حاجة إليه، والحذر من أن يسترسل الحديث بصاحبه إلى ما يفسد عليه دينه. وفي مقابل أعمال اللسان يلفت إلى أعمال القلب الخفية من ذكر وفكر وإخلاص، لما فيها من البعد عن أعين الناس ومواطن الشهرة؛ فيتأكد بذلك أن تزكية النفس لا تقاس بكثرة ما يظهر من صاحبها، بل بما استقام في قلبه ولم تفسده الآفات.

وتتسع «سياسة القلب» لتشمل علاجه من الحرص على الدنيا والطمع فيها؛ فالنفس عند المحاسبي شديدة التعلق بما تطمع فيه، وإذا استُعمل طمعها في الدنيا أثار الشَّرَه والحرص والشهوة، وإذا قُطع تعلّقها بالمخلوقين ووجّهت رغبتها إلى الآخرة أصبحت هذه القوة نفسها باعثةً على العمل لها. ولهذا يدعو إلى قهر الهوى بالعقل والعلم، وإلى شغل القلب بالمعاد وما ينتظر الإنسان من موت وقبر ووقوف وحساب، حتى يضعف سلطان الآمال الطويلة.

ويربط حياة القلب بالخوف والفكر؛ فالغفلة تتركه فارغًا لوساوس الشيطان، أما استحضار الآخرة فيمنحه من اليقظة ما يكشف له مداخل الفساد. ومن هنا تأتي منزلة مراقبة الله تعالى: أن يتقلب القلب بين شكر النعمة، والاعتراف بالإساءة، وطلب العفو، وأن يراجع نفسه كلما غفل. ويضم إلى أعمال القلب اللازمة الإخلاص والثقة والشكر والتواضع والاستسلام والنصيحة والحب في الله تعالى والبغض فيه.

ويميز بعد ذلك بين «العدل» و«الفضل»: فالعدل طريق الاستقامة وأداء ما يلزم، والفضل طلب الزيادة فيما وراء الواجب؛ ويجعل الصبر والورع من طريق العدل، والزهد والرضا من طريق الفضل، والإنصاف من العدل والإحسان من الفضل. ويؤكد أن الاشتغال بفضائل زائدة لا يعوض تضييع الواجبات، وأن معرفة المرء قدر نفسه ومحاسبتها ومساواة سريرته بعلانيته من أوائل ما يحتاج إليه في طريق الاستقامة.

ومن أدق مباحث الكتاب تقديم «التطهير» على مجرد الإكثار من العمل؛ فالنفس قد تفر إلى الطاعات الظاهرة لأن معالجتها من الحسد والرياء والعُجب وحب الجاه أشق عليها. ويرى أن الشر قد يمازج العمل الصالح حتى يفسده، وأن الإنسان يحتاج قبل السير إلى معرفة آفات الطريق كما يحتاج إلى معرفة الخير نفسه. ولهذا يجعل للعمل النافع جملة من الأصول، منها الصواب والصدق والشكر والرجاء والخوف، ويجعل الصواب في الاتباع لا في مجرد كثرة العبادة.

ويتابع خفايا الرياء متابعة دقيقة، فيفرق بين إرادة المحمدة أصلًا بالعمل وبين السرور بثناء الناس لمعنى لا يفسد القصد، ويجعل الميزان في ذلك النية وما يترتب على الثناء في القلب. ثم يحذر من تحول النية بعد أن تبدأ صحيحة؛ فقد يدخل العبد الطاعة مريدًا الآخرة، ثم يتسلل إليه حب الذكر والمنزلة شيئًا فشيئًا. ولذلك لا تنتهي مراقبة القصد عند ابتداء العمل، بل تستمر في أثنائه وبعد الفراغ منه، لأن الهوى يترصد العمل قبل دخوله وفي أثناء أدائه وبعد تمامه.

ويكشف كذلك ما يسميه «العِزّ في النفس»، أي تعلقها برفعتها وقدرها عند الخلق، ويجعله أصلًا تتفرع منه الرئاسة والجاه والكبر والفخر والغضب والحسد والحقد والعصبية. ويشتد خطره حين تتخذ النفس العبادة والعلم وسيلة للتعزز على الناس؛ فقد يزداد المرء صلاةً وصيامًا مع ازدياد إحساسه بفضله عليهم. ويضع لعلاج ذلك أصلًا عمليًا هو قطع الطمع فيما عند الخلق، واليأس من قدرتهم على النفع والضر من ذواتهم، ورد القلب إلى الافتقار والتواضع والعبودية لله تعالى.

