يتتبع سليمان بن إبراهيم العايد في «التعجب من فعل المفعول بين المانعين والمجيزين» خلاف النحويين في جواز بناء صيغتي التعجب المباشر «ما أفعله» و«أفعِل به» من الفعل الواقع على المفعول، ويعيد المسألة إلى أصولها التي تفرعت عنها أقوال المانعين والمجيزين، ثم يمتحن حجج الفريقين بما ورد عن العرب من استعمال وبما قرره النحويون في طبيعة فعل التعجب وعمله. ويحدد منذ البداية أن موضع النزاع ليس التعجب بالواسطة نحو «ما أشدَّ ما ضُرب زيد»؛ فهذا جائز لظهور المراد وانتفاء اللبس، وإنما الخلاف في بناء فعل التعجب نفسه من فعل المفعول من غير واسطة.
ويمهد للمسألة بوضعها داخل باب التعجب عامة؛ فيعرض مفهوم التعجب وموقعه بين الأساليب الإنشائية، ويفرق بين صيغ التعجب السماعية والصيغ القياسية، ثم يبين أن النحويين يخصون بالعناية صيغتي «ما أفعله» و«أفعِل به». وبعد ذلك يستعرض الشروط المشهورة لصوغهما، ومنها أن يكون الأصل فعلًا ثلاثيًا متصرفًا تامًا مثبتًا قابلًا للتفاوت، وألا يكون الوصف منه على «أفعل فعلاء»، وأن يكون مبنيًا للمعلوم؛ ثم يجعل هذا الشرط الأخير مدخلًا إلى القضية التي يدور عليها الكتاب.
ويحرر معنى «فعل المفعول» تحريرًا يمنع الخلط بينه وبين مجرد مصطلح «الفعل المبني للمجهول»؛ فالمعتبر في المسألة هو أن يكون التعجب من المفعول الذي وقع عليه الحدث، سواء صُرِّح بالفاعل في أصل التركيب أم لم يصرح به. فقولك «ضرب زيدٌ عمرًا» لا يبيح – على مذهب الجمهور – أن تجعل عمرًا متعجبًا منه مباشرة بقولك «ما أضرب عمرًا»؛ لأن القضية متعلقة بكونه مفعولًا للحدث، لا بمجرد صورة الفعل من حيث البناء للمعلوم أو للمفعول.
ويجمع الخلاف في 4 اتجاهات رئيسة: المنع مطلقًا، وهو مذهب جمهور النحويين ومنهم البصريون وظاهر كلام سيبويه؛ والجواز مطلقًا، وهو المشهور عن الكوفيين؛ والجواز إذا كان الفعل ملازمًا لصيغة «فُعِل» كـ«عُنِي» و«زُهِي»؛ والجواز متى أُمِن اللبس، وهو الذي قال به خطّاب الماردي واختاره ابن مالك. ومن هذه القسمة ينطلق إلى تحليل كل مذهب بدل الاكتفاء بنسبة القول إلى أصحابه.
ويرد المنع إلى أصول تتجاوز مجرد الخوف من الاشتباه؛ فأحدها أن التعجب أصله فيما يكثر من صاحبه حتى يجري مجرى الغريزة، والفعل يمكن أن يتمكن من فاعله بهذا الاعتبار، أما المفعول فلا ينشأ الحدث منه حتى يصير الفعل غريزة له. وثانيها تفسير بناء التعجب على نقل الفعل إلى «فَعُل» اللازم ثم إدخال الهمزة عليه، بما يجعل همزة «أفعل» للتعدية؛ فإذا كان المتعجب منه في الأصل فاعلًا أمكن نقله بهذه الهمزة إلى المفعولية في صيغة التعجب، أما المفعول الأصلي فلا يستقيم معه هذا التحليل.
ويضيف المانعون إلى ذلك الاستدلال بطريقة تعدية فعل التعجب، ولا سيما نحو «ما أضرب زيدًا لعمرو»، إذ يرون مجيء اللام مع المفعول الآخر دليلًا على أن الفعل لم يبق على تعديته الأولى، وإنما صار لازمًا ثم عُدي بالهمزة إلى المتعجب منه. ويتصل بذلك بحث أبنية التعجب من الأفعال الزائدة على 3 أحرف، وعلاقة زيادة الهمزة بنظام الأبنية، وما يترتب على تفسيرها بالتعدية من أحكام. وهكذا يكشف الكتاب أن الخلاف في التعجب من فعل المفعول متشابك مع مسائل الاشتقاق والتعدي واللزوم وأصل بناء «أفعل» التعجب.
