يردّ إبراهيم بن حسن الحضريتي في هذا الكتاب كمال الصلاة وخشوعها إلى ما يقوم في القلب قبل أن يظهر أثره على الجوارح؛ فالإخلاص واليقين والصبر والمحبة والخوف والرجاء ليست معاني مصاحبة للصلاة فحسب، وإنما تتوقف عليها درجة إقبال المصلي على عبادته وحضور قلبه فيها وفهمه لما يقول ويفعل. ومن هذا الأصل يتابع أثر القلب في الصلاة منذ خشوع المصلي ومناجاته لربه، مرورًا بالقراءة والركوع والسجود والطمأنينة والتشهد، حتى التسليم وأذكار ما بعد الصلاة. وهو أول كتب سلسلة «أثر عمل القلب على العبادات».
ويؤسس المبحث الأول لهذه الصلة بإثبات أثر القلب في الإنسان من نصوص القرآن الكريم والسنة، فيقابل بين القلب المؤمن الذي يوجل ويطمئن ويخشع، وبين القلب الذي تصيبه أمراض النفاق والزيغ والقسوة والران بسبب الذنوب. ويجعل صلاح الجوارح تابعًا لصلاح القلب، كما يربط التقوى بما يستقر في الباطن من تعظيم لله تعالى وخشية ومراقبة، ليبني على ذلك أن إصلاح الصلاة لا يبدأ من حركات الجسد وحدها، بل من القلب الذي يوجه تلك الحركات ويمنحها معناها.
ثم يلخص الآثار العامة لصلاح القلب في العبادات، وفي مقدمتها إخلاص القصد وتنقيته من الرياء والسمعة والعجب، ومجاهدة النفس على متابعة الهدي النبوي والابتعاد عن البدع، وتحرير القلب من التعلق بغير الله تعالى حتى لا يتشتت في شواغل الدنيا أثناء العبادة. ويضيف إلى ذلك الحرص على إتقان العمل واستكماله والسعي إلى مقام الإحسان باستحضار مراقبة الله تعالى واطلاعه، بحيث تتحول العبادة من أداء ظاهر إلى عبودية يجتمع فيها الباطن والظاهر.
ويبين سبب البدء بالصلاة قبل بقية العبادات، فيرجعه إلى عظيم منزلتها وكثرة ورودها في القرآن الكريم والسنة، وإلى خصوصية فرضها في رحلة الإسراء والمعراج. ولا يقصد الكتاب استيفاء صفة الصلاة وأحكامها الفقهية؛ إذ ينبه المؤلف إلى أن ذلك قد بُسط في مؤلفات أخرى، وإنما ينصرف اهتمامه إلى الجانب المتصل بعمل القلب والخشوع وما يتركه ذلك من أثر في أداء الصلاة.
ويجعل المبحث الثاني الخشوع نقطة التقاء أعمال القلب بالصلاة، فيقرر أن أصله لين القلب وسكونه وخضوعه وانكساره، ثم يظهر أثره على السمع والبصر والجوارح وسائر تصرفات المصلي. ولذلك يختار 6 أعمال قلبية يبرز أثرها في الخشوع: الإخلاص، واليقين، والصبر، والمحبة، والخوف والخشية، والرجاء، فيعرف بها ويجمع أدلتها وما قيل في منزلتها، ثم يربطها مباشرة بحال المصلي بين يدي ربه.
فالإخلاص يوجه الصلاة لله تعالى وحده ويحميها من التفات القلب إلى الخلق، واليقين يثبت في القلب حقيقة ما جاءت به نصوص الوعد والوعيد والقرب والمناجاة، والصبر يعين على مجاهدة الشرود والوسوسة وتكرار إعادة القلب إلى الصلاة. أما المحبة فتجعل لقاء العبد بربه في الصلاة محبوبًا إليه، وتثمر الشوق إلى القرب منه والحياء من الانصراف عنه بالقلب أو الوجه، بينما يجتمع الخوف والرجاء ليظل المصلي بين خشية التقصير والطمع في الرحمة والقبول.
ويبلغ هذا البناء غايته حين يستشعر المصلي أنه يناجي الله تعالى، وأنه تعالى يسمعه ويراه ويعلم سره وجهره. ويجعل المؤلف هذا الاستحضار من أقوى دواعي الخشوع؛ فمن وعى حقيقة الموقف استحيا أن يشتغل قلبه بغير من يناجيه، وجاهد نفسه على صرف الخواطر والوساوس عنه، وكلما شرد القلب أعاده إلى الصلاة بدل الاستسلام لغفلته.
وينتقل المبحث الثالث من هذه الأصول إلى تفاصيل الصلاة نفسها، مبتدئًا بلذتها وحلاوتها وطمأنينة القلب بها. ويقرر أن الصلاة قد تصبح راحة وقرة عين، لكن ذلك لا يحصل من أول الأمر بغير مجاهدة ومصابرة؛ فبقدر حضور القلب والخشوع يجد المصلي لذة عبادته، ويتحول وقوفه للصلاة من فعل يؤديه للتخلص من التكليف إلى مقام يأنس به ويحب البقاء فيه.
ثم يجعل فهم الألفاظ المتكررة في الصلاة بابًا أساسيًا للخشوع؛ فلا يكفي أن ينطق اللسان بالتكبير والتسبيح والتحميد والتشهد والسلام بينما القلب غافل عن معناها. ويتوقف عند كثرة تكرار «الله أكبر» في الصلاة، وعند تسبيح الركوع والسجود، والتحميد بعد الركوع، والتشهد والسلام، ليسأل عن أثر هذه الكلمات في القلب إذا تكررت كل يوم. والمقصود أن يوافق إدراك القلب حركة اللسان، فيثمر التكبير تعظيمًا لله تعالى، والتسبيح تنزيهًا وإجلالًا، والحمد اعترافًا بالنعم والثناء، وسائر الأذكار آثارها التي وضعت لها.
