يردّ ابن رشد الجد في هذا الكتاب على القول بإمكان معرفة المغيّبات عن طريق الخَطّ في الرمل وضرب القُرعة، ويجيب عن حكم ممارسته وأخذ الأجرة عليه، وعن الأحاديث والآثار والآيات التي استند إليها القائلون بصحته. ويقرر أن علم الغيب مما استأثر الله تعالى به، ولم يُطلع منه إلا من شاء من رسله عن طريق الوحي، وأن ادعاء معرفة أسرار الناس والحوادث المستقبلة بالتنجيم أو الزجر أو الخَطّ ونحوها مصادم للنصوص الدالة على اختصاص الله تعالى بعلم الغيب.
ويفسر إصابة بعض المتعاطين لهذه الطرق أحيانًا بأنها لا تجاوز الحَزْر والتخمين وموافقة الواقع في بعض الجُمَل، إذ يعجز أصحابها عن الإخبار بالمغيّبات على تفصيلها من غير أن يتخلل كلامهم الخطأ والكذب. ويستشهد بقصة ابن صياد وما أصاب فيه من جزء الكلمة دون تمامها، وبما نُقل عن هرقل من النظر في النجوم، ليفرق بين الظن الذي قد يصادف شيئًا من الواقع وبين الإخبار النبوي المفصل الذي مصدره الوحي.
ثم يناقش الحديث المروي في أن نبيًّا من الأنبياء كان يخط، وأن «من وافق خطه علم»، فيذكر أنه لا يثبت عنده من طريق صحيح، وأن صحته لا تستلزم إباحة الخط أو إمكان تعلم الغيب به؛ بل يؤوله على أن ذلك كان خصوصيةً لذلك النبي ومعجزةً من معجزاته، وأن موافقة خطه ليست طريقًا متاحة لغيره. ويقيس ذلك على العلامات التي خص الله تعالى بها بعض أنبيائه، كفور التنور لنوح عليه السلام، وفقد الحوت لموسى عليه السلام، وعلامة زكريا عليه السلام، مبينًا أن الخصائص النبوية لا تتحول إلى وسائل عامة لاكتساب علم الغيب.
ويتعقب كذلك الاستدلال بقوله تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ}، وبقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}، وبقصة إبراهيم عليه السلام في النظر إلى النجوم، فيبين وجوه تفسيرها وينفي أن تكون دليلًا على صحة معرفة الغيب بالخَطّ. وينتهي إلى تحريم الاشتغال بضرب القُرعة في التراب وتحريم أخذ الأجرة عليها، وعدّها من الوسائل المفضية إلى التعلق بدعوى علم ما حجبه الله تعالى عن خلقه.