وفي الجهة المقابلة يستقصي ما احتج به المجيزون من كثرة الشواهد التي جاء ظاهرها بالتعجب أو التفضيل من جهة المفعول، ويجمع عددًا كبيرًا منها، مثل «ما أجنَّه»، و«ما أشغله»، و«ما أبغضه إلي»، و«ما أحبه إلي»، و«ما أبركه»، و«ما أعناه بحاجتك»، و«ما أزهاه»، و«أخوف» و«أهيب» و«أرهب» وغيرها. ولا يسوق هذه الشواهد مجردة، بل يتتبع ما قيل في تخريجها؛ إذ حمل المانعون بعضها على أصل آخر، أو جعلوه من فعل مقدر غير مستعمل، أو ألحقوه بما يحمل على المعنى، بينما رأى المجيزون أن كثرتها تمنع ردها جميعًا إلى الشذوذ.
ويربط هذا الاستدلال بمسألة قيام المفعول مقام الفاعل، وبالخلاف في إمكان نسبة المصدر إلى الفعل المبني للمفعول، مستحضرًا مصادر وردت في الاستعمال على معنى يتعلق بالمفعول. ومن هنا يناقش الاعتراض القائل إن المفعول لا حظ له في إنشاء الفعل، ويقابله بحجة من يجعل قيامه مقام الفاعل أو ظهور أثر الفعل فيه مسوغًا لبناء التعجب منه. غير أن الكتاب لا يجعل مجرد النيابة الإعرابية حجة حاسمة، بل يفصل بين قيام الاسم مقام الفاعل في التركيب وبين مساواته له في كل الأحكام.
ويفحص كذلك الأساس الذي أقام عليه المجيزون ردهم لعلة الهمزة؛ فهم لا يسلمون بأن همزة فعل التعجب همزة تعدية، بل يجعلونها دالة على معنى التعجب والتفضيل، ويحتجون بأبنية لا يستقيم فيها حملها على التعدية وحدها. ويترتب على هذا نقاش واسع لصيغة «أفعِل به»: أالمجرور بالباء فاعل كما قرره الجمهور، أم هو في موضع نصب، والباء للتعدية أو للتقوية؟ ويعرض في هذا السياق مذاهب سيبويه والفراء والزجاج والزمخشري وابن خروف وابن الحاجب وأبي حيان وغيرهم، وما استدل به كل اتجاه من حذف الباء أو الاسم، ومن ثبات صيغة «أفعِل» مع المثنى والجمع والمؤنث، ومن طبيعة الأمر والخبر في هذا التركيب.
ثم يعود إلى المذهب الذي يفرق بين الفعل الملازم للبناء للمفعول وغيره، فيبين وجه حمل نحو «ما أجنَّه» و«ما أزهاه» على المعنى؛ لأن بعض هذه الأفعال يدل في حقيقته على خصلة قائمة بالموصوف أكثر من دلالته على فعل أحدثه فيه غيره. وبهذا يفسر جانبًا من الشواهد التي بدت مخالفة لقاعدة الجمهور، من غير أن يجعلها أصلًا مطردًا في كل فعل واقع على المفعول.
وينتهي العايد إلى ترجيح المذهب الرابع، وهو إباحة التعجب من فعل المفعول إذا كان المعنى واضحًا مأمون اللبس، ومنعه إذا أوهم أن التعجب من الفاعل. ويرى في هذا الاتجاه توسطًا يحفظ السماع من أن تُطرح شواهده، ويحفظ القياس من أن يتوسع فيه بلا ضابط؛ فلا يقصر الاستعمال على ما ورد سماعًا كما يفعل الجمهور، ولا يطلق القياس فيه كما يفعل الكوفيون، وإنما يجعل وضوح الدلالة وانتفاء الاشتباه حدًّا فاصلًا بين الجائز والممنوع. ويصوغ خلاصة البحث في قاعدة مؤداها أن الأصل هو التعجب من فعل الفاعل، ويجوز التعجب من فعل المفعول إذا أُمِن اللبس.