مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب سنن النسائي الصغرى (المجتبى) بشرح جلال الدين السيوطي وحاشية محمد بن عبد الهادي السندي PDF
كتاب سنن النسائي الصغرى (المجتبى) بشرح جلال الدين السيوطي وحاشية محمد بن عبد الهادي السندي PDF

نبذة عن الكتاب:

يَكْشِف شرح جلال الدين السيوطي وحاشية محمد بن عبد الهادي السندي على «سنن النسائي الصغرى (المجتبى)» عن معاني أحاديث الإمام أحمد بن شعيب النسائي، ويعينان على فهم ألفاظها وأسانيدها وتراجم أبوابها وما تتضمنه من أحكام واستنباطات. ويسيران مع ترتيب النسائي في أبواب السنن، فيتناولان أحاديث الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والنكاح والطلاق والمعاملات والجهاد والجنايات والحدود وسائر ما اشتمل عليه «المجتبى»، مع اختلاف ظاهر بين منهجيهما؛ فالسيوطي يغلب عليه جمع كلام شراح الحديث وأئمة اللغة والرجال، أما السندي فيكثر من التحليل المباشر لعبارة النسائي والحديث ومناقشة وجوه الدلالة والإشكالات الفقهية.

ويعتني السيوطي بالتعريف برجال الأسانيد وضبط أسمائهم وكناهم وأنسابهم، وبيان ما وقع فيها من اختلاف، فيورد مثلًا الأقوال في اسم أبي هريرة رضي الله عنه، ويعرف بالزهري وأبي سلمة وغيرهما، ويستفيد في ذلك من كتب الرجال وأقوال الحفاظ. ولا يقف عند أسماء الرواة، بل يتتبع أحيانًا الاختلاف في تعيين الشخص المذكور في الخبر أو ضبط اسمه، ويوازن بين ما حكاه أهل الحديث والسير، كما فعل في الروايات المتعلقة بالمستحاضات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ويقترن ذلك بعنايته بزيادات الروايات واختلاف ألفاظها، فيستحضر طرق الحديث عند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم حين يكون اختلاف الرواية مؤثرًا في فهم اللفظ أو الحكم.
ويشرح السيوطي غريب الحديث وضبط الكلمات التي تحتمل أكثر من قراءة، مستعينًا بالنهاية في غريب الحديث وشروح النووي وابن حجر والقرطبي والبيضاوي وغيرهم. فيبين مثلًا معنى «يشوص فاه»، و«الاستنان»، ووجوه ضبط «مَطْهرة»، ويشرح «أهل الوبر والمدر» و«ثَبَج البحر» ونظائرها من الألفاظ التي يحتاج قارئ السنن إلى تحرير معناها. كما يتناول التراكيب من جهة اللغة والإعراب والدلالة، ويورد أحيانًا اختلاف الشراح في تفسير اللفظ ثم يذكر ما يرجحه أو ما تؤيده رواية أخرى.
ويظهر الجانب الفقهي في شرح السيوطي من خلال نقل مذاهب العلماء وتوجيه استدلالاتهم بالحديث، وربط الألفاظ بالقواعد الأصولية. ففي حديث «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» يعرض دلالته على أن الأمر حقيقة في الوجوب، ويفسر انتفاء الأمر بثبوت المشقة مع بقاء الندب، وفي أحاديث الطهارة يتتبع علل الأحكام ووجوه الاستنباط واختلاف الفقهاء في تنزيل النصوص. ويكثر من الاستفادة من النووي وابن حجر وابن دقيق العيد والبيهضاوي والقرطبي والعراقي وغيرهم، فتأتي تعليقاته في مواضع كثيرة جامعة لخلاصة ما حرروه حول الحديث من لغة وفقه ودلالة.

