
نبذة عن الكتاب:
يَكْشِف شرح جلال الدين السيوطي وحاشية محمد بن عبد الهادي السندي على «سنن النسائي الصغرى (المجتبى)» عن معاني أحاديث الإمام أحمد بن شعيب النسائي، ويعينان على فهم ألفاظها وأسانيدها وتراجم أبوابها وما تتضمنه من أحكام واستنباطات. ويسيران مع ترتيب النسائي في أبواب السنن، فيتناولان أحاديث الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والنكاح والطلاق والمعاملات والجهاد والجنايات والحدود وسائر ما اشتمل عليه «المجتبى»، مع اختلاف ظاهر بين منهجيهما؛ فالسيوطي يغلب عليه جمع كلام شراح الحديث وأئمة اللغة والرجال، أما السندي فيكثر من التحليل المباشر لعبارة النسائي والحديث ومناقشة وجوه الدلالة والإشكالات الفقهية.
ويعتني السيوطي بالتعريف برجال الأسانيد وضبط أسمائهم وكناهم وأنسابهم، وبيان ما وقع فيها من اختلاف، فيورد مثلًا الأقوال في اسم أبي هريرة رضي الله عنه، ويعرف بالزهري وأبي سلمة وغيرهما، ويستفيد في ذلك من كتب الرجال وأقوال الحفاظ. ولا يقف عند أسماء الرواة، بل يتتبع أحيانًا الاختلاف في تعيين الشخص المذكور في الخبر أو ضبط اسمه، ويوازن بين ما حكاه أهل الحديث والسير، كما فعل في الروايات المتعلقة بالمستحاضات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ويقترن ذلك بعنايته بزيادات الروايات واختلاف ألفاظها، فيستحضر طرق الحديث عند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم حين يكون اختلاف الرواية مؤثرًا في فهم اللفظ أو الحكم.
ويشرح السيوطي غريب الحديث وضبط الكلمات التي تحتمل أكثر من قراءة، مستعينًا بالنهاية في غريب الحديث وشروح النووي وابن حجر والقرطبي والبيضاوي وغيرهم. فيبين مثلًا معنى «يشوص فاه»، و«الاستنان»، ووجوه ضبط «مَطْهرة»، ويشرح «أهل الوبر والمدر» و«ثَبَج البحر» ونظائرها من الألفاظ التي يحتاج قارئ السنن إلى تحرير معناها. كما يتناول التراكيب من جهة اللغة والإعراب والدلالة، ويورد أحيانًا اختلاف الشراح في تفسير اللفظ ثم يذكر ما يرجحه أو ما تؤيده رواية أخرى.
ويظهر الجانب الفقهي في شرح السيوطي من خلال نقل مذاهب العلماء وتوجيه استدلالاتهم بالحديث، وربط الألفاظ بالقواعد الأصولية. ففي حديث «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» يعرض دلالته على أن الأمر حقيقة في الوجوب، ويفسر انتفاء الأمر بثبوت المشقة مع بقاء الندب، وفي أحاديث الطهارة يتتبع علل الأحكام ووجوه الاستنباط واختلاف الفقهاء في تنزيل النصوص. ويكثر من الاستفادة من النووي وابن حجر وابن دقيق العيد والبيهضاوي والقرطبي والعراقي وغيرهم، فتأتي تعليقاته في مواضع كثيرة جامعة لخلاصة ما حرروه حول الحديث من لغة وفقه ودلالة.
أما حاشية السندي فتتجه بصورة أوضح إلى تفكيك تراجم النسائي وألفاظ أحاديثه واستنباط الصلة بين الترجمة والدليل. فهو قد يبدأ بالسؤال عن مراد النسائي من عنوان الباب أو عن وجه إيراد الحديث تحته، ثم يختبر الدلالة ويقترح وجهًا أقرب إذا رأى أن التوجيه المشهور لا يستقيم تمامًا مع سياق الخبر. ففي أول كتاب الطهارة يناقش الاستدلال بحديث غسل اليد بعد النوم على ابتداء الوضوء بغسل اليدين، ويرى أن سياق الحديث أقرب إلى الاحتياط لماء الوضوء ومنع إدخال اليد المشكوك في طهارتها فيه، مع إقراره بوجود أحاديث أخرى تدل على البداءة بغسل اليدين.
ويُدَقِّق السندي في دلالات القيود والتعليلات، فلا يكتفي بشرح ظاهر اللفظ، بل يبحث هل الحكم خاص بالصورة المذكورة أو يتعداها إلى ما يشترك معها في العِلّة. ففي حديث الاستيقاظ من النوم يجعل المدار على الشك في طهارة اليد، ويناقش كون النهي للأدب أو للتحريم، وأثر وقوع النجاسة في الماء، وما يمكن أن يستنبط من عدد الغسلات. وفي حديث السواك عند كل صلاة يستنبط أن المنفي هو أمر الإيجاب لأن الندب ثابت، ثم يثني على دقة استنباط النسائي من الحديث، وهو ما يكشف عن عنايته الخاصة بفهم فقه المصنف من ترتيب الأبواب واختيار الأخبار.
وتتسع حاشية السندي للمباحث اللغوية والنحوية بقدر ما يخدم تفسير الحديث؛ فيضبط الألفاظ، ويفسر صيغ الأفعال والأسماء، ويبحث مرجع الضمائر واحتمالات التركيب، ويبين أثر اختلاف الرواية في المعنى. لكنه لا يفصل هذه الصناعة اللغوية عن الفقه؛ فشرح الكلمة كثيرًا ما يعقبه ببيان ما يستفاد منها من حكم، أو مناقشة وجه الاستدلال بها، أو الجمع بينها وبين نص آخر. ويعرض الخلاف الفقهي من غير أن يقتصر دائمًا على نقله، بل يناقش الأدلة ويذكر الاحتمالات ويرجح أحيانًا بعبارات مثل «الأقرب» و«الأحوط» و«الأولى»، ويختم كثيرًا من تحقيقاته برد العلم إلى الله تعالى.
ويختلف السندي عن السيوطي كذلك بكثرة الاعتراض والاستدراك؛ فهو ينقل قولًا للنووي أو ابن حجر أو غيرهما ثم يقول «قلت» ليختبر توجيهه أو يقترح معنى آخر. ففي شرح «السواك مَطْهرة للفم مرضاة للرب» يناقش تفسير «مَطْهرة» على معنى الآلة أو المصدر، ويعترض على بعض التخريجات الصرفية، وفي مسائل استقبال القبلة عند قضاء الحاجة يجمع وجوه الجمع بين الأخبار وينظر في حمل النهي على الصحراء دون البنيان، ثم يقرر أن الاحتراز في البيوت أحوط وأولى. وتظهر هذه الطريقة في أبواب متعددة؛ إذ لا يتعامل مع كلام من سبقه بوصفه تفسيرًا نهائيًّا، بل يعيده إلى لفظ الحديث وسياقه وترجمة النسائي وما تحتمله الروايات.
وتتكامل الحاشيتان في معالجة التعارض الظاهري بين الأخبار؛ فالسيوطي يكثر من جمع أقوال الشراح والطرق والزيادات التي ترفع الإشكال، بينما يعتني السندي ببناء الاحتمالات التي يمكن بها الجمع بين الروايات. ومن أمثلة ذلك مناقشة الأخبار المتعلقة ببول النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا أو قاعدًا؛ إذ يحمل السندي ما روت عائشة رضي الله عنها على عادته أو على ما شاهدته في البيت، بحيث لا يناقض خبر حذيفة رضي الله عنه في وقوع البول قائمًا في واقعة معينة، مع عرض ما قيل في أسانيد الأخبار ووجوه الترجيح بينها.
ولا تقتصر التعليقات على الأحكام الفقهية المباشرة؛ فهي تمتد إلى آداب العبادات، وشرح الأذكار، ومعاني الأخبار المتعلقة بالموت والجهاد والأسرة والرضاع والقصاص واللباس والزينة وغيرها. ويظل التعامل مع النص الحديثي هو المحور: ضبط لفظه، وتعيين المراد منه، ومقارنة رواياته، وبيان وجه إدخاله في الباب، واستخراج ما يحتمله من حكم. ففي شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن للموت فزعًا» يجمع السيوطي تفسير القرطبي والبيضاوي وابن حجر للفظ ومقصوده، بينما تظهر في مواضع أخرى من الحاشيتين عناية مماثلة بتفسير الألفاظ التي لا يستقيم فهم الحكم أو سياق الخبر إلا بتحريرها.
ويستمر السيوطي والسندي على هذه الطريقة مع أحاديث «المجتبى»؛ فتتجاور تراجم الرواة وضبط الأسماء مع تفسير الغريب، ومقارنة الطرق، وتحليل التراجم، والجمع بين الروايات، وتوجيه الاستنباطات الفقهية. ويبرز استقلال السندي في مواضع يراجع فيها توجيهات الشراح أو يبحث عن وجه أدق لصنيع النسائي، كما يظهر اعتماد السيوطي الواسع على تراث الشرح واللغة والرجال في جمع ما يوضح الحديث؛ فتأتي الحاشيتان ملازمتين لنص السنن، إحداهما أوسع في نقل تحريرات الأئمة، والأخرى أشد اتصالًا بتحليل عبارة النسائي ووجه استدلاله من الحديث.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:








