يجمع أبو الحسين محمد بن أحمد الملطي في «التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع» بين عرض مذاهب الفِرَق وبيان ما تنفرد به من آراء واعتقادات، وبين الرد عليها بالنصوص والآثار والمناقشة والاستدلال، وقد صرّح بأنه يقصد إلى ذكر الفِرَق الـ72 بأسمائها وما تنتحله، مع إقامة الحجة على ما يعرضه من مقالاتها. ويقدم لذلك ببيان ما ينقله في «أصول السنة»، فيذكر الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والخصومات في الدين، ويجعل الإيمان قولًا وعملًا يزيد وينقص، والقرآن كلام الله تعالى، ويرى عدم تكفير أهل التوحيد بمجرد الذنب وإن ارتكبوا الكبائر، وعدم الخروج بالسيف على الأمراء، والكف عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وترتيب أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم في الفضل. ثم يدخل في تفصيل المخالفين، فيبدأ بالرافضة وما ينسبه إلى أصنافهم من الغلو في علي رضي الله عنه، والرجعة، والتناسخ، ودعاوى النص على الإمامة والطعن في الصحابة والقول بتغيير القرآن، ويرد على ذلك من القرآن ومن تواتر نقل الأمة، ويجعل الطعن في القرآن أصلًا يبطل معه الاحتجاج بالأخبار التي يستدل بها الخصم نفسه على الإمامة. ويتناول المعتزلة بوصفهم أصحاب الكلام والجدل، ويذكر اجتماعهم عنده على أصول العدل والتوحيد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يعرض اختلاف البصريين والبغداديين وأسماء عدد من متكلميهم وما تفرع بينهم من مسائل. كما يناقش المرجئة في حقيقة الإيمان، ويرد القول بأنه لا يزيد ولا ينقص أو أن إيمان الناس سواء، محتجًا بأن الإيمان يتناول إقرار اللسان وتصديق القلب وعمل الجوارح، ويتعرض للخوارج والشُّراة واختلافهم في مرتكب الذنب والإمامة والبراءة والقتال، مقرونًا ذلك بالأخبار والآثار التي يسوقها في الرد على مقالاتهم.
ويفرد الملطي جانبًا واسعًا من الكتاب لما يسميه «متشابه القرآن»، ردًّا على من زعم أن بعض آياته يناقض بعضًا؛ فيفسر الآيات التي يظهر بينها التعارض باختلاف المواطن والأحوال أو اختلاف دلالات الألفاظ، ناقلًا جملة من هذه المادة عن مقاتل بن سليمان. فيبحث مثلًا الجمع بين نفي الكلام يوم القيامة وإثبات الخصومة فيه، وبين نفي التساؤل وإثباته، وبين حشر بعض الخلق عميًا وما ورد من إبصارهم، وبين قوله تعالى: «لا تدركه الأبصار» وما يستدل به على الرؤية، ثم يعقد مباحث لاختلاف المواضع وصِلات الكلام والتقديم والتأخير، ويضم إليها تفسير عدد كبير من الألفاظ والتراكيب القرآنية. وبعد هذه المادة يعود إلى تصنيف الفرق على نحو أكثر جمعًا، فيجعلها بحسب عدِّه راجعة إلى 6 أصول كبرى: الزنادقة 5 فرق، والجهمية 8، والقدرية 7، والمرجئة 12، والرافضة 15، والحرورية 25، فيبلغ بها 72 فرقة، مع تنبيهه إلى أن كل أصل منها تشعب بعد ذلك إلى فروع أخرى. ويعرض تحت الزنادقة المعطلة والمانوية والمزدكية والعبدكية وأصنافًا من الروحانية، ثم يتوسع عند الجهمية في ذكر ما ينسبه إليهم من مقالات في صفات الله تعالى والعرش والكلام والرؤية والجنة والنار والميزان والصراط والشفاعة وعذاب القبر وملك الموت وغيرها، ويقابلها بما يورده من الآيات والأحاديث والآثار؛ فيقرر في معرض هذا الرد رؤية المؤمنين الله تعالى في الآخرة، ويثبت السمع والبصر مع نفي مماثلتهما لسمع المخلوقين وأبصارهم. ثم يعود في أواخر الكتاب إلى تفصيل المرجئة والرافضة والقدرية والحرورية وأجناس مقالاتهم، مستعينًا بأخبار السلف والمناظرات والوقائع التاريخية في مناقشتها؛ فتتداخل في الكتاب معرفة الفرق بالتفسير والعقيدة وسوق الأخبار والآثار والجدل بالنص والإلزام، ولا يقتصر على مجرد تعداد أسماء الطوائف ومقالاتها.