
نبذة عن الكتاب:
يروي أحمد بن حنبل في كتاب «الزهد» أحوال النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم السلام والصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن جاء بعدهم، مستخرجًا من سيرهم صورة للزهد تقوم على قصر الأمل، والقناعة، والورع، والخوف من الله تعالى، والاستعداد للآخرة، مع كثرة العبادة والذكر وحسن الخلق والإحسان إلى الناس. ويبدأ بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في عبادته ومعيشته وأخلاقه، فيذكر مداومته على العمل الصالح وكثرة استغفاره، وخدمته لأهله، وعفوه وصفحه، وبساطة طعامه ولباسه ومسكنه، وموته من غير أن يترك دينارًا ولا درهمًا مع بقاء درعه مرهونة، ومرور الشهر على بيوته من غير أن يخبز فيها، وقوله عن نفسه إنه عبد يأكل كما يأكل العبد ويجلس كما يجلس العبد. وتتضح نظرته إلى الدنيا في تشبيهها بظل شجرة يستريح تحته الراكب ثم يتركه، وفي الدعوة إلى الكفاف والقناعة وأن يعيش الإنسان فيها كالغريب أو عابر السبيل، فيأخذ من حياته قبل موته ومن صحته قبل سقمه، ويمنع طول الأمل من أن يصرفه عن العمل. ثم تتتابع أخبار الأنبياء عليهم السلام، فيرد ذكر يونس وسليمان وأيوب وآدم ولقمان وعيسى وموسى وداود وإبراهيم ويوسف عليهم السلام، وتدور هذه الأخبار حول الصبر على البلاء، والتوبة، وخشية الله تعالى، والعدل، وكسب الحلال، والتواضع، وعدم الركون إلى المال والجاه؛ فينقل عن سليمان عليه السلام الحث على الحلم في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله تعالى في السر والعلانية، ويورد عن عيسى عليه السلام وصفًا لمن نظروا إلى باطن الدنيا وآجلها، فأحيوا ذكر الموت واستعملوا ما في أيديهم لبناء آخرتهم. وبعد ذلك تعرض أخبار الصحابة رضي الله عنهم صورًا متعددة للزهد؛ ففي أبي بكر وعمر وعلي وأبي الدرداء والزبير وطلحة وأبي ذر وسلمان وعائشة وأبي هريرة وحذيفة ومعاذ وأبي عبيدة وغيرهم يظهر الزهد في المال والسلطة والسمعة كما يظهر في العبادة والورع، فيقسم الزبير ما يأتيه من المال، ويضيق طلحة باجتماعه عنده حتى يفرقه، ويعيش أبو عبيدة في بيت لا يكاد يوجد فيه إلا سلاحه، ويشتد عمر رضي الله عنه في صيانة أموال المسلمين ومحاسبة نفسه، فتدل هذه الأخبار على أن الزهد لا يساوي الفقر، وإنما يكون في ألا تستولي الدنيا على القلب وألا تصرف صاحبها عن الحق.
وتتسع النماذج بعد الصحابة رضي الله عنهم لتشمل التابعين والعباد والزهاد، فتكثر أخبار الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والربيع بن خثيم وإبراهيم التيمي وأبي مسلم الخولاني وغيرهم، وتدور حول إخفاء العمل، والخوف من الرياء والعجب، ومحاسبة النفس، وتعظيم القرآن، وطول الصلاة، والصيام، والرضا بالقضاء، والصبر على المرض والفقر، وذكر الموت والجنة والنار. فالربيع بن خثيم كان يخفي عبادته ويغطي المصحف إذا دخل عليه أحد، ويأتي عن مطرف تفضيل النوم مع الندم على القيام الذي يورث صاحبه العجب، فتتقدم سلامة القلب والإخلاص على مجرد كثرة العمل الظاهر. ويظهر عند إبراهيم التيمي حضور الآخرة في محاسبة النفس؛ فيتصور نفسه في النار ثم في الجنة، ويسألها عما تتمناه، فتطلب الرجوع إلى الدنيا للعمل، فيذكرها بأنها ما تزال في موضع العمل نفسه، كما يخاف عند مرضه مما سيبشره به ملك الموت، ويخفي قراءته للقرآن، ويجعل خوف مقام الله تعالى حاجزًا عن الذنب. وتتداخل مع هذه الأخبار معانٍ عملية في حفظ اللسان، وترك الكذب والمراء، وطيب المطعم، وتعليم القرآن، والإحسان إلى الإخوان، والرحمة بالمؤمنين، والأمر بالمعروف، والإنصاف، ورد المظالم، واغتنام أبواب الخير قبل أن تغلق، حتى يصبح الزهد تهذيبًا شاملًا للقلب والعمل والعلاقة بالناس. ويظل ذكر الموت من أقوى ما يضبط هذا السلوك؛ فالكيس من يحاسب نفسه ويعمل لما بعد الموت، وفساد القلب يبدأ حين يغيب عنه ذكر النهاية، كما يتكرر أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس لا كثرة المال. وفي آخر الكتاب تعود معاني بساطة عيش النبي صلى الله عليه وسلم، والخوف من النار، والتقوى، وحسن الخلق، والقصد في العمل، ورجاء رحمة الله تعالى، والتوفيق إلى صالح الأعمال قبل الموت، ثم تنتهي الروايات إلى أن «أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة»، فيتحدد الزهد في مجموع الكتاب بتحرير القلب من سلطان المال والشهوة والجاه، ليظهر أثر ذلك في العبادة والإخلاص والورع والعدل والرحمة وبذل الخير للناس.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













