يجعل ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب وصف جهنم وسيلةً لإيقاظ القلب من الغفلة وكف النفس عن الشهوة والمعصية، لا غايةً خبرية مجردة؛ فيقرر في مقدمته أن كثرة ذكر النار في القرآن والسنة مقصودها دعوة العباد إلى خشية الله تعالى وتقواه والمسارعة إلى طاعته، ويستحضر أحوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم في شدة الخوف والاجتهاد والانكفاف حتى عن دقائق المكروهات، ثم يصرح بأن غلبة الكسل والأماني والشهوات حملته على جمع الكتاب، لأن الشهوة لا تزول من القلب عنده إلا بخوف مزعج أو شوق باعث، ويقسم مادته إلى 30 بابًا. وتبدأ الأبواب بالإنذار من النار وأحوال الخائفين منها، ثم تخويف أصناف الخلق بها، والبكاء من خشيتها والتعوذ بالله تعالى منها، ويقف عند مقدار الخوف النافع فيقرر أن الواجب منه ما يحمل على الفرائض واجتناب المحرمات، وأن زيادته المحمودة ما تدفع إلى النوافل وترك المكروهات، أما إذا تحول إلى مرض أو هم يعطل صاحبه عن العمل والطاعة فقد خرج عن المقصود؛ لأن الخوف وسيلة إلى طاعة الله تعالى لا مقصدًا منفصلًا عنها. وبعد تأسيس هذا المعنى ينتقل إلى التعريف بالنار نفسها بابًا بعد باب: مكانها، وطبقاتها وأدراكها، وقعرها وعمقها، وأبوابها وسرادقها، وظلمتها وسوادها، وحرها وزمهريرها، وتسعرها وتغيظها وزفيرها، ودخانها وشررها ولهبها، ثم أوديتها وجبالها وآبارها وعيونها وأنهارها، وسلاسلها وأغلالها، وحجارتها وحياتها وعقاربها، وطعام أهلها وشرابهم وكسوتهم، وضخامة أجسامهم وقبح هيئاتهم، وتفاوت ألوان العذاب عليهم بحسب أعمالهم. ويجمع في هذه الأبواب بين الآيات والأحاديث وآثار السلف، مع تعقبه غير مرة لبعض الأخبار بالحكم عليها بالضعف أو النكارة أو الانقطاع، فلا يسوق كل ما يرويه على مرتبة واحدة.
ويمضي القسم الأخير من الكتاب من وصف العذاب إلى مشاهد أهله يوم القيامة؛ فيعرض بكاءهم وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم الذي لا يجاب، وحوار أهل النار مع أهل الجنة، وخزنة جهنم وزبانيتها، ومجيء النار وخروج عنق منها، ثم يفرد للصراط بابًا يصف فيه الجسر المضروب على متن جهنم وما عليه من الكلاليب والحسك، واختلاف مرور الموحدين عليه بين ناجٍ ومخدوش ومكدوس في النار. وبعد ذلك يناقش معنى «الورود» في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾، فيجمع أقوال من فسره بالمرور على الصراط ومن فسره بالدخول، ويورد احتجاجات كل قول وما ورد فيه من آثار وروايات، قبل أن ينتقل إلى حال من يقع في النار من أهل التوحيد. وفي الباب 28 يثبت بالأحاديث خروج طوائف من الموحدين منها بالشفاعة وبرحمة الله تعالى، ويصف تفقد المؤمنين لإخوانهم وطلبهم إخراج من عرفوه بالصلاة والصيام والحج، ثم إخراج من بقي في قلبه مثقال من الإيمان، وإلقاء الخارجين في نهر الحياة حتى يعود إليهم أثر الحياة، مع تقرير أن الخلود إنما هو لأهل النار الذين هم أهلها لا لعصاة الموحدين. ثم يعقب ذلك بفصل في حسن الظن بالله تعالى، قبل أن يعرض في الباب 29 كثرة أهل النار ويفرق بين الخالدين فيها وبين عصاة الموحدين الذين يدخلونها ثم يخرجون منها بعد التنقية، ويصل في الباب 30 إلى تصنيف أخلاق وأعمال أهل النار، فيذكر الضعيف الذي لا همة له في خير دنياه أو آخرته، والخائن، والمخادع، والكذاب والبخيل، والفاحش سيئ الخلق، ثم يجعل من أوائل عصاة الموحدين دخولًا لها الأمير المتسلط، وصاحب المال الذي يمنع حق الله تعالى، والفقير الفخور، ويجمع أصول جرائمهم في الظلم والبخل والكبر، قبل أن يختم بذكر من تسعر بهم النار من أهل الرياء، رابطًا الرياء بالشرك الأصغر. وينتهي الكتاب بعد ذلك مباشرة بالحمد والتهليل والتكبير والحوقلة، فتظل غايته إلى آخر سطر هي نفسها التي أعلنها في مقدمته: تحويل خبر النار إلى خوف يحمل صاحبه على التوبة والعمل والنجاة منها.