أما حاشية السندي فتتجه بصورة أوضح إلى تفكيك تراجم النسائي وألفاظ أحاديثه واستنباط الصلة بين الترجمة والدليل. فهو قد يبدأ بالسؤال عن مراد النسائي من عنوان الباب أو عن وجه إيراد الحديث تحته، ثم يختبر الدلالة ويقترح وجهًا أقرب إذا رأى أن التوجيه المشهور لا يستقيم تمامًا مع سياق الخبر. ففي أول كتاب الطهارة يناقش الاستدلال بحديث غسل اليد بعد النوم على ابتداء الوضوء بغسل اليدين، ويرى أن سياق الحديث أقرب إلى الاحتياط لماء الوضوء ومنع إدخال اليد المشكوك في طهارتها فيه، مع إقراره بوجود أحاديث أخرى تدل على البداءة بغسل اليدين.

ويُدَقِّق السندي في دلالات القيود والتعليلات، فلا يكتفي بشرح ظاهر اللفظ، بل يبحث هل الحكم خاص بالصورة المذكورة أو يتعداها إلى ما يشترك معها في العِلّة. ففي حديث الاستيقاظ من النوم يجعل المدار على الشك في طهارة اليد، ويناقش كون النهي للأدب أو للتحريم، وأثر وقوع النجاسة في الماء، وما يمكن أن يستنبط من عدد الغسلات. وفي حديث السواك عند كل صلاة يستنبط أن المنفي هو أمر الإيجاب لأن الندب ثابت، ثم يثني على دقة استنباط النسائي من الحديث، وهو ما يكشف عن عنايته الخاصة بفهم فقه المصنف من ترتيب الأبواب واختيار الأخبار.
وتتسع حاشية السندي للمباحث اللغوية والنحوية بقدر ما يخدم تفسير الحديث؛ فيضبط الألفاظ، ويفسر صيغ الأفعال والأسماء، ويبحث مرجع الضمائر واحتمالات التركيب، ويبين أثر اختلاف الرواية في المعنى. لكنه لا يفصل هذه الصناعة اللغوية عن الفقه؛ فشرح الكلمة كثيرًا ما يعقبه ببيان ما يستفاد منها من حكم، أو مناقشة وجه الاستدلال بها، أو الجمع بينها وبين نص آخر. ويعرض الخلاف الفقهي من غير أن يقتصر دائمًا على نقله، بل يناقش الأدلة ويذكر الاحتمالات ويرجح أحيانًا بعبارات مثل «الأقرب» و«الأحوط» و«الأولى»، ويختم كثيرًا من تحقيقاته برد العلم إلى الله تعالى.

ويختلف السندي عن السيوطي كذلك بكثرة الاعتراض والاستدراك؛ فهو ينقل قولًا للنووي أو ابن حجر أو غيرهما ثم يقول «قلت» ليختبر توجيهه أو يقترح معنى آخر. ففي شرح «السواك مَطْهرة للفم مرضاة للرب» يناقش تفسير «مَطْهرة» على معنى الآلة أو المصدر، ويعترض على بعض التخريجات الصرفية، وفي مسائل استقبال القبلة عند قضاء الحاجة يجمع وجوه الجمع بين الأخبار وينظر في حمل النهي على الصحراء دون البنيان، ثم يقرر أن الاحتراز في البيوت أحوط وأولى. وتظهر هذه الطريقة في أبواب متعددة؛ إذ لا يتعامل مع كلام من سبقه بوصفه تفسيرًا نهائيًّا، بل يعيده إلى لفظ الحديث وسياقه وترجمة النسائي وما تحتمله الروايات.
وتتكامل الحاشيتان في معالجة التعارض الظاهري بين الأخبار؛ فالسيوطي يكثر من جمع أقوال الشراح والطرق والزيادات التي ترفع الإشكال، بينما يعتني السندي ببناء الاحتمالات التي يمكن بها الجمع بين الروايات. ومن أمثلة ذلك مناقشة الأخبار المتعلقة ببول النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا أو قاعدًا؛ إذ يحمل السندي ما روت عائشة رضي الله عنها على عادته أو على ما شاهدته في البيت، بحيث لا يناقض خبر حذيفة رضي الله عنه في وقوع البول قائمًا في واقعة معينة، مع عرض ما قيل في أسانيد الأخبار ووجوه الترجيح بينها.

