يجعل عبد الكريم بن صالح الحميد في هذه الرسالة محبة الله تعالى الأصل الذي تنبني عليه العبادة كلها، وينطلق من أن الإنسان مفطور على محبة خالقه وطلبه والافتقار إليه، وأن الشرائع جاءت لتكمل هذا المعنى الفطري وتوجهه، مستعينًا بنقول مطولة عن ابن القيم في أن الله تعالى مستحق للمحبة والعبادة لذاته، وأن الفطرة والعقل والشرع تتوافق جميعًا في الدلالة على محبته والخضوع له. ومن هذا الأصل ينتقل إلى الموضوع المباشر للرسالة، فيجعل «الحب في الله» فرعًا من محبة الله تعالى وعلامة على قوة الإيمان، ويربطه في الوقت نفسه بالبغض في الله والموالاة والمعاداة؛ فالمحبة الصادقة عنده ليست عاطفة شخصية تتبدل بالإحسان والجفاء، وإنما تعلق بالإنسان من جهة طاعته وإيمانه، ولذلك يستشهد بأقوال تجعل أشد المتحابين حبًا لصاحبه أفضلهم، ويرى أن دعوى المحبة الدينية لا تكتمل إذا انفصلت عن النفرة من المعصية وما يسخط الله تعالى. ويستدل بكلام ابن عباس رضي الله عنهما وغيره على أن المحبة والموالاة لأهل الإيمان، والبغض والمعاداة لما يراه كفرًا أو فسقًا أو معصية، تتفاوت قوتها بتفاوت محبة العبد لله تعالى، ويعرض في هذا السياق نموذج الصحابة رضي الله عنهم في المؤاخاة والإيثار، مقابل ما يصفه بتحول كثير من علاقات الناس إلى روابط تقوم على المصالح الدنيوية. ويؤكد أن الشخص الواحد قد تجتمع فيه أسباب للحب وأسباب للبغض؛ فيحب من جهة ما معه من طاعة وسنة وخير، ويبغض من جهة ما يقع فيه من معصية أو بدعة، ويقدم ذلك باعتباره فارقًا بين التصور الذي يتبناه وبين جعل الإنسان مستحقًا للحب الكامل أو البغض الكامل بمجرد خصلة واحدة.
وتتحول الرسالة بعد تقرير هذا الأصل إلى مناقشة آثاره العملية في التعامل مع المخالفة والمعصية، فيعارض الحميد ما يراه فهمًا شائعًا لحسن الخلق يقوم على دوام البشاشة وعدم الغضب مهما وقع من المنكر، ويقرر أن حسن الخلق في تصوره لا يناقض الغضب لله تعالى أو إظهار الاستنكار، مستشهدًا بما ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف من تغير الوجه عند المنكر والهجر لأسباب دينية. ويجعل الهجر أبرز تطبيق لهذه الفكرة، فيستحضر هجر النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم بعد التخلف عن تبوك، وما ينقله من وقائع عن عائشة وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم ومن بعدهم، ثم يورد أقوال النووي والخطابي وابن عبد البر وابن مفلح وغيرهم في التفريق بين الهجر لأسباب شخصية، الذي تحده النصوص بمدة، والهجر لأمر ديني أو خوف الضرر في الدين، الذي يراه المؤلف قابلًا للاستمرار بحسب الحال والمصلحة. ويتوسع في نقل مواقف شديدة عن عدد من السلف والعلماء في هجر المجاهر بالمعصية وأهل البدع، وعدم مجالستهم أو مؤانستهم إذا كان في ذلك إنكار للمنكر أو حفظ للدين، مع التفريق بين المستتر بذنبه الذي ينصح سرًا ويستر عليه، والمجاهر الذي يقرر أن الإنكار عليه يكون ظاهرًا، ويؤكد أن الهجر عنده ليس مجرد ترك الكلام بل ينبغي أن يسبقه إنكار قلبي ونفور من المنكر نفسه. ويجمع في الصفحات الأخيرة آثارًا عن ابن المبارك وسفيان الثوري والأوزاعي والفضيل وغيرهم في التحذير من مجالسة أهل البدع، وينقل قصة عمر بن عبد العزيز فيمن جلس مع شاربي الخمر، ثم يستشهد بوصية منسوبة إلى عيسى عليه السلام في اختيار الجليس الذي يذكر بالله تعالى وتدعو رؤيته وعمله إلى الطاعة، وينهي المتن بقول لشيخ الإسلام ابن تيمية يقرر فيه أن مخالطة أهل الظلم والفجور لا تكون إلا مع إنكار ما هم عليه بحسب الاستطاعة. ويلحق بالرسالة قصيدة «نشكو إليك ولا لغيرك نلتجي» تعيد صياغة أطروحتها في قالب شعري؛ فتجمع الشكوى من ضعف الدين، والدعوة إلى الحب والبغض على أساس ديني، والتحذير مما يسميه مداهنة العصاة، واستحضار براءة إبراهيم عليه السلام من قومه، حتى تنتهي بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، فتأتي القصيدة خلاصة وجدانية للمحور الذي دار حوله الكتاب كله: جعل المحبة في الله والبغض في الله علامتين متلازمتين عند المؤلف على صدق الانتماء الديني وآثاره في الصحبة والمخالطة والهجر والموقف من المعصية.