ويضع الغفلة في مقابل اليقظة بوصفهما أصلين تتشعب عنهما أحوال كثيرة؛ فاليقظة تقريب الأجل في الفكر، ومراقبة الموت، والنظر فيما بعده، واغتنام ساعات العمر قبل انقضائها، أما الغفلة فتمتد بطول الأمل والتسويف ونسيان المعاد. ويضيف أن معرفة آفات النفس لا تنفع إن بقيت وصفًا ذهنيًا، وأن الحديث عن الصدق والمحبة والمراقبة قد ينقلب حجة على صاحبه إذا لم يتحول إلى مجاهدة وعمل.

وتتراكم في القسم المتأخر وصايا تختبر هذه المعاني في دقائق السلوك: الحذر من صغائر الذنوب كما يُحذر من كبائرها، والرغبة في العمل القليل الخالص، والاعتبار بعواقب الأشياء، والاقتصاد والحزم، وتقديم إصلاح القلب على مظاهر العبادة، ومحاسبة النفس ومذاكرة الذنب. ثم يعيد المحاسبي الأمر كله إلى معرفة الله تعالى؛ فعلى قدرها يكون الإخلاص والتواضع والشكر والخوف والرجاء والصبر والمحبة.

وينتهي «آداب النفوس» إلى «حقائق التوكل»، فيجعلها ثمرةً لهذا المسار الطويل من تفتيش النفس: أن يقطع القلب رجاءه عما سوى الله تعالى، ويفوض الأمر إليه، ويثق بضمانه، ولا يجعل الأسباب موضع اعتماده وإن أخذ بها. والمتوكل لا يدفعه خوف الرزق إلى الكذب، ولا خوف المخلوق إلى ترك الحق، ولا يظن أن أحدًا يملك له نفعًا أو ضرًا استقلالًا؛ إذ يسكن قلبه إلى ما قضاه الله تعالى وقدره. ويبلغ هذا المعنى آخر الكتاب حين يربط التوكل بالإيمان نفسه، ويجعل تفاوت الناس فيه على قدر تفاوت اليقين.

أما «التوهم» فيحوّل ذكر الموت والمعاد، الذي تكرر في «آداب النفوس»، إلى مسار وعظي متتابع يقوم على مخاطبة القارئ بعبارة «فتوهم نفسك». يبدأ بسكرات الموت ونزع الروح وانتظار البشرى بالرضا أو الغضب، فيستدعي القارئ إلى تصور نفسه وقد انتهت مهلة العمل ولم يعد أمامه إلا ما قدم، ثم ينتقل به من سرير الموت إلى القبر وسؤال الملكين وما يفتح للميت من جهة الجنة أو النار بحسب مآله.

وبعد القبر يصور البعث والنشور واجتماع الخلائق، وما يصاحب القيامة من اضطراب الكون وانشقاق السماء وشدة الموقف وطول الانتظار والعرق والفزع. ثم يبلغ تطاير الصحف ونصب الموازين، فيجعل القارئ ينتظر كتابه: بأي يد يقع؟ وكيف يكون وزن عمله؟ وبعد ذلك يتخيل نداءه باسمه على رؤوس الخلائق وتقدمه للعرض والحساب، فتتحول المعاني التي يعرفها إجمالًا عن القيامة إلى موقف شخصي لا يستطيع أن يضع فيه أحدًا مكان نفسه.

ثم يقوده إلى الصراط المضروب على جهنم، ويصور خوف العابر وهو يرى من تزل أقدامهم وتتناولهم الكلاليب والنار من تحته، مع بقاء الرجاء في النجاة. وليس المقصود من هذا التصوير سرد أحوال الآخرة وحدها؛ بل أن يحمل ثقلها إلى القلب في الدنيا، حتى يخفف الإنسان أوزاره ويستعد لما يخشاه قبل أن يصير إليه ولا تبقى له فرصة للعمل.

ويفصل في صورة الهلاك بما يثير أشد الخوف؛ فيعرض السقوط في النار، واحتراق الجسد، وشدة العطش، والحميم، وتردد المعذب بين أنواع الألم، ثم حسرة تذكر الجنة وطلب الرجعة حين لا تنفع الرجعة. وتقابل هذه الصورة صورة النجاة: نور المؤمن وكتابه بيمينه، وتجاوزه الصراط، والتفاتُه إلى ما نجا منه، ثم توجهه إلى أبواب الجنة وقد انقلب الخوف الذي صحبه في الطريق إلى فرح وشكر.

وعند أبواب الجنة ينتقل التصوير إلى التطهير والنعيم؛ فيذكر الاغتسال الذي يذهب آثار التعب، والشراب الذي يطهر الصدر من الغل والغضب والهموم، ثم فتح الأبواب والدخول إلى أرض المسك ورياض الزعفران ومشاهدة الأشجار والقصور. ويتوسع في الطعام والشراب والثياب والحلي والأزواج والولدان والخدم، وفي ما يملأ حياة أهل الجنة من الأمن والجمال والسرور بعد زوال الموت والخوف والتعب.

