يردّ القاضي أبو يعلى ابن الفراء في «إبطال التأويلات لأخبار الصفات» على التأويلات التي صرف بها ابن فورك أخبار الصفات عن ظواهرها، بعد أن طُلب منه النظر في كتابه «تأويل الأخبار» وبيان ما يراه خطأً في تأويله وتخريجه. ويصرح في مقدمة الكتاب بأنه يقصد إلى جمع ما اشتهر من الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات، ولا سيما ما قد توهم ظواهره التشبيه، مع ذكر أسانيد بعضها والاكتفاء بمتون المشهور منها طلبًا للاختصار. ويجعل الأصل الذي يبني عليه مناقشاته إثبات ما ورد في هذه الأخبار من الصفات من غير تشبيه ولا تكييف، وحملها على ظاهرها الذي يراه لائقًا بالله تعالى، رافضًا ردها أو صرفها إلى معانٍ أخرى بغير دليل، ومستندًا في ذلك إلى ما ينقله عن الإمام أحمد وأئمة الحديث من إمرار أخبار الصفات كما جاءت بلا كيف. ويقدّم قبل الدخول في تفاصيل الأحاديث تأصيلًا مطولًا لهذا المسلك، فيسوق الروايات عن أحمد ووكيع وسفيان بن عيينة والأوزاعي ومالك وأبي عبيد وغيرهم في تلقي أخبار الصفات والتسليم بها، ثم يقيم وجوهًا لإبطال التأويل، ويجادل من يرى أن بعض هذه النصوص ينبغي صرفه عن ظاهره، مستعملًا دلالة الألفاظ والسياق، ومقارنة الخبر بنظائره من القرآن والسنة، وما ينقله من أقوال السلف وأصحاب الحديث. ثم يبدأ بتطبيق ذلك على الأخبار واحدًا بعد آخر؛ فيطيل في أحاديث خلق آدم «على صورته» وما روي بلفظ «على صورة الرحمن»، ويبحث مرجع الضمير ومعنى الصورة، ويرد الاحتمالات التي تجعل الضمير عائدًا إلى آدم أو إلى المضروب أو تحمل الصورة على مجرد الصفة، ويؤكد في أثناء ذلك أن إثبات اللفظ عنده لا يعني المماثلة في الجسم أو الشكل أو المقدار. ويتناول بعد ذلك أخبار رؤية الله تعالى، وما يتصل برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام والمعراج، ووضع الكف بين كتفيه، والدنو والتدلي، ثم أخبار الساق وما ورد في كشفها يوم القيامة، ويناقش تفسير الساق بالشدة، جامعًا بين دراسة ألفاظ الروايات والاستشهاد باللغة ونقل أقوال الصحابة والتابعين وأهل الحديث.
ويمتد البحث إلى أخبار الغيرة ولفظ الشخص، ثم اليد واليمين والقبض، والرِّجل والقدم، والضحك، والفرح، والعجب، والنزول إلى السماء الدنيا، والكف والأصابع، والقبض والبسط، والسمع والبصر، والعينين، والحياء، والنفس، وغيرها من الألفاظ الواردة في الأخبار التي يعرضها؛ وفي كل باب يسوق الروايات وطرقها بقدر متفاوت، ثم يحدد ما يراه مدلولها، ويعرض التأويلات المخالفة ويجيب عنها غالبًا بصيغة المناظرة: «فإن قيل… قيل»، مستدلًا تارة بلفظ الخبر نفسه، وتارة برواية أخرى أكثر تصريحًا، وتارة بدلالة اللغة أو بآية أو حديث موازٍ، وتارة بما ينقله من الإمام أحمد والخلال والدارقطني وابن بطة وابن منده وغيرهم. ولا يجعل حمل الأخبار على ظاهرها عنده إثباتًا للجوارح والأبعاض أو مماثلة صفات المخلوقين، بل يكرر التفريق بين إثبات الاسم أو الصفة الواردة في الخبر وبين معرفة الكيفية أو إلحاقها بصفات البشر؛ ولذلك يرفض مثلًا تفسير النزول بنزول الملائكة أو الرحمة، ويرى أن ألفاظ الحديث وسياقه تدل على خلاف ذلك، كما يرفض حمل اليد في مواضع كثيرة على القدرة أو النعمة إذا رأى أن هذا التأويل يبطل فائدة تخصيص النص. ويتسع الكتاب في بعض المواضع من مناقشة ابن فورك إلى عرض الخلاف الأوسع في أخبار الصفات، فيجمع الروايات المؤيدة لمذهبه وينقل كذلك اعتراضات المحدثين على بعض الطرق ثم يجيب عنها. ويظهر ذلك بوضوح في أواخر النص الموجود، حيث يفرد مساحة كبيرة للأخبار الواردة في «المقام المحمود» وتفسيره بإقعاد النبي صلى الله عليه وسلم على العرش، فيجمع ما روي في ذلك عن مجاهد وغيره، وينقل عن الإمام أحمد ومن وافقه قبول هذا الأثر، ثم يورد في المقابل أحكام عدد من المحدثين الذين أبطلوا بعض الأحاديث المرفوعة في هذا الباب ولم يصححوا إلا أثر مجاهد، قبل أن يناقش اعتراضهم ويدافع عن المعنى الذي اختاره. وبهذه الطريقة يجمع الكتاب بين رواية أخبار الصفات ونقد تأويلاتها والمناظرة في دلالاتها، مع عناية ظاهرة بنقل المأثور عن أئمة المذهب وأصحاب الحديث، وإقامة الحجة على أن التسليم للنصوص الواردة في هذا الباب من غير تشبيه ولا تكييف ولا صرف لها عن مدلولها هو المنهج الذي يريد تقريره.