
نبذة عن الكتاب:
يروي إسحاق بن إبراهيم البستي في هذا الكتاب طائفة كبيرة من الأحاديث والآثار المتعلِّقة بتفسير القرآن الكريم، مسندًا أكثرها إلى الصَّحابة والتَّابعين ومن بعدهم. والجزء المحفوظ في النَّصِّ يبدأ بتفسير سورة الكهف، ثمَّ يتتابع في السُّور اللاحقة، وينتهي أثناء تفسير سورة النَّجم عند قوله تعالى: «مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى» وما يتَّصل بها، مع الإشارة في خاتمة النُّسخة إلى أنَّ ما يليها قوله تعالى: «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى»، ممَّا يدلُّ على أنَّ الموجود جزء من التَّفسير لا الكتاب كاملًا.
يعتمد البستي في مادَّته على الرِّواية بالأسانيد، فتأتي الأخبار غالبًا بصيغ «حدَّثنا» و«أخبرنا» و«سمعت»، وتكثر فيه النُّقول عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما ومجاهد بن جبر والضَّحَّاك وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والحسن البصري وغيرهم. ويثبت أحيانًا مادَّة وجدها في كتاب أبيه، كما في نقله تفسير قتادة لبعض الآيات. ولا يقتصر على قول واحد في الموضع؛ فقد يسوق عدَّة آثار في اللَّفظ نفسه إذا اختلف المنقول فيه، من غير أن يحوِّل الكتاب إلى شرح متَّصل للآيات كلِّها.
ويظهر تفسير غريب القرآن ومعاني مفرداته في مواضع كثيرة من الكتاب، فتُفسَّر «أَسَفًا» بالجزع، و«جُرُزًا» بالأرض البلقع، و«بِالْوَصِيدِ» بالفناء، و«مَرِيجٍ» بالملتبس، و«مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» بالمفاتيح. وقد تَرِد للمفردة الواحدة تفسيرات مختلفة عن السَّلف؛ ففي «هَمْسًا» نُقل عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومجاهد تفسيرها بأصوات الأقدام، وعن الضَّحَّاك تفسيرها بالكلام الخفي، ثمَّ رُوي عنه ذكر القولين معًا.
وتشكِّل القراءات القرآنيَّة جانبًا ظاهرًا من مادَّة التَّفسير؛ فينقل البستي قراءات الحسن البصري وأبي عمرو والأعرج وأُبيِّ بن كعب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وغيرهم، ويورد أحيانًا ما يترتَّب على اختلاف القراءة من توجيه المعنى. ففي مطلع سورة الكهف ينقل اختلاف القراءة في رفع «كَلِمَةٌ» ونصبها، وفي قوله تعالى: «هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ» يورد قراءات منقولة عن الحسن البصري وأُبيِّ بن كعب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، ثمَّ ينقل بيانًا لغويًّا للفرق في ضبط «الولاية» بحسب المعنى.
وتحضر أسباب النُّزول والوقائع المرتبطة بالآيات إلى جانب تفسير الألفاظ. ففي سورة الكهف يروي خبرًا في نزول قوله تعالى: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ»، وينقل في آخر السُّورة خبر نزول قوله تعالى: «فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا» في رجل أراد بعمله الأجر وحمد النَّاس له. كما تَرِد أخبار تربط بعض الآيات بأقوال أو مواقف للصَّحابة رضي الله عنهم، فتتداخل في الكتاب مادَّة التَّفسير بالمأثور مع أسباب النُّزول والآثار المتعلِّقة بتطبيق الآيات.
وتأخذ قصص القرآن مساحة واسعة حين تتعدَّد الرِّوايات الواردة فيها. ففي قصَّة أصحاب الكهف يسوق البستي الأقوال في معنى «الرَّقيم»؛ فيروي أنَّه القرية، وينقل عن الضَّحَّاك أنَّه اسم الوادي، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما توقُّفه في تعيينه وقوله إنَّه لا يدري أكتاب هو أم بنيان. كما يورد ما نُقل في عدد أصحاب الكهف وبعض أسمائهم وكلبهم، ومعاني الألفاظ المتعلِّقة بموضعهم وهيئة كهفهم، مثل «فجوة» و«الوصيد» و«تقرضهم».
