يتخذ القاضي أبو يعلى ابن الفراء في كتابه «التوكل» من اعتماد القلب على الله تعالى محورًا تتفرع عنه جملة من أحوال النفس والسلوك، ويفتتح مادته بالآيات الآمرة بالتوكل وما يورده من الأحاديث والآثار الدالة على منزلته، ومنها حديث الطير التي تغدو خماصًا وتروح بطانًا، وحديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وما ورد في ذم الطيرة وربط زوال أثرها بالتوكل. ثم يصل مباشرة إلى «حقيقة التوكل في الرزق»، فيجعلها أن تنقطع نفس الإنسان عن التطلع إلى ما في أيدي الخلق، وأن يعلم أن الرزق والنفع والضر بإذن الله تعالى، ويستشهد بقول الإمام أحمد إن صدق التوكل أن يخلو القلب من الطمع في أن يأتيه أحد من الآدميين بشيء. وفي الوقت نفسه يثبت إمكان اجتماع التوكل مع تعاطي الأسباب؛ فينقل عن أحمد قوله لمن أراد السفر: يحمل معه زادًا ويتوكل، ويسوق آيات المشي في مناكب الأرض والابتغاء من فضل الله تعالى والتجارة، وأخبار الكسب والعمل، وحديث «اعقلها وتوكل»، وعمل الصحابة رضي الله عنهم في الأسواق والأرض، ليقرر أن السعي في الرزق واتخاذ الوسائل لا يمنعان اعتماد القلب على الله تعالى. ومن هنا تتصل بالتوكل عنده أمراض نفسية ومالية؛ فيقسم الشح إلى أن يسوء المرء بما أوتي غيره، أو يطمع فيما في أيدي الناس ويمتنع عن رد المظالم والأمانات، ويورد في الوقاية منه دعاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «رب قني شح نفسي»، ويجعل تمامه في اجتماع الحزن على خير الآخرين مع ظلمهم في أموالهم. ويفرق عنه البخل فيعرفه بمنع الحقوق التي أوجبها الله تعالى في مال الإنسان، مستشهدًا بآيات الإنفاق وما يورده من آثار في ذمه. ثم يفصل «الجزع» بحسب أثره في الصبر؛ فمنه حزن يبقى في القلب أو حديث عن المصيبة طلبًا للتخفيف والمواساة أو انقطاع بسببها عن بعض النوافل، وهذه صور لا يخرج صاحبها عنده من أصل الصبر، ومنه ما يتحول إلى تضجر واعتراض وشكوى، أو يدفع صاحبه إلى الاستعانة بالمعصية لتسكين ألمه أو تعويض خسارته، كظلم الناس والخيانة وترك الحقوق والوقوع في المحرمات، فيجعله من الجزع المخرج من الصبر.
ويحسم أبو يعلى في مسألة السفر أن «الخروج بالزاد أفضل من الخروج بغير زاد»، وينقل إنكار الإمام أحمد على من يدخل المفازة بلا زاد، ويستدل بتزود النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ثم يورد عن أحمد إنكاره على قوم يتركون العمل ويصفون أنفسهم بالمتوكلين، وقوله إن المرء لا ينبغي له أن يقعد من غير عمل؛ فتظهر هنا صورة التوكل بوصفه حالًا قلبيًا يصاحب الحركة والكسب ولا يحول بين الإنسان وبين ما يحتاج إليه من أسباب معاشه. ويطيل بعد ذلك في «صفة المريد»، فيبدأ بأثر عن أحمد يجعل من علامته مفارقة الخليط الذي يصده عما يريد من الاستقامة، ثم ينقل تقسيمًا يجعل للمريد 4 قواعد هي الجوع والسهر والصمت والخلوة، و3 أعلام هي المعرفة بالطريق والخشية وطاعة الدليل. ويسوق في الجوع أخبارًا تتصل برقة القلب وكسر الشهوة، وفي السهر ما يحث على قيام الليل وإحياء القلب بالطاعة، وفي الصمت ما يربطه بحفظ اللسان والعقل والورع والتقوى، مستشهدًا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر رضي الله عنه في إمساك اللسان، وبوصيته لمعاذ رضي الله عنه في خطر حصائد الألسنة، أما الخلوة فيربطها بتفريغ القلب من شواغل الخلق وجمع الهم على الله تعالى والآخرة، مع نقله عن أحمد أن التخلي يكون «على علم» وأن مخالطة الناس والصبر على أذاهم لها موضعها، وأن الاعتزال يرتبط بوجود الفتنة. ويكمل صفات المريد بالمعرفة الصحيحة بالطريق، وصحبة المعلم والمرشد، وصدق الإرادة الذي تظهر علامته في الاستعداد للعمل، وهجر قرناء السوء، ومعرفة آفات النفس وما يفسد الأعمال، وتصحيح النيات والمقاصد، ومجالسة العالم، والتوبة النصوح، وطلب الطعام الحلال من سبب مباح، واتخاذ القرين الصالح الذي يعين على البر والتقوى وينهى عن الإثم والعدوان. ثم تتسع الصفحات الأخيرة إلى قصر الأمل والزهد والورع والصبر والرضا والخوف والرجاء، فينقل عن أحمد أن الزهد في الدنيا هو «قصر الأمل»، ويجعل الخوف والرجاء متوازنين حتى لا يؤدي غلبة الأول إلى القنوط ولا غلبة الثاني إلى الجرأة على المعاصي. ويضع خاتمة الكتاب في مسألة «الهم»؛ فيقسمه أولًا إلى هم بالآخرة وهو الممدوح، وهم بالدنيا، ثم يجعل هم الدنيا خطرات عابرة لا يؤاخذ الإنسان بها ما لم تستقر، أو «هم إصرار» يساكن القلب ويستغرقه في الاهتمام بالدنيا والاكتساب لها، ويورد في المقابل أن من كانت الآخرة همه جُعل غناه في قلبه وجُمع له شمله. ويعود في السطور الأخيرة إلى أصل الكتاب كله بنقل جواب أحمد حين سئل عن التوكل فقال: «هو قطع الاستشراف بالإياس من الخلق»، ثم يورد قصة إبراهيم عليه السلام حين عُرضت عليه المعونة وهو ملقى إلى النار، لتنتهي الرسالة عند معنى تفويض الأمر إلى الله تعالى وانقطاع تعلق القلب عمن سواه، يعقب ذلك تصريح الناسخ: «فهذا آخر التعليقات» والحمد لله رب العالمين والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.