لا يقدّم محمد حسين يعقوب هذا الكتاب بوصفه دفترًا تُسرد فيه صيغ الأذكار فحسب، بل يصرح بأن غرضه تعليم الذكر وفهم ثوابه ومعناه واستحضار القلب عند أدائه، ولذلك يسبق الأذكار أو يعقبها بالتنبيه إلى فضلها وما يعين على العمل بها. ويجعل الذكر من أعظم معالم السير إلى الله تعالى، وقوتًا للقلب وحياةً للإيمان وحصنًا من الشيطان وسببًا لمغفرة الذنب وطمأنينة النفس، ويقابل بين كثرة ذكر المؤمن وقلة ذكر المنافق، مؤكدًا أن المطلوب دوام الصلة بالله تعالى في مختلف أحوال الحياة. ثم يفصل ماهية الذكر ومراتبه؛ فيجعل أعلاه القرآن الكريم، ثم ذكر أسماء الله تعالى وصفاته والثناء عليه وتنزيهه، والخبر عنه بأحكام أسمائه وصفاته، وذكر أمره ونهيه واستحضارهما عند الطاعة والمعصية، وذكر آلائه ونعمه، والدعاء والاستغفار، و«ذكر الرعاية» الذي يستحضر به العبد مراقبة الله تعالى ومعيته. ويفرق في الكيفية بين ذكر القلب واللسان معًا، وذكر القلب وحده، وذكر اللسان وحده، ويجعل أكملها ما تواطأ عليه القلب واللسان؛ لأن حضور القلب يثمر المعرفة والمحبة والحياء والخوف والمراقبة، لكنه يحذر من ترك الذكر بحجة غياب القلب، ويوصي بالاستمرار مع مجاهدة النفس على التفكر في المعاني وإبعاد الشواغل وتصحيح النية واستحضار الثواب. ويتصل بذلك ضبط الأذكار بالاتباع؛ فالأذكار والأدعية النبوية عنده هي الأفضل والأجمع والأسلم، ولا يجوز إنشاء ذكر غير مأثور ثم جعله عبادة راتبة مرتبطة بوقت أو هيئة كأنه سنة، مع تجويزه الدعاء المطلق بما لا يتضمن إثمًا أو اعتداءً. وبعد هذه الأصول يعرض أهمية الذكر بوصفه جلاءً للقلب من صدأ الغفلة والذنب، ويجعل الاستغفار والذكر أداتي هذا الجلاء، ثم يتحدث عن أحوال الذاكرين وكثرة الذكر، وعن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في أحواله، ويستعرض تسبيح الملائكة والجن والجبال وسائر الكائنات، ليهيئ بذلك للانتقال من فقه الذكر وفضله إلى تطبيقه على تفاصيل اليوم والليلة.
ويقسم الجانب التطبيقي إلى «الأذكار الموظفة» ثم «الأذكار والأدعية المطلقة». ففي القسم الأول يتتبع حياة المسلم من عباداته إلى عاداته ومواقفه الطارئة؛ فيبدأ بأذكار الوضوء، ثم يتوسع في أذكار الصلاة من القيام والركوع والرفع منه والسجود وسائر الأركان، وأذكار ما بعد الصلاة، ثم أذكار العيدين والصباح والمساء والنوم والتقلب في الفراش والاستيقاظ والسفر والأذان، والدخول إلى المسجد والمنزل والخروج منهما، واللباس والطعام والشراب والعطاس والسلام والاستئذان، ثم الصيام والحج والعمرة وما يتعلق بالمسجد الحرام وزيارة المسجد النبوي، وبعدها أذكار المرض والرقى والموت وزيارة القبور. ولا يقف عند الشعائر، بل يصل الذكر بالمواقف التي يفاجأ بها الإنسان: الاستخارة عند التردد، وأدعية الكرب والحزن والخوف من الناس والشيطان، وما يقال إذا غلبه أمر أو استصعب عليه، وعند المصيبة والعجز عن سداد الدين والريح والرعد والمطر، ثم ما يتصل بالحب في الله وآداب التعامل مع الإخوان والغضب والمدح والمعروف، وأدعية المجالس والنكاح والذرية ودفع الوسوسة. أما القسم الثاني فيجمع الأذكار التي لا تتقيد بوقت أو مكان، فيبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وصيغها وفضلها، ثم الاستغفار، والتسبيح والتحميد، والتهليل، ويورد ما جاء في غراس الجنة وكنوزها من صيغ الذكر، ثم ينتقل إلى الأدعية المطلقة الجامعة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويعقبها بطائفة من أدعية الصالحين، لكنه ينبه قبل إيرادها إلى أنها في دائرة المباح بشرط سلامتها من التكلف والاعتداء ومخالفة العقيدة، وألا تجعل شعارًا راتبًا ولا تزاحم أدعية القرآن والسنة. ويصل الكتاب في آخر صفحاته إلى مجموعة «سُبُحات السحر» التي يغلب عليها التضرع وطلب إصلاح القلب والدين والدنيا وحسن الخاتمة، ثم يختم بالمعنى الذي افتتح به رحلته: أن الذكر لا حد لكثرته، مستدلًا بالأمر بذكر الله تعالى ذكرًا كثيرًا، وينهي دعاءه بطلب الشكر والمغفرة والرحمة وإتمام النور وقبول العمل؛ فآخر الكتاب نفسه تطبيق لمقصده، إذ تنتهي مباحث الذكر بالذكر والدعاء لا بمجرد تقرير فضائلهما.