ولا تقتصر التعليقات على الأحكام الفقهية المباشرة؛ فهي تمتد إلى آداب العبادات، وشرح الأذكار، ومعاني الأخبار المتعلقة بالموت والجهاد والأسرة والرضاع والقصاص واللباس والزينة وغيرها. ويظل التعامل مع النص الحديثي هو المحور: ضبط لفظه، وتعيين المراد منه، ومقارنة رواياته، وبيان وجه إدخاله في الباب، واستخراج ما يحتمله من حكم. ففي شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن للموت فزعًا» يجمع السيوطي تفسير القرطبي والبيضاوي وابن حجر للفظ ومقصوده، بينما تظهر في مواضع أخرى من الحاشيتين عناية مماثلة بتفسير الألفاظ التي لا يستقيم فهم الحكم أو سياق الخبر إلا بتحريرها.

ويستمر السيوطي والسندي على هذه الطريقة مع أحاديث «المجتبى»؛ فتتجاور تراجم الرواة وضبط الأسماء مع تفسير الغريب، ومقارنة الطرق، وتحليل التراجم، والجمع بين الروايات، وتوجيه الاستنباطات الفقهية. ويبرز استقلال السندي في مواضع يراجع فيها توجيهات الشراح أو يبحث عن وجه أدق لصنيع النسائي، كما يظهر اعتماد السيوطي الواسع على تراث الشرح واللغة والرجال في جمع ما يوضح الحديث؛ فتأتي الحاشيتان ملازمتين لنص السنن، إحداهما أوسع في نقل تحريرات الأئمة، والأخرى أشد اتصالًا بتحليل عبارة النسائي ووجه استدلاله من الحديث.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

أحمد بن شعيب النسائي
الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النَّسَائِي، صاحب «السنن». ولد بنَسَا في سنة خمس عشرة ومائتين، وطلب العلم في صغره، فارتحل إلى قتيبة في سنة ثلاثين ومائتين، فأقام عنده ببَغْلان سنة، فأكثر عنه. وسمع من: إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، ومحمد بن النضر بن مُسَاوِر، وسويد بن نصر، وعيسى بن حماد زُغْبَة، وأحمد بن عبدة الضَّبِّي، وأبي الطاهر بن السَّرْح، وأحمد بن منيع، وإسحاق بن شاهين، وبشر بن معاذ العَقَدِي، وبشر بن هلال الصَّوَّاف، وتميم بن المنتصر، والحارث بن مسكين، والحسن بن الصباح البَزَّار، وحميد بن مسعدة، وزياد بن أيوب، وزياد بن يحيى الحَسَّانِي، وسوار بن عبد الله العَنْبَرِي، والعباس بن عبد العظيم العَنْبَرِي، وأبي حُصَيْن عبد الله بن أحمد اليَرْبُوعِي، وعبد الأعلى بن واصل، وعبد الجبار بن العلاء العَطَّار، وعبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي، ابن أخي الإمام. وعبد الملك بن شعيب بن الليث، وعبدة بن عبد الله الصَّفَّار، وأبي قدامة عبيد الله بن سعيد، وعتبة بن عبد الله المَرْوَزِي، وعلي بن حُجْر، وعلي بن سعيد بن مسروق الكِنْدِي، وعمار بن خالد الواسطي، وعمران بن موسى القَزَّاز، وعمرو بن زرارة الكِلَابِي، وعمرو بن عثمان الحِمْصِي، وعمرو بن علي الفَلَّاس، وعيسى بن محمد الرَّمْلِي، وعيسى بن يونس الرَّمْلِي، وكثير بن عبيد، ومحمد بن أبان البَلْخِي، ومحمد بن آدم المَصِّيصِي، ومحمد بن إسماعيل بن عُلَيَّة قاضي دمشق، ومحمد بن بشار، ومحمد بن زنبور المكي، ومحمد بن سليمان لُوَيْن، ومحمد بن عبد الله بن عمار، ومحمد بن عبد الله المُخَرِّمِي، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمَة، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ومحمد بن عبيد المُحَارِبِي، ومحمد بن العلاء الهَمْدَانِي، ومحمد بن قدامة المَصِّيصِي الجوهري، ومحمد بن مثنى، ومحمد بن مُصَفَّى، ومحمد بن مَعْمَر القيسي، ومحمد بن موسى الحَرَشِي، ومحمد بن هاشم البَعْلَبَكِّي، وأبي المعافى محمد بن وهب، ومجاهد بن موسى، ومحمود بن غيلان، ومخلد