ولا يقف وصف الجنة عند اللذات الحسية؛ فكلما امتد التصوير ازداد تعلق أهلها بكرامة الله تعالى ورضوانه، حتى يصور اجتماعهم وسيرهم متحابين، وما يلقونه من إكرام وضيافة وكسوة وطيب، مع شوق قلوبهم إلى قرب ربهم. وفي آخر الكتاب تصغر بقية النعم أمام هذه الغاية، فيحث القارئ على أن يكون مشتاقًا إلى الله تعالى، متحببًا إليه، قاطعًا ما يحول بينه وبينه.

وبهذا يتجاور الكتابان على نحو يكمل أحدهما وظيفة الآخر: «آداب النفوس» يلاحق الخلل في اللحظة التي تتكون فيها النية ويتحرك فيها الهوى ويطلب القلب حمد الناس أو الدنيا، و«التوهم» يضع تلك اللحظة الصغيرة أمام نهايتها الكبرى؛ الموت والقبر والحساب ثم أحد المصيرين. فالأول يسأل العبد عمّا يجري الآن في سريرته، والثاني يجعله ينظر إلى اليوم الذي ينكشف فيه ما أخفاه، حتى يغدو تذكر الآخرة أداةً لمحاسبة النفس، وتغدو محاسبة النفس استعدادًا لذلك المصير.



إحصائيات الكتاب
قُرئ 0 مرة حُمِّل 0 مرة
يقرأه 0 الآن انضم معهم
يحمّله 0 الآن انضم معهم

الحارث بن أسد المحاسبي

الزاهد العارف، شيخ الصوفية، أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المُحَاسِبِي، صاحب التصانيف الزهدية، يروي عن يزيد بن هارون يسيرًا.

روى عنه: ابن مسروق، وأحمد بن القاسم، والجُنَيْد، وأحمد بن الحسن الصوفي، وإسماعيل بن إسحاق السَّرَّاج، وأبو علي بن خَيْرَان الفقيه، إن صح.

قال الخطيب: له كتب كثيرة في الزهد، وأصول الديانة، والرد على المعتزلة والرافضة.

قال الجُنَيْد: خلف له أبوه مالًا كثيرًا، فتركه، وقال: لا يتوارث أهل ملتين. وكان أبوه واقفيًّا.

قال أبو الحسن بن مِقْسَم: أخبرنا أبو علي بن خَيْرَان، قال: رأيت المُحَاسِبِي متعلقًا بأبيه يقول: طلق أمي؛ فإنك على دين، وهي على غيره.

قال الجُنَيْد: قال لي الحارث: كم تقول: عزلتي أنسي؟ لو أن نصف الخلق تقربوا مني، ما وجدت لهم أنسًا، ولو أن النصف الآخر نأوا عني، ما استوحشت.

واجتاز الحارث يومًا بي، فرأيت في وجهه الضر من الجوع، فدعوته، وقدمت له ألوانًا، فأخذ لقمة، فرأيته يلوكها، فوثب وخرج، ولفظ اللقمة. فلقيته فعاتبته، فقال: أما الفاقة فكانت شديدة، ولكن إذا لم يكن الطعام مرضيًّا، ارتفع إلى أنفي منه زفرة، فلم أقبله.

وعن حارث قال: جوهر الإنسان الفضل، وجوهر العقل التوفيق.

وعنه قال: ترك الدنيا مع ذكرها صفة الزاهدين، وتركها مع نسيانها صفة العارفين.

قلت: المُحَاسِبِي كبير القدر، وقد دخل في شيء يسير من الكلام، فنقم عليه. وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال الحارث من وجه، وحذر منه.

قال سعيد بن عمرو البَرَذَعِي: شهدت أبا زرعة الرازي، وسئل عن المُحَاسِبِي وكتبه، فقال: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات. عليك بالأثر، تجد غنية. هل بلغكم أن مالكًا، والثوري، والأوزاعي، صنفوا في الخطرات والوساوس؟ ما أسرع الناس إلى البدع!

قال ابن الأعرابي: تفقه الحارث، وكتب الحديث، وعرف مذاهب النساك، وكان من العلم بموضع، إلا أنه تكلم في مسألة اللفظ ومسألة الإيمان. وقيل: هجره أحمد، فاختفى مدة.

ومات سنة ثلاث وأربعين ومائتين.

المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.

عرض النبذة وكتب المؤلف