وفي قصَّة موسى والخضر عليهما السَّلام يورد حديث أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه عن النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم في سؤال موسى عليه السَّلام عن أعلم النَّاس، ورحلته إلى مجمع البحرين، ولقائه الخضر، ثمَّ خرق السَّفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار. ويضيف إلى الحديث آثارًا في موضع اللقاء والحوت والكنز الذي كان تحت الجدار وحال الغلام الذي قتله الخضر، كما ينقل بعض الأخبار التَّفصيليَّة المتعلِّقة بهذه القصَّة. وتظهر هنا طبيعة الكتاب في جمع ما رُوي في الآية أو القصَّة، سواء كان تفسيرًا مباشرًا للَّفظ أو خبرًا يشرح أحداثها.
وتتعدَّد الآثار كذلك في قصَّة ذي القرنين؛ فينقل تفسير «السَّبب» بالعلم، وتفسيره بالمنازل والطُّرق بين المشارق والمغارب، ويروي أقوالًا في سبب تسميته بذي القرنين وصفته، وما يتَّصل ببلوغه مغرب الشَّمس ومطلعها. ثمَّ تَرِد أخبار يأجوج ومأجوج والسَّدِّ، ومعنى «الصَّدفين» بأنَّهما الجبلان، وتفسير «القطر» بالنُّحاس. ولا يقتصر البستي في هذه المواطن على المعاني اللُّغويَّة، بل يضمُّ إليها الأخبار المنقولة في الأشخاص والأماكن والأحداث.
وتتَّضح كثرة النَّقل عن السَّلف في سورة مريم منذ أوَّلها؛ فيسوق أقوالًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما والحسن البصري ومجاهد والضَّحَّاك في الحروف المقطَّعة «كهيعص»، ثمَّ يفسِّر ألفاظًا من قصَّة زكريَّا ويحيى عليهما السَّلام، مثل «عِتِيًّا» و«حَنَانًا» و«سَوِيًّا». ويثبت في «حَنَانًا» اختلاف المنقول عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نفسه؛ فتأتي رواية فيها تفسيره بالتَّعطُّف والرَّحمة، وأخرى يصرِّح فيها بأنَّه لا يدري معناها.
وتشمل مادَّة التَّفسير مسائل عقديَّة وأحوال الآخرة كلَّما وردت بها الآيات، من غير فصلها في أبواب مستقلَّة. ففي سورة الشُّورى ينقل تفسير قوله تعالى: «تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ» بتصدُّعها من عظمة الله عزَّ وجلَّ، ويروي في قوله تعالى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ» تفسير قتادة المتعلِّق بالشَّريعة وإقامة الدِّين وترك التَّفرُّق. وفي سورة الطُّور تَرِد آثار في إلحاق ذرِّيَّة المؤمن به في الجنَّة، وعدم إنقاص الآباء من أعمالهم بسبب رفع الأبناء إلى درجتهم، إلى جانب تفسير ما أُعدَّ لأهل الجنَّة وما ورد في العذاب.
ولا يتدخَّل البستي بالتَّعليق في كلِّ رواية، لكنَّه يظهر بصوته في مواضع متفرِّقة؛ فيقول إنَّه وجد خبرًا في كتاب أبيه، أو يذكر شكَّه في لفظ من ألفاظ الإسناد أو المتن، أو يثبت ما بلغه في تفسير آية. ولذلك تتكوَّن مادَّة الكتاب أساسًا من النُّقول المسندة، مع تعليقات محدودة للمصنِّف، بدل الشَّرح المتَّصل الذي يعرض فيه المفسِّر رأيه في كلِّ آية. ويظهر ذلك منذ تفسير سورة الكهف، حيث تتعاقب آثار مجاهد والضَّحَّاك وابن عبَّاس رضي الله عنهما وغيرهم في تفسير المفردات والقصص والقراءات.
وينتهي الجزء الموجود في أثناء سورة النَّجم بعد روايات تتعلَّق بقوله تعالى: «ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى»، و«فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى»، و«فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى»، و«مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى». وفي آخر ما حُفظ منه ينقل البستي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ الرُّؤية كانت بالفؤاد، ويروي قولًا في معنى الآية، ثمَّ تنتهي النُّسخة قبل استكمال السُّورة، ويُشار إلى أنَّ التَّالي هو قوله تعالى: «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى».
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














