
نبذة عن الكتاب:
ثلاثة أغراض يصرح بها ابن الجوزي في مقدمة «أخبار الأذكياء»: التعريف بأقدار أصحاب الفطنة، وتنبيه من لديه استعداد إلى الارتقاء في الذكاء بسماع أخبارهم كما ينتفع بمخالطتهم، وكسر إعجاب المرء برأيه حين يقارن نفسه بمن يصعب عليه اللحاق بفطنتهم. وقبل أن يسوق الأخبار يضع للموضوع أساسًا يفسر به ما سيأتي؛ فيبدأ بفضل العقل، ثم يناقش ماهيته ومحله، ويجعل لفظ العقل واقعًا على 4 معانٍ: الغريزة التي يتميز بها الإنسان ويستعد لقبول العلوم، والمعارف الضرورية، وما تكتسبه النفس من التجارب، وبلوغ العقل من القوة ما يقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة. ويفرق بعد ذلك بين الذهن والفهم والذكاء، فيجعل الذهن قوة النفس المستعدة لاكتساب الآراء، والفهم جودة استعدادها لذلك، والذكاء سرعة الحدس والفهم في زمن قصير، ويتتبع أصل لفظ «الذكاء» في العربية وصلته بتمام الشيء وقوة اتقاده. ثم يبحث العلامات التي يستدل بها على عقل الإنسان وفطنته، ويفصل بين ما نُقل من الاستدلال بالهيئة والصورة وبين العلامات الأوثق اتصالًا بالسلوك، كالسكون، وضبط القول والحركة، والنظر في العواقب، ومقاومة الشهوة العاجلة إذا أفضت إلى الضرر، واختيار الأحمد عاقبة في المطعم والمشرب والملبس والقول والفعل. وبعد هذه المقدمات تتحول مادة الكتاب إلى أخبار مرتبة بحسب أصحابها، فيورد ما يدل على الفطنة عن الأنبياء عليهم السلام، ثم الأمم السابقة، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضي الله عنهم، والخلفاء والوزراء والسلاطين والأمراء والحجاب والشرطة والقضاة والعلماء والفقهاء والعباد والزهاد والعرب وعلماء العربية.
ويصبح الذكاء في بقية الكتاب فعلًا يُختبر في المواقف لا صفةً مجردة؛ فيجمع ابن الجوزي أخبار من بلغ غرضه بالحيلة، ومن احتال فانقلب تدبيره عليه، ومن نزلت به آفة فخرج منها بالفطنة، ومن استعان بالمعاريض لينجو من الحرج أو الخطر، ومن أسكت خصمه بجواب لا يجد بعده مقالًا، ثم يعرض مواقف تغلب فيها بعض العامة على الرؤساء بحضور البديهة، وأقوالًا عارضة لأناس من أوساط المجتمع كشفت عن سرعة فهمهم. وتدخل في هذا الباب احترازات الأذكياء ودقة اختيار الألفاظ، وأحوال الشعراء والمداحين، وحيل المحاربين، وفطنة المتطببين والمتطفلين والمتلصصين؛ فلا ينظر إلى القيمة الأخلاقية للمهنة بوصفها شرطًا لورود الخبر، وإنما يجمع الموضع الذي ظهرت فيه قوة الفطنة وسرعة التدبير. ثم يخص الصبيان بأخبار تكشف عن جواب مبكر يفوق أعمارهم، ويورد نوادر «عقلاء المجانين» التي يظهر فيها المعنى الحكيم من شخص وُصف بذهاب العقل، ثم أخبار النساء المتفطنات. وتعتمد أكثر هذه المادة على الحكاية القصيرة والحوار والجواب المفاجئ والمفارقة، وتدخل فيها الأخبار المسندة والمنقولات والأشعار والأمثال، بحيث يتبين الذكاء مرة في استنباط خفي، ومرة في فهم مراد غير مصرح به، ومرة في قلب الحجة على صاحبها، أو التخلص من مأزق، أو توقع نتيجة قبل وقوعها. ولا يقف عند الإنسان؛ فالباب قبل الأخير يجمع ما نُقل عن الحيوان من أفعال تشبه فطنة الآدميين، كوفاء الكلب واستدلاله ودفاعه عن صاحبه، ثم يختم بما ضربته العرب والحكماء من أمثال على ألسنة الحيوان، فتظهر فيه حكايات الغراب والثعلب والذئب والقنبرة والفخ وغيرها بوصفها صورًا للحذر والحيلة وسرعة التنبه إلى الخداع.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














