يشرح أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي في كتابه «الحُلَل في شرح أبيات الجُمَل» الشواهد الشعرية التي أوردها أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزَّجَّاجي في كتابه «الجُمَل»، مستكملًا به عملًا سابقًا خصّصه لإصلاح ما وقع في «الجُمَل» من خلل؛ فقد صرّح بأنه لما فرغ من «إصلاح الخَلَل الواقع في كتاب الجُمَل» أراد أن يتبعه بالكلام على أبياته، فيعربها، ويكشف معانيها، ويذكر ما حضره من أسماء قائليها، ويصل بكل بيت ما يتصل به مما يزيد غرض قائله ومذهبه بيانًا. ولهذا تجاوز شرحه حدودَ تعيين موضع الشاهد النحوي، فنظر في البيت من جهاته المختلفة، وربطه بما قبله وما بعده من الشعر متى احتيج إلى ذلك لفهم معناه أو سبب الاستشهاد به.
ويبدأ البطليوسي غالبًا بذكر الباب الذي ساق الزَّجَّاجي البيت شاهدًا فيه، ثم ينسب الشعر إلى قائله، وقد يترجم للشاعر أو يورد خبرًا يتصل به وبمناسبة القصيدة، قبل أن ينتقل إلى تفسير ألفاظ البيت وبيان غريبها وما تحتمله من دلالات. ويعتني بأسماء الشعراء والأعلام والقبائل والمواضع، فيبحث في اشتقاقها وأصولها، وما كان منها منقولًا أو مرتجلًا، وما يعرض لها من تصغير وتصريف ومنع من الصرف، ويستقصي أحيانًا وجوه اللفظة في كلام العرب واختلاف معانيها واستعمالاتها. ثم يفصّل إعراب الشاهد، فيبيّن عمل الأدوات، وتعلّق الجار والمجرور والظرف، ومواضع الجمل، والضمائر المقدّرة، والحذف، والبدل، والنعت، والحال، والنداء، والنواسخ، والتعدية، وغيرها من المسائل التي اقتضتها أبيات «الجُمَل»، مع بيان أثر اختلاف الإعراب في المعنى.
ويولي اختلاف الرواية عناية كبيرة؛ فيذكر ما رُوي في البيت من ألفاظ وحركات ووجوه، ويبيّن ما يترتب على كل رواية من توجيه لغوي أو نحوي، ويرجّح بينها حين يظهر له وجه الترجيح، كما ينبّه إلى ما يراه خطأً في بعض نسخ «الجُمَل» أو في رواية بعض الشراح. ولا يتلقى ما سبقه من الشروح بالقبول المجرد، بل يناقشها ويعترض على ما لا يستقيم عنده، ويبيّن وجه الخطأ فيه، كما فعل في مسائل تتعلق بعودة الضمائر وتوجيه الصفات والبدل وغيرها. ويعرض كذلك أقوال النحويين واختلاف مذاهبهم، مستحضرًا آراء سيبويه والخليل والمبرّد والكسائي والأخفش وأبي علي الفارسي وابن جني وغيرهم، وموازنًا بين ما يقتضيه القياس وما تثبته الرواية والاستعمال.
ويمتد بحثه إلى تحقيق نسبة الشواهد نفسها؛ فقد ينقل اختلاف الرواة في قائل البيت، ويذكر تعدد نسبته إلى أكثر من شاعر، وينظر في الروايات والقرائن التي يمكن أن ترجّح إحداها، كما يتوقف حيث لا يجد ما يكفي للجزم، ويصرح بعدم وقوفه على حقيقة النسبة إذا لم يثبت له الأمر. ويكشف كذلك ما دخل بعض الأشعار من زيادة أو انتحال أو اختلاف في الرواية، ويستعين في ذلك بما نُقل عن أئمة اللغة ورواة الشعر. ويعضد تفسيره واستدلاله بالقرآن الكريم، والحديث، وشعر العرب وأمثالهم وأخبارهم، لا لمجرد الاستشهاد، بل لتفسير الدلالة، وإثبات الاستعمال، وبيان أصل اللفظة أو تقوية أحد وجوه الإعراب والمعنى. وبذلك يجتمع في شرحه تحقيق الشاهد من جهة روايته ونسبته، وشرح لغته ومعناه، وبيان سياقه، واستقصاء وجوه إعرابه وما يتصل به من مسائل النحو والتصريف والدلالة.