يبحث ملا علي بن سلطان محمد القاري في هذا الكتاب مسألة حكم أبوي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، منطلقًا من عبارة الإمام أبي حنيفة في «الفقه الأكبر» التي نص فيها على موتهما على الكفر، ومبينًا أن هذه المسألة عنده من مسائل الاعتقاد التي لا يكفي فيها الظن، بل تحتاج إلى ما يثبت من الكتاب والسنة واتفاق أئمة الأمة. ومن هذا الأصل يجمع القاري ما يستدل به لتقرير معتقد أبي حنيفة، ويناقش الأقوال التي ذهبت إلى إيمانهما، أو إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أحياهما فآمنا به بعد موتهما.
ويبدأ بأدلة القرآن، فيتناول الآيات التي ربطها المفسرون بالسؤال عن حال أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، ويستعرض اختلاف القراءات وأقوال المفسرين في أسباب النزول، ويجمع الروايات الواردة في ذلك ويقوّي بعضها ببعض. ثم ينتقل إلى السنة، فيورد حديث مسلم في جواب النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن أبيه، وما ورد في عدم الإذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لأمه، وما روي في زيارته قبرها وبكائه عنده، وما جاء في النهي عن الاستغفار للمشركين. ويضم إلى ذلك ما يذكره من اتفاق السلف والخلف والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين، ليقرر أن هذه الأدلة بمجموعها تؤيد العبارة التي نقلها عن أبي حنيفة.
ويرد القاري ردًا مطولًا على جلال الدين السيوطي وما ساقه في نصرة القول بنجاة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم. فيناقش حديث إحيائهما بعد الموت وإيمانهما، ويقرر ضعفه، وينقل عن بعض الحفاظ الحكم بوضعه، ويرفض جعله ناسخًا للأخبار الصحيحة الواردة في المسألة، كما يفرق بين إمكان الإحياء في قدرة الله تعالى وبين ثبوت وقوعه بطريق صحيح، فلا يجعل مجرد الإمكان العقلي دليلًا على وقوع الحادثة. ويناقش كذلك إدخالهما في أهل الفترة، والقول بامتحانهما يوم القيامة، ويرى أن أحاديث امتحان أهل الفترة -على تقدير صحتها- إنما تتناول من لم يثبت حاله من توحيد أو شرك، لا من قام عنده الدليل على حاله. كما يتعقب الاستدلال بعموم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بيته، مبينًا أن النصوص المتعلقة بفضل أهل البيت لا تقتضي دخول من مات قبل البعثة في أحكام المؤمنين.
ويتوسع بعد ذلك في مناقشة القول بأن جميع آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على الإيمان والحنيفية، فيتعقب الاستدلال بقوله تعالى في تقلب النبي صلى الله عليه وسلم في الساجدين، ويرفض حمله على انتقال نوره في سلسلة من الآباء المؤمنين، كما يناقش الأحاديث التي تصف طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم، ويجعل المراد بها سلامة نسبه من السفاح وخروجه من نكاح صحيح، لا الحكم بإيمان جميع أصوله. ويبين أن الاصطفاء والكرامة وشرف النسب لا تستلزم بذاتها الإيمان، وإلا لاقتضى ذلك الحكم بإيمان جماعات ثبت خلافه فيهم. ويناقش أيضًا الاحتجاج ببقاء كلمة التوحيد في عقب إبراهيم عليه السلام ودعائه لذريته، فيقرر أن وجود المؤمنين في الذرية لا يستلزم إيمان جميع أفرادها.
ويتصل بهذا رده على فخر الدين الرازي والسيوطي وابن حجر المكي في القول بأن آزر لم يكن أبا إبراهيم عليه السلام حقيقة وإنما كان عمه، فيتمسك بظاهر الآيات التي أطلقت عليه لفظ الأب، ويرى أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يحتاج إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن ظاهره. ثم يرد على رسالة لابن كمال باشا في المسألة، ولا يقبل الاحتجاج بمجرد إمكان أن يكون الله تعالى قد أحيا أبوي النبي صلى الله عليه وسلم وأبقى لهما جزءًا من العمر ليؤمنا فيه، لأن محل النزاع عنده ليس إمكان ذلك في القدرة الإلهية، وإنما ثبوت وقوعه. كما يناقش القول بصحة الإيمان بعد الإعادة إلى الدنيا، ويربط المسألة بأحكام التوبة والإيمان بالغيب، ثم يؤكد أنها من جملة مسائل الاعتقاد لورودها في «الفقه الأكبر».
ويفرد القاري جانبًا لأدب تناول هذه القضية، فيفرق بين نقل ما يعتقد ثبوته بالدليل وبين قصد أذى النبي صلى الله عليه وسلم أو الطعن في نسبه، ويتناول حكم من يطعن في نسبه أو يقذف أمه، ويقرر في الوقت نفسه أن الأولى ترك لعن أبويه وسائر آباء المسلمين الذين ماتوا على غير الإسلام، لما قد يترتب على سب الأموات من أذى الأحياء، ولعدم الفائدة من الاشتغال باللعن. ثم يختم ببيان الحكمة التي يذكرها لموت أبوي النبي صلى الله عليه وسلم على ما قرره في الكتاب، وهي إظهار أن الإيمان والنبوة والولاية مواهب من الله تعالى لا أمورًا تورثها الأنساب أو تقتضيها القرابة، وأن الله تعالى قد يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، لينتهي الكتاب بالدعاء بحسن الخاتمة والثبات على الإسلام.