بن حسن الحَرَّانِي. ونصر بن علي الجَهْضَمِي، وهارون بن عبد الله الحَمَّال، وهناد بن السري، والهيثم بن أيوب الطَّالَقَانِي، وواصل بن عبد الأعلى، ووهب بن بيان، ويحيى بن دُرُسْت البصري، ويحيى بن موسى خَتّ، ويعقوب الدَّوْرَقِي، ويعقوب بن ماهان البَنَّاء، ويوسف بن حماد المَعْنِي، ويوسف بن عيسى الزُّهْرِي، ويوسف بن واضح المؤدب، وخلق كثير، وإلى أن يروي عن رفقائه. وكان من بحور العلم، مع الفهم، والإتقان، والبصر، ونقد الرجال، وحسن التأليف. جال في طلب العلم في خراسان، والحجاز، ومصر، والعراق، والجزيرة، والشام، والثغور، ثم استوطن مصر، ورحل الحفاظ إليه، ولم يبق له نظير في هذا الشأن. حدث عنه: أبو بشر الدُّولَابِي، وأبو جعفر الطَّحَاوِي، وأبو علي النيسابوري، وحمزة بن محمد الكِنَانِي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النَّحَّاس النحوي، وأبو بكر محمد بن أحمد بن الحَدَّاد الشافعي، وعبد الكريم بن أبي عبد الرحمن النَّسَائِي، والحسن بن الخضر الأَسْيُوطِي، وأبو بكر أحمد بن محمد بن السُّنِّي، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَانِي، ومحمد بن معاوية بن الأحمر الأندلسي، والحسن بن رشيق، ومحمد بن عبد الله بن حيويه النيسابوري، ومحمد بن موسى المأموني، وأبيض بن محمد بن أبيض، وخلق كثير. وكان شيخًا مهيبًا، مليح الوجه، ظاهر الدم، حسن الشيبة. قال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوام السعدي: حدثنا أحمد بن شعيب النَّسَائِي، أخبرنا إسحاق بن راهويه، حدثنا محمد بن أعين، قال: قلت لابن المبارك: إن فلانًا يقول: من زعم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ مخلوق، فهو كافر. فقال ابن المبارك: صدق. قال النَّسَائِي: بهذا أقول. وعن النَّسَائِي قال: أقمت عند قتيبة بن سعيد سنة وشهرين. وكان النَّسَائِي يسكن بزقاق القناديل بمصر. وكان نضر الوجه مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخضر، ويكثر الاستمتاع، له أربع زوجات، فكان يقسم لهن، ولا يخلو، مع ذلك، من سرية، وكان يكثر أكل الديوك، تشترى له وتسمن وتخصى. قال مرة بعض الطلبة: ما أظن أبا عبد الرحمن إلا أنه يشرب النبيذ للنضرة التي في وجهه. وقال آخر: ليت شعري ما يرى في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: فسئل عن ذلك، فقال: النبيذ حرام، ولا يصح في الدبر شيء، لكن حدث محمد بن كعب القُرَظِي، عن ابن عباس، قال: «اسق حرثك حيث شئت»، فلا ينبغي أن يتجاوز قوله. قلت: قد تيقنا بطرق لا محيد عنها نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أدبار النساء، وجزمنا بتحريمه، ولي في ذلك مصنف كبير. وقال الوزير ابن حِنْزَابَة: سمعت محمد بن موسى المأموني، صاحب النَّسَائِي، قال: سمعت قومًا ينكرون على أبي عبد الرحمن النَّسَائِي كتاب «الخصائص» لعلي رضي الله عنه، وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك، فقال: دخلت دمشق، والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب «الخصائص»، رجوت أن يهديهم الله تعالى. ثم إنه صنف بعد ذلك فضائل الصحابة، فقيل له، وأنا أسمع: ألا تخرج فضائل معاوية رضي الله عنه؟ فقال: أي شيء أخرج؟ حديث: «اللهم لا تشبع بطنه»؟ فسكت السائل. قلت: لعل أن يقال: هذه منقبة لمعاوية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم من لعنته أو سببته، فاجعل ذلك له زكاة ورحمة». قال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طَرَسُوس مع النَّسَائِي سنة الفداء، فاجتمع جماعة من الأئمة: عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم مُرَبَّع، وأبو الآذان، وكَيْلَجَة، فتشاوروا: من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النَّسَائِي، وكتبوا كلهم بانتخابه. قال الحاكم: كلام النَّسَائِي على فقه الحديث كثير، ومن نظر في «سننه» تحير في حسن كلامه. قال ابن الأثير في أول «جامع الأصول»: كان شافعيًّا، له مناسك على مذهب الشافعي، وكان ورعًا متحريًا. قيل: إنه أتى الحارث بن مسكين في زي أنكره، عليه قلنسوة وقباء، وكان الحارث خائفًا من أمور تتعلق بالسلطان، فخاف أن يكون عينًا عليه، فمنعه، فكان يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع، ولذلك ما قال: حدثنا الحارث، وإنما يقول: قال الحارث بن مسكين، قراءة عليه وأنا أسمع. قال ابن الأثير: وسأل أمير أبا عبد الرحمن عن «سننه»: أصحيح كله؟ قال: لا. قال: فاكتب لنا منه الصحيح، فجرد «المجتبى». قلت: هذا لم يصح، بل «المجتبى» اختيار ابن السُّنِّي. قال الحافظ أبو علي النيسابوري: أخبرنا الإمام في الحديث بلا مدافعة، أبو عبد الرحمن النَّسَائِي. وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: من يصبر على ما يصبر عليه النَّسَائِي؟ عنده حديث ابن لَهِيعَة ترجمة ترجمة، يعني عن قتيبة، عن ابن لَهِيعَة، قال: فما حدث بها. قال أبو الحسن الدَّارَقُطْنِي: أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. قال الحافظ ابن طاهر: سألت سعد بن علي الزَّنْجَانِي عن رجل، فوثقه، فقلت: قد ضعفه النَّسَائِي، فقال: يا بني، إن لأبي عبد الرحمن شرطًا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم. قلت: صدق، فإنه لين جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم. قال محمد بن المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النَّسَائِي في العبادة بالليل والنهار، وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر، فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه، والانبساط في المأكل، وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج. قال الدَّارَقُطْنِي: كان أبو بكر بن الحَدَّاد الشافعي كثير الحديث، ولم يحدث عن غير النَّسَائِي، وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى. قال الطَّبَرَانِي في «معجمه»: حدثنا أبو عبد الرحمن النَّسَائِي القاضي بمصر، فذكر حديثًا. وقال أبو عَوَانَة في «صحيحه»: حدثنا أحمد بن شعيب النَّسَائِي، قاضي حمص: حدثنا محمد بن قدامة، فذكر حديثًا. روى أبو عبد الله بن مَنْدَه، عن حمزة العُقْبِي المصري وغيره، أن النَّسَائِي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق، فسئل بها عن معاوية، وما جاء في فضائله، فقال: لا يرضى رأسًا برأس حتى يفضل؟ قال: فما زالوا يدفعون في حَضْنَيْه حتى أخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة، فتوفي بها. كذا قال، وصوابه: إلى الرملة. قال الدَّارَقُطْنِي: خرج حاجًّا، فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال: احملوني إلى مكة. فحمل وتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة، وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة. قال: وكان أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعلمهم بالحديث والرجال. قال أبو سعيد بن يونس في «تاريخه»: كان أبو عبد الرحمن النَّسَائِي إمامًا حافظًا ثبتًا، خرج من مصر في شهر ذي القعدة من سنة اثنتين وثلاثمائة، وتوفي بفلسطين في يوم الاثنين، لثلاث عشرة خلت من صفر، سنة ثلاث. قلت: هذا أصح، فإن ابن يونس حافظ يقظ، وقد أخذ عن النَّسَائِي، وهو به عارف. ولم يكن أحد في رأس الثلاثمائة أحفظ من النَّسَائِي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري وأبي زرعة، إلا أن فيه قليل تشيع وانحراف عن خصوم الإمام علي، كمعاوية وعمرو، والله يسامحه. وقد صنف «مسند علي»، وكتابًا حافلًا في الكنى، وأما كتاب «خصائص علي» فهو داخل في «سننه الكبير»، وكذلك كتاب «عمل يوم وليلة»، وهو مجلد، هو من جملة «السنن الكبير» في بعض النسخ، وله كتاب «التفسير» في مجلد، وكتاب «الضعفاء»، وأشياء. والذي وقع لنا من «سننه» هو الكتاب المجتنى منه، انتخاب أبي بكر بن السُّنِّي، سمعته ملفقًا من جماعة سمعوه من ابن باقا، بروايته عن أبي زرعة المقدسي، سماعًا لمعظمه، وإجازة لفوت له محدد في الأصل. قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمد الدُّونِي، قال: أخبرنا القاضي أحمد بن الحسين الكَسَّار، حدثنا ابن السُّنِّي عنه. ومما يروى اليوم، في عام أربعة وثلاثين وسبعمائة، من «السنن» عاليًا جزآن، الثاني من الطهارة والجمعة، تفرد البُوصِيرِي بعلوهما في وقته، وقد أنبأني أحمد بن أبي الخير بهما، عن البُوصِيرِي، فبيني وبين النَّسَائِي فيهما خمسة رجال. وعندي جزء من حديث الطَّبَرَانِي، عن النَّسَائِي، وقع لنا بعلو أيضًا. ووقع لنا جزء كبير انتخبه السِّلَفِي من «السنن»، سمعناه من الشيخ أبي المعالي ابن المُنَجَّا التَّنُوخِي: أخبرنا جعفر الهَمَذَانِي، أخبرنا أبو طاهر السِّلَفِي، أخبرنا الدُّونِي، وبدر بن دَلَف الفَرَكِي، بسماعهما من الكَسَّار، قال: أخبرنا أبو بكر بن السُّنِّي، أخبرنا أحمد بن شعيب، أخبرنا قتيبة، أخبرنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن البول في الماء الراكد». أخبرنا علي بن حُجْر: أخبرنا عبيدة بن حميد، عن يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يأخذ شاربه فليس منا». قال أبو علي الحافظ: سألت النَّسَائِي: ما تقول في بقية؟ فقال: إن قال: حدثنا وأخبرنا، فهو ثقة. وقال جعفر بن محمد المَرَاغِي: سمعت النَّسَائِي يقول: محمد بن حميد الرازي كذاب. قرأت على علي بن محمد، وشَهْدَة العامرية: أخبرنا جعفر، أخبرنا السِّلَفِي، أخبرنا محمد بن طاهر بهَمَذَان، أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق، قال: قال لي أبو عبد الله بن مَنْدَه: الذين أخرجوا الصحيح، وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب، أربعة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو عبد الرحمن النَّسَائِي. وممن مات معه: المحدث أبو الحسن أحمد بن الحسين بن إسحاق الصوفي الصغير ببغداد. والمفسر أبو جعفر أحمد بن فرح البغدادي الضرير المقرئ. والمفسر أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق النيسابوري الأنماطي الحافظ. والمسند أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الجَوْزِي. والمحدث إسحاق بن إبراهيم بن نصر النيسابوري البُشْتِي. والحافظ جعفر بن أحمد بن نصر الحَصِيرِي. والحسن بن سفيان الحافظ. والمحدث أبو الحسين عبد الله بن محمد بن يونس السِّمْنَانِي. والمحدث عمر بن أيوب السَّقَطِي ببغداد. ورأس المعتزلة أبو علي الجُبَّائِي. والحافظ محمد بن المنذر الهَرَوِي شَكَر. المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب سنن النسائي الصغرى (المجتبى) بشرح جلال الدين السيوطي وحاشية محمد بن عبد الهادي السندي PDF - مكتبة الكتب الإسلامية