يمهّد محمد أحمد إسماعيل المقدم في هذا الكتاب لحرمة العلماء بإقامة أصل أعمّ منها: أن عِرض المسلم مصون، وأن من لم يتعلم ضبط لسانه مع عموم المسلمين لن يحسن حفظ حق أهل العلم خصوصًا. ويصرح منذ المقدمة بأن الكتاب يدور على مطلبين؛ أولهما حسن الخلق مع المسلم وصيانة عرضه، ولا سيما من الغيبة، وثانيهما معرفة قدر العلماء وحفظ حرمتهم والتنزه عن الوقيعة فيهم، مع كون الأول تمهيدًا للثاني لأن العالم تجتمع له حقوق المسلم وحقوق العلم والسن والفضل. ولهذا يستغرق الباب الأول في معالجة آفات اللسان قبل الحديث المفصل عن العلماء؛ فيقرر حرمة الدم والمال والعرض، ويعرّف الغيبة بأنها ذكر المسلم بما يكره ولو كان الوصف فيه حقيقة، ويفصل صورها فلا يحصرها في الكلام الصريح، بل يدخل فيها الكتابة والإشارة والمحاكاة والتعريض والصيغ التي تتستر بالنصح أو الشفقة أو التعجب أو الغضب لله تعالى وهي في حقيقتها تنقص للآخرين. ثم يدعو إلى الاشتغال بعيوب النفس بدل تتبع عيوب الناس، ويبحث وجوب حفظ اللسان والموازنة بين فضيلة الصمت ومواضع الكلام المشروع، ويصور مجاهدة النفس على ترك الغيبة بوصفها جهادًا لشهوة الكلام، ثم يقرر مسؤولية من يحضر مجلس الغيبة، فلا يكفي عنده أن يمتنع المرء عن المشاركة بل عليه إن استطاع أن يذب عن عرض أخيه وينكر على المغتاب أو يفارق المجلس. ويختم هذا القسم ببحث التوبة من الغيبة، فيذكر الإقلاع والندم والعزم على عدم العود وما يتعلق بحق من اغتيب، ثم يجمع وسائل العلاج العملية، فيبدأ بعلاج الأسباب الباعثة عليها كالحسد ومجاراة الجلساء، ويضيف الاشتغال بعيوب النفس، ومجاهدة النفس على الصمت، والفرار من مجالس الغيبة، واستحضار الحساب، وشكر نعمة اللسان، والمحافظة على الصلاة والصدق وكثرة ذكر الموت؛ فيكون إصلاح اللسان في بناء الكتاب هو المدخل المقصود للانتقال إلى إصلاح علاقة طالب العلم بعلمائه.
وينقل الباب الثاني هذا الأصل إلى ميدان طلب العلم، فيبدأ بأهمية الأدب وشدة الحاجة إليه، ثم يعرض أدب الأنبياء عليهم السلام في التعلم، ويخصص فصلًا لفضل العلماء ومكانتهم، قبل أن يفصل الأدب معهم ومع حملة القرآن والأكابر؛ فيورد من أحوال السلف توقير الشيوخ، والتواضع لهم، والرفق في سؤالهم، وحسن مخاطبتهم، والصبر على ما قد يصدر منهم، مع بيان الطرق المتدرجة في تنبيه العالم على الخطأ، والتحذير من كثرة السؤال والجدال والمراء والإلحاح الذي يضجر الشيخ. ثم يأتي الباب الثالث ليضع هذه الصورة في مواجهة ما يسميه واقع الخلف؛ فيقارن بين توقير السلف للعلماء وبين جرأة بعض المتعلمين والدعاة على التجريح والتصنيف، ويبحث خطر الطعن في العلماء وآثاره في إسقاط الثقة بهم وقطع الصلة بين الأمة ومراجعها العلمية وإثارة الخصومات والفتن. ويتتبع أسباب هذه الظاهرة، فيجعل أصلها الانحراف عن منهج السلف في التربية، ثم يذكر منها التلقي من الكتب بلا شيوخ، واستعجال التصدر، والتعالم، والاغترار بما وقع من كلام العلماء بعضهم في بعض، وتقليد الشدة في نقد الأئمة، والجهل بأقدار المنتقدين، والتعصب والتحاسد، وعدم التثبت، والفراغ، واستثمار زلات العلماء. ويخص «زلة العالم» ببحث مستقل يرفض فيه طرفي الغلو: فلا تجعل الزلة شرعًا يُقتدى به، ولا تجعل سببًا لإسقاط العالم وإهدار علمه؛ فالخطأ من طبيعة البشر، والمجتهد قد يخطئ، والزلة ترد بالدليل مع إبقاء قدر صاحبها، والاستفادة من علمه، والتماس العذر له، وحسن الظن به، وعدم دفن محاسنه بسبب خطأ واحد. ومن هنا يقرر الفصل بين «الرجل والمنهج»: الحق لا يتبع لأجل الأشخاص، كما أن مخالفة العالم في خطئه لا تسوغ الوقيعة فيه. ثم يختم مباحثه بذم «التعالم» والقول على الله تعالى بغير علم، ويسأل: من العالم؟ فيجعله من جمع بين خشية الله تعالى والعمل بالعلم، وطول الطلب والتلقي عن الشيوخ، وشهادة أهل العلم له، والاستقامة، والآثار العلمية، والعبادة والأخلاق والثبات عند الشبهات والفتن، مع تنبيه خاص إلى عدم الخلط بين العالم وغيره ممن يقومون بأعمال دعوية نافعة. وتنتهي الخاتمة بإعادة القارئ إلى الغرض العملي للكتاب كله؛ فلا يكفي الإعجاب بأخبار أدب السلف وتوقيرهم للعلماء، بل المطلوب العمل بها، ثم يختم المؤلف بمحاسبة نفسه والاستغفار من كل قول لا يوافقه عمل، ومن كل تعريض بنقص غيره مع وجود نظيره في نفسه.