
نبذة عن الكتاب:
يُفَصِّل نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي في هذا الكتاب مسائل مختصره الذي اختصره من «روضة الناظر» لموفق الدين ابن قدامة المقدسي، ثم عاد إلى عباراته المختصرة يشرحها ويكشف ما أودعه فيها من حدود وتقسيمات وأدلة واعتراضات. ويجاوز في الشرح مجرد حل الألفاظ إلى استقصاء مأخذ المسألة، ومقارنة طرائق الأصوليين في بنائها، وإيراد الأسئلة والأجوبة والاحتمالات، والتعقب والنقد والترجيح، حتى تتحول العبارة الموجزة في المختصر إلى بحث مستقل تتداخل فيه أصول الفقه والفقه واللغة والحديث والجدل ومباحث النظر.
ويعتني منذ المقدمات بضبط البناء العام لعلم أصول الفقه، فيستعرض طرائق عدد من الأصوليين في ترتيب أبوابه، ومنهم الغزالي والآمدي والشيرازي والرازي والقرافي وأبو يعلى، ثم يقارن بين مناهجهم من جهة الاختصار والاستيعاب وحسن ترتيب المسائل. ويقرر لنفسه طريقة متوسطة جامعة، تنطلق من أن المقصود من الشريعة امتثال المكلفين لأحكامها؛ فالحكم له مصدر هو الشرع، ومورد هو المكلف، والمكلف إما مجتهد يستقل بمعرفة الحكم من دليله، وإما مقلد يتوصل إليه بواسطة المجتهد. وبذلك تنتظم المباحث عنده في الحكم ومتعلقاته، والدليل وأقسامه، والاجتهاد والتقليد، مع تجنب الإجمال المُخِل والتفصيل المُمِل.
ويتوقف عند المقدمة المنطقية التي كانت ملحقة ببعض نسخ «الروضة»، فيبين أن ابن قدامة أسقطها بعد إنكار إدخالها عليه، ويذكر أن المختصر الذي اعتمد عليه لم تشتمل نسخته عليها، وأن المنطق علم مستقل يؤخذ من مظانه ولا ضرورة إلى إقحامه في أصول الفقه. ثم يمهد لأصول الفن بتعريف أصول الفقه والفقه والأصل والدليل، وبمباحث العلم والإدراك، والتكليف وشروطه، والحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه، والأحكام من وجوب وندب وتحريم وكراهة وإباحة وصحة وفساد، وما يتصل بالأسباب والشروط والموانع والرخص والعزائم.
ويجعل اللغة مدخلًا ضروريًّا إلى فهم الأدلة السمعية، فيبحث الوضع والاستعمال والحقيقة والمجاز والاشتراك والترادف والاشتقاق ودلالات الألفاظ والحروف، ويناقش صحة استعمال المجاز وعلاقاته وما يحتاج منه إلى نقل وما يكتفى فيه بقيام العلاقة اللغوية. ومن هذه المقدمات ينتقل إلى الأمر والنهي، فيبحث صيغ الأمر وحقيقته ودلالته على الوجوب، والفور والتكرار، والأمر بعد الحظر، والأمر بالشيء وما يتعلق بأضداده ومقدماته، ثم النهي ودلالته وما يترتب عليه من فساد أو صحة بحسب متعلقه.
ويُوَسِّع مباحث العموم والخصوص، فيشرح صيغ العموم وتناولها للأفراد، وطرق التخصيص ومخصصات الكتاب والسنة والقياس وغيرها، وما يقع عند اجتماع العام والخاص. ويربط بذلك المطلق والمقيد، ثم المجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، ودليل الخطاب، والإضمار، والظاهر والتأويل، مبينًا أن اختلاف الحكم كثيرًا ما يرجع إلى اختلاف في تحديد جهة الدلالة أو قوة اللفظ أو القرينة الصارفة له عن ظاهره. ولا يكتفي بنقل القاعدة، بل يختبرها بالأمثلة ويورد عليها الاعتراضات حتى يظهر مقدار انطباقها على محل النزاع.
ويبحث أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتقريراته وصلتها بالبيان والتشريع، ثم النسخ من حيث حقيقته وشروطه وأقسامه وما يجوز نسخه، وموقع الناسخ والمنسوخ من التعارض الظاهري بين الأدلة. ويعقب ذلك بالإجماع، فيتناول حجيته وشروط انعقاده وأهله وما يتصل بالإجماع السكوتي وانقراض العصر وخلاف بعض أهل الاجتهاد، ثم يفرد للأخبار بحثًا في تعريف الخبر وأقسامه، والمتواتر والآحاد، وما يفيد العلم أو الظن، وأحوال الرواة وطرق النقل والقبول، إذ إن معرفة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراره تتوقف لمن لم يشاهدها على صحة الطريق الناقل إليها.
ويتناول القياس باعتباره الدليل المستنبط، فيبحث حجيته وتعريفه وأركانه من الأصل والفرع والحكم والعلة، ثم شروط كل ركن ومسالك إثبات العلة وأنواع المناسبات والاعتراضات الواردة عليها. ويفصل في قياس العلة والدلالة والشبه، والسبر والتقسيم والمناسبة والدوران وغيرها، ويكثر من الفروع الفقهية التي تمتحن صلاحية التعليل وصحة الإلحاق. كما يناقش القوادح والمعارضات وما يفسد القياس أو يضعفه، ويفرق بين الاعتراض الذي يهدم أصل العلة وما يقتصر أثره على صورة بعينها.
ويضم إلى الأدلة المشهورة الاستصحاب والاستحسان والاستصلاح وما اختلف فيه الأصوليون من طرق إثبات الأحكام، ويجعل النظر فيها تابعًا لحقيقة الدليل ووجه دلالته لا لمجرد الاسم المصطلح عليه. ففي الاستصحاب يبحث بقاء الحكم السابق عند عدم الدليل الناقل، وفي المصلحة يحرر علاقتها بالمفسدة وما إذا كان عروض المفسدة يبطل حقيقة المصلحة أو يوجب الموازنة بينهما. ويتسع بهذا الباب للبحث في الأدلة التي زاد فيها المجتهدون أو نقصوا، ومقدار استقلال كل واحد منها بالحجية.
ويعالج أحوال المجتهد بعد استكمال الكلام على الحكم ودليله، فيبحث معنى الاجتهاد وشروط أهليته وما يحتاج إليه الناظر من العلم بالنصوص واللغة وطرق الدلالة ومواقع الإجماع، ويتناول تجزؤ الاجتهاد واختلاف المجتهدين والتصويب والتخطئة. ويقابل ذلك بالتقليد، فيبين موقع المقلد من الحكم الشرعي، وما يجوز له من سؤال المجتهد والعمل بقوله، وما إذا جاز للمجتهد تقليد غيره في بعض الأحوال، مع التفريق بين من يقدر على استنباط الحكم ومن يقصر عن آلته.
ويُحَرِّر في أواخر الكتاب التعارض والترجيح ومراتب الأدلة، فيبحث ما يُقدَّم عند تزاحم الدلالات، ووجوه الترجيح المتعلقة بالسند والمتن والدلالة والقياس والقرائن، وما يمكن فيه الجمع قبل المصير إلى الترجيح. ويجعل الترجيح جزءًا من كيفية الاستدلال لا مجرد موازنة شكلية بين النصوص؛ إذ تتفاوت الحجج بقوة ثبوتها ووضوح دلالتها وما يعرض لها من تخصيص أو تأويل أو معارضة، ويكون عمل المجتهد ترتيب هذه الجهات حتى يعمل بالدليل الأقوى عند تعذر الجمع.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