ويخص سورة الفاتحة بعناية واسعة، فيربط تدبرها باستشعار المناجاة القائمة في كل ركعة، ويقف عند الحديث الذي يبين جواب الله تعالى لعبده عند آياتها. ومن هنا يدعو إلى ألا يحجب التكرار اليومي معاني السورة عن القلب، بل يكون سببًا لترسيخها فيه؛ فيتدبر المصلي الحمد والثناء والعبودية والاستعانة، ثم يستحضر شدة حاجته إلى الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم والثبات عليه، ولا سيما مع ما يعرض للقلب من تقلب وشبهات وشهوات.
ويمد هذا التدبر إلى ما يقرأ بعد الفاتحة، سواء تلاه المصلي بنفسه أو سمعه من الإمام، فيجعل صفاء القلب من الذنوب سببًا في قوة انتفاعه بالقرآن الكريم. فالغاية ليست سماع الآيات ومرورها على الأذن، وإنما التفكر في معانيها حتى تنزل إلى القلب وتظهر في العمل. ولهذا يوجه عناية خاصة إلى الأئمة الذين يسمعون المصلين القرآن كل يوم، فيدعوهم إلى تدبر ما يقرؤونه وأن يكون القرآن تذكيرًا لهم ولمن خلفهم.
ويقرأ الركوع بوصفه اجتماعًا بين خضوع الجسد وتعظيم القلب؛ فقول المصلي «سبحان ربي العظيم» ينبغي أن يصحبه إدراك لعظمة الله تعالى وإجلاله، حتى يتم الخضوع في الباطن والظاهر معًا. وعند الرفع من الركوع يربط ألفاظ الحمد بحضور القلب واستشعار النعم والاعتراف بأن الحمد كله لله تعالى، فلا تمر عبارات الثناء على اللسان منفصلة عن المعاني التي تتضمنها.
أما السجود فيجعله أظهر مقامات الذل والخضوع والقرب، لأن المصلي يضع أشرف أعضائه على الأرض ويقترن خضوع الجسد بانكسار القلب. ويربط تكرار «سبحان ربي الأعلى» باستحضار علو الله تعالى وعظمته، كما يعتني بالدعاء في السجود لما فيه من إظهار الافتقار والحاجة والإلحاح. وكلما حضر القلب بمعاني القرب والذل والرجاء اشتد تعلقه بالله تعالى، وخرج السجود من كونه هيئة جسدية إلى عبادة يشترك فيها القلب واللسان والجوارح.
ويفرد للطمأنينة بحثًا مستقلًا، فيبين معناها وحكمتها وخطورة التساهل فيها، ويجعلها مع الخشوع من روح الصلاة. فالطمأنينة تمنح المصلي زمنًا يستقر فيه في الركوع والسجود والقيام والجلوس، فيستطيع القلب أن يعي ما يقال ويفعل، بينما تؤدي العجلة إلى تحويل الصلاة إلى حركات متتابعة لا يجد القلب فسحة للتدبر فيها. ويجمع لذلك الأحاديث المحذرة من نقص الركوع والسجود، ويؤكد أن حضور القلب واستشعار مراقبة الله تعالى يحملان المصلي على التمهل وإتمام الأركان.
ويتتبع بعد ذلك عمل القلب في التشهد، من هيئة الجلوس إلى فهم معاني التحيات والشهادتين والصلاة الإبراهيمية. ويحث على مواصلة مجاهدة النفس حتى آخر الصلاة، وألا يظن المصلي أن حضور القلب مطلوب في القراءة والركوع والسجود وحدها. ثم يتناول أدعية ما قبل السلام، وبخاصة الاستعاذة من عذاب جهنم والقبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، داعيًا إلى إدراك معانيها وخطر ما يستعاذ منه بدل التلفظ بها على سبيل الاعتياد.
ويصل إلى التسليم بوصفه ختام الصلاة، ثم يتابع أثر القلب في الأذكار التي تعقبه. فيربط الاستغفار بعد السلام بإحساس العبد بتقصيره في صلاته، وبما يزيل العجب ويدفعه إلى إصلاح الخلل في صلاته المقبلة. كما يقف عند التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير وآية الكرسي والمعوذات وغيرها من الأذكار، ليؤكد مرة أخرى أن المقصود ليس مجرد استكمال العدد، بل إدراك ما تحمله من توحيد وتعظيم وافتقار واعتراف بملك الله تعالى وقدرته وفضله.
وهكذا يجعل «أثر عمل القلب على عبادة الصلاة» الصلاة ميدانًا متكاملًا لعمل القلب من أولها إلى ما بعد السلام؛ فخشوع الجوارح ثمرة لخشوع الباطن، وفهم الأذكار والقراءة يبعث على التدبر، وتعظيم الله تعالى يظهر في الركوع، والذل والافتقار يبلغان أوضح صورهما في السجود، والطمأنينة تمنح هذه المعاني مجالها لتستقر في النفس. وبذلك لا ينفصل إصلاح الصلاة عن مجاهدة القلب على الإخلاص واليقين والصبر والمحبة والخوف والرجاء، حتى تؤدى الصلاة بقلب حاضر يدرك ما يقول ويفعل ويجد أثر عبادته في نفسه وسلوكه.