يجمع القاضي أبو يعلى ابن الفَرّاء في هذا الكتاب الروايات المختلفة عن الإمام أحمد بن حنبل في جملة من مسائل الاعتقاد، ويضم إليها ما نُقل عن أصحابه من موافقة أو مخالفة، ثم يذكر أدلة كل رواية ووجه، ويرجّح بينها في مواضع، ويترك الترجيح في مواضع أخرى. وهذا القسم هو خاتمة «كتاب الروايتين والوجهين»، الذي بُني أصلًا على جمع اختلاف الروايات عن الإمام أحمد وبيان وجوه الاستدلال لها والموازنة بينها.
وتضم هذه الخاتمة 15 مسألة تتنوع بين قضايا الصحابة والإمامة، ومسائل الصفات، والقرآن والإيمان، وأحكام أهل البدع؛ فيبحث التفضيل بين عثمان وعلي رضي الله عنهما، والاستواء على العرش، والكلام في الحد، والنزول، والإسراء، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، وزيادة المعرفة ونقصانها، ومعنى حديث «لا تسبوا الدهر». ثم يتناول اللفظ بالقرآن، وحروف المعجم، وهل الإيمان مخلوق، وطريق ثبوت إمامة أبي بكر رضي الله عنه، والحكم على يزيد بن معاوية، وتكفير من لا يكفّر المبتدعة المنصوص على كفرهم، وهجر المبتدع.
وتظهر طريقة أبي يعلى بوضوح في عرضه للمسألة الواحدة؛ إذ يبدأ بإثبات اختلاف الرواية عن الإمام أحمد، ثم يسوق نصوص الروايات من طرق أصحابه، ويستخلص دلالة كل منها، قبل أن يذكر «وجه» كل رواية وما يستند إليه من أثر أو حديث أو معنى. ففي مسألة التفضيل مثلًا يجمع الروايات التي تقف عند أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، والروايات التي تُربّع بعلي رضي الله عنه، ثم يناقش أدلة كل اتجاه ويبيّن ما يترتب عليها في الحكم على المخالف. وهذه الطريقة لا تختزل مذهب الإمام أحمد في نقل واحد، بل تكشف تعدد المروي عنه وتبحث إمكان الجمع بين الروايات أو ترجيح بعضها على بعض.
ويتميز هذا القسم بتركيزه على المسائل التي وقع فيها اختلاف في النقل عن الإمام أحمد، أو استجدت فاقتضت بيان موقفه منها، ولذلك يقدّم صورة دقيقة لطريقة الحنابلة في التعامل مع تعدد الروايات العقدية داخل المذهب: جمعًا، وتوثيقًا، واستدلالًا، وترجيحًا. كما تكشف المسائل عن امتداد البحث العقدي عند أبي يعلى من أبواب الصفات والقرآن والإيمان إلى مسائل الإمامة والموقف من أهل البدع، مع المحافظة على أصل الكتاب في عرض الخلاف الداخلي وبيان مأخذ كل قول.