
نبذة عن الكتاب:
يَجْمَع جلال الدين السيوطي في «ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين»، ومعه رسالتا «ذم القضاء وتقلد الأحكام» و«ذم المَكْس»، طائفةً من الأحاديث والآثار التي تدور حول صيانة الدين عن مواطن الفتنة المتصلة بالسلطة والولاية والمال؛ فيحذر في الأولى من التردد على أبواب السلاطين وما قد يجره من افتتان ومداهنة، ويجمع في الثانية ما ورد في ثقل القضاء والولاية وشدة المسؤولية عنهما، ثم يورد في الثالثة النصوص الواردة في ذم المَكْس وأخذ أموال الناس بغير حق. وتغلب على الرسائل الثلاث طريقة الجمع الحديثي، فيسوق السيوطي المرويات مسندةً أو معزوةً إلى مصادرها، ويضم إليها أقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والعلماء وأخبارهم.
ويستهل «ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين» بالأحاديث الناهية عن إتيان أبواب السلاطين، وفي مقدمتها الحديث المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في اقتران إتيان أبوابهم بالافتتان، ثم يكثر من الشواهد التي تحذر العالم والقارئ من مخالطة أصحاب السلطان طلبًا للدنيا. وتتكرر في النصوص معاني ازدياد الفتنة بقدر القرب من السلطان، وخطر تصديق الأمراء في كذبهم وإعانتهم على ظلمهم، والتحذير من علماء يتفقهون لغير الله تعالى أو يجعلون علمهم وسيلةً إلى ما في أيدي الحكام.
ويخص العلماء بجانب واسع من الرسالة؛ لأن دخولهم على السلاطين لا يتعلق بأنفسهم وحدهم، بل بمكانة العلم وما يترتب على قربهم من أهل السلطة من مداهنة أو سكوت عن المنكر أو افتتان بالدنيا. ويسوق في ذلك أخبارًا عن السلف تشدد في استقلال العالم بعلمه، ومن ذلك ما نُقل عن أبي حازم في أن العلماء فيما مضى كان السلاطين يطلبونهم وهم يفرون منهم، ثم صار بعض أهل العلم يطلبون أبواب السلاطين. كما ينقل عن محمد بن عجلان وصف انقلاب العلاقة بين الفريقين، حين ركن العلماء إلى الأمراء واشتهوا ما في أيديهم، فكان في ذلك فساد للعالم والأمير معًا.
ولا يقف السيوطي عند أصل النهي، بل يجمع صورًا متعددة لما يترتب على هذه المخالطة، فيورد ما جاء في ذم عالم يزور عاملًا، والتحذير من القراء الزائرين للملوك، واتهام العالم في دينه إذا صار مترددًا على السلطان، وما رُوي في علماء آخر الزمان الذين يتخذون الفقه طريقًا إلى الدنيا. ويقابل ذلك بأخبار من صانوا أنفسهم عن أموال الحكام ومجالسهم، واكتفوا بالكسب الذي يغنيهم عن الحاجة إليهم، لتبقى كلمة العالم أبعد عن تأثير الرغبة والرهبة.
وينقل كذلك كلام الغزالي في أحوال مخالطة الأمراء والعمال الظلمة، فيقسم الصلة بهم إلى أن يدخل المرء عليهم، أو يدخلوا عليه، أو يعتزلهم فلا يراهم ولا يرونه، ويجعل الاعتزال أسلم الأحوال، مع التفريق في الدخول عليهم بين ما يحرم وما يكره وما قد يباح بحسب الحال. ومن خلال هذا النقل تتسع الرسالة من جمع النصوص المفردة إلى بيان صور العلاقة بالسلطان، مع بقاء مقصدها منصبًّا على التحذير من المخالطة التي تُعَرِّض الدين للفتنة أو تجعل العلم وسيلةً إلى الجاه والمال.
ويُفْرِد السيوطي «ذم القضاء وتقلد الأحكام» لجمع ما ورد في خطورة القضاء والإمارة وما يترتب عليهما من حساب، فيورد الأحاديث التي تصور ثقل الولاية يوم القيامة، وما جاء في تمني بعض من وَلِيَ أمر الناس لو أنه لم يتولَّ عملًا. ويذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه حين نهاه عن الإمارة وولاية مال اليتيم، وبيَّن له أن الولاية أمانة وأنها تكون خزيًا وندامةً لمن لم يؤد حقها، كما يسوق حديث مَن جُعِل قاضيًا فكأنما ذُبح بغير سكين، بما يحمله من تغليظ في التحذير من التطلع إلى هذا المنصب.
ويمتد التحذير إلى القاضي العادل نفسه لما يواجهه من دقة الحساب وعِظَم التبعة، ثم يورد ما جاء فيمن يقضي بجَوْر أو جهل، وما رُوي في مراتب القضاة وعاقبة مَن لم يحكم بالحق. ويجمع إلى ذلك أخبارًا في الإمارة وما يصحبها من ملامة وندامة ومسؤولية، فتظهر الولاية في هذه النصوص أمانةً شديدة لا منزلةً تُطلب للجاه، ويصبح مناط السلامة فيها العلم والعدل وأداء الحقوق، لا مجرد الوصول إلى المنصب.
ويستحضر السيوطي مواقف السلف من القضاء ليبين أثر هذه المعاني في سلوكهم؛ فيذكر امتناع جماعة من العلماء عن تقلده وفرارهم منه مع قدرتهم عليه، ومن ذلك ما نُقل عن عبد الله بن وهب حين عُرض عليه القضاء فكتب أنه لم يطلب العلم ليُحشر في زمرة القضاة، وإنما طلبه ليُحشر في زمرة العلماء. ويضم إلى ذلك أخبارًا أخرى فيمن استعفى من القضاء أو خاف تبعاته، ثم يورد ما رُوي في أحوال القضاة في بني إسرائيل، لتبقى العبرة منصبةً على ثقل الحكم بين الناس وما يتعلق به من الدماء والأموال والحقوق.
أما «ذم المَكْس» فأصلها مجلس من أمالي السيوطي، وهو المجلس الحادي والتسعون الذي أملاه في السابع عشر من جمادى سنة أربع وسبعين وثمانمائة. ويجمع فيه الأحاديث والآثار الواردة في ذم صاحب المَكْس والعَشَّار، ويبدأ بما رُوي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه في الوعيد لصاحب المَكْس، ثم يورد خبر رويفع بن ثابت رضي الله عنه حين عُرضت عليه ولاية العُشْر فامتنع مستندًا إلى ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
وتتوالى في المجلس النصوص التي تشدد في أمر المَكْس والعَشَّارين، ومنها ما يربط هذا العمل بالحرمان من إجابة الدعاء في ساعة تُفتح فيها أبواب السماء، وما ورد في اقتران العَشَّار بالساحر أو البَغِيّ في بعض الروايات. كما يورد خبر الظبية في دلائل النبوة لما جاء فيه من ذكر عذاب العَشَّار، ثم يسوق الروايات التي تتحدث عن سُهَيْل وأنه كان عَشَّارًا فمُسخ شهابًا، ويذكر أثرًا في تفسير قوله تعالى: «ولا تقعدوا بكل صراط توعدون» بالمَكَّاسين، ثم يختم المجلس بأبيات له في ذم المَكْس والعَشَّارين.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














