تتدرج مسائل كتاب «الروح» لابن قيم الجوزية من سؤالٍ عن معرفة الموتى بزيارة الأحياء وسلامهم، إلى بحث واسع في أحوال الروح منذ مفارقتها البدن إلى قيام الساعة. فيبحث تلاقي أرواح الموتى وتزاورها، واتصال أرواح الأحياء بها، وموت الروح، وكيفية تمايز الأرواح بعد مفارقة الأجساد، وعودتها إلى الميت عند سؤال القبر. ولا يقتصر في أجوبته على تقرير مختصر، وإنما يستوعب ما وقف عليه من الأقوال والآثار، ويوازن بين حجج المختلفين، ويرد بعضها ببعض، ثم يختار ما تدل عليه عنده نصوص الكتاب والسُّنَّة.
ويحتل عالم البرزخ جانبًا كبيرًا من الكتاب؛ إذ يفصل القول في عذاب القبر ونعيمه، وتعلقهما بالروح والبدن، ويرد على منكري عذاب القبر، ثم يبحث أسبابه وما ينجي منه، وفتنة القبر، ومن يقع عليه السؤال، وهل يختص بهذه الأمة، وحكم الأطفال فيه، ودوام العذاب أو انقطاعه. ويطيل في مستقر الأرواح بين الموت والبعث، عارضًا الأقوال في مصيرها ومآخذ كل قول. ومن أوسع مسائله كذلك انتفاع الموتى بسعي الأحياء؛ فيثبت انتفاعهم بما تسببوا إليه في حياتهم، وبالدعاء والاستغفار والصدقة والحج، ثم يناقش الخلاف في وصول ثواب العبادات البدنية من صلاة وصيام وقراءة وذكر.
ثم يتحول البحث من أحوال الروح بعد الموت إلى حقيقتها وصلتها بالنفس؛ فيقرر ابن القيم أن الروح مخلوقة محدثة، ويفصل معنى إضافتها إلى الله تعالى، ويناقش القول بتقدم خلق الأرواح على الأجساد أو تأخره. ويبلغ الاستقصاء مداه في مسألة حقيقة النفس، فيعرض أقوال الطوائف في ماهيتها وصلتها بالبدن والروح، ويناقش أدلتها قبل تقرير اختياره. وعند الكلام على النفس المطمئنة واللوامة والأمارة يقرر أنها نفس واحدة تتعدد أسماؤها بتعدد صفاتها وأحوالها، ومن هذا المبحث تتشعب فصول طويلة في تزكية النفس ودقائق السلوك، وفي الفروق بين معانٍ متقاربة يختلط بعضها ببعض؛ حتى يمتد الكلام إلى التوحيد، والاتباع، ومقادير العلماء والأولياء، والتمييز بين الأحوال الإيمانية والأحوال